الحَدِيث الْعشْرُونَ يُورث من حَيْثُ يَبُول
الحَدِيث الْعشْرُونَ عَن ابْن عَبَّاس - رَضي اللهُ عَنهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ "فِي الَّذِي لَهُ مَا للرِّجَال ، وَمَا للنِّسَاء : يُورث من حَيْثُ يَبُول" .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْكَلْبِيّ ، عَن أبي صَالح ، عَن ابْن عَبَّاس : " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن مولودٍ ولد لَهُ قبل وَذكر ؛ من أَيْن يُورث ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يُورث من حَيْثُ يَبُول " .
وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف . أما الْكَلْبِيّ ، وَهُوَ مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشر الْكُوفِي فواه ، وَقد نسبه إِلَى الْكَذِب : زَائِدَة ، وَلَيْث ، وَابْن معِين ، وَجَمَاعَة . قَالَ ابْن حبَان : وضوح الْكَذِب فِيهِ أظهر من أَن يحْتَاج إِلَى الإغراق فِي وَصفه . وَرَوَى عَن أبي صَالح ، عَن ابْن عَبَّاس التَّفْسِير ، وَأَبُو صَالح لم ير ابْن عَبَّاس وَلَا سمع مِنْهُ ، لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ . وَأَبُو صَالح هَذَا فَلَيْسَ بِأبي صَالح ذكْوَان السمان ، الْمخْرج لَهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أبي هُرَيْرَة ؛ إِنَّمَا هُوَ : باذام - بباء مُوَحدَة ثمَّ ألف ثمَّ ذال مُعْجمَة ثمَّ ألف ثمَّ مِيم ، وَيُقَال : بنُون بدلهَا -
مولَى أم هَانِئ بنت أبي طَالب الْكُوفِي ، تكلم فِيهِ غير وَاحِد ، وَترك ابْن مهْدي الرِّوَايَة عَنهُ ، وَضَعفه البُخَارِيّ وَقَالَ س : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ فِي " سنَنه الْكَبِير " : ضَعِيف الحَدِيث .
قَالَ : وَقد رُوِيَ أَنه قَالَ فِي مَرضه : كل شَيْء حدثتكم بِهِ فَهُوَ كذب ! وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَفِي رِوَايَة عَنهُ : إِذا رَوَى عَنهُ الْكَلْبِيّ فَلَيْسَ بِشَيْء . قَالَ ابْن الْقطَّان فِي " الْوَهم وَالْإِيهَام " : قد أخبر ابْن معِين عَن نَفسه بِأَنَّهُ مَتى قَالَ فِي رجل : لَيْسَ بِهِ بَأْس فَهُوَ عِنْده ثِقَة ، وَضعف الْكَلْبِيّ لَا يَنْبَغِي أَن يُعْدي أَبَا صَالح ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يمس أَبُو صَالح بكذبة الْكَلْبِيّ عَلَيْهِ حَيْثُ حُكيَ عَنهُ أَنه قَالَ - أَعنِي أَن أَبَا صَالح قَالَ للكلبي - : كل مَا حدثتك عَن ابْن عَبَّاس كذب . فَهَذَا من كذب الْكَلْبِيّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ عِنْدهم كَذَّاب .
وَقَالَ ابْن عدي : عامّة مَا يرويهِ تَفْسِير . وَقَالَ يَحْيَى الْقطَّان : لم أر أحدا من أَصْحَابنَا تَركه . وَمَا سَمِعت أحدا من النَّاس يَقُول فِيهِ شَيْئا ، وَقَالَ حبيب بن أبي ثَابت : كُنَّا نُسَمِّيه دُرُوغرن كَذَا نَقله عَنهُ الْمُنْذِرِيّ فِي "موافقاته" وَقَالَ : مَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ : الْكذَّاب . وَنقل غَيره عَنهُ : الدُروزن ، وَفِي فاصل الرامَهُرْمُزِي : الدَّروزن - بلغَة فَارس - : الْكذَّاب . وَقَالَ عبد الْحق فِي " أَحْكَامه " : إِنَّه ضَعِيف جدًّا . فَأنْكر عَلَيْهِ هَذِه الْعبارَة
ابْن الْقطَّان وَقَالَ : إِنَّمَا يُقَال مثلهَا فِي الْوَاقِدِيّ وَنَحْوه من المتروكين ، فَأَما أَبُو صَالح هَذَا فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَد وَلَا من هَذَا النمط ، وَلَا أَقُول : إِنَّه ثِقَة ، وَلَكِنِّي أَقُول : إِنَّه لَيْسَ كَمَا توهمه هَذِه الْعبارَة ؛ بل قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : سَمِعت يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان يَقُول : لم أر أحدا من أَصْحَابنَا تَركه ، وَقد أسلفنا ذَلِك عَنهُ .
قلت : وَقد حسن التِّرْمِذِيّ حَدِيثا من رِوَايَته عَن ابْن عَبَّاس فِي لعن زائرات الْقُبُور ، لكنه غير جيد ، كَمَا سَيَأْتِي - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - فِي آخر الْجَنَائِز . عَلَى أَن عبد الْحق لم ينْفَرد بِهَذِهِ الْعبارَة الَّتِي قَالَهَا فِي أبي صَالح ، فقد قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " فِي بَاب الْكسر بِالْمَاءِ : ضَعِيف ؛ لَا يحْتَج بِخَبَرِهِ . وَقَالَ فِي بَاب أصل الْقسَامَة : أَبُو صَالح ، عَن ابْن عَبَّاس : ضَعِيف .
وَفِي هَذَا الحَدِيث وَرَاء هَذَا كُله عِلّة ثَالِثَة ، وَهِي الِانْقِطَاع فِيمَا بَين أبي صَالح ، وَابْن عَبَّاس كَمَا أسلفناه عَن ابْن حبَان وَلم يجْزم بِهِ الْمُنْذِرِيّ فِي "اختصاره للسنن" بل قَالَ قيل : إِنَّه لم يسمع مِنْهُ ، ذكره فِي حَدِيث : لعن زائرات الْقُبُور .
فتلخص أَنه حَدِيث لَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَنقل النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " الِاتِّفَاق عَلَى ضعفه قَالَ : وَرُوِيَ عَن عَلّي وَسَعِيد بن الْمسيب مثله ، وَمَا أقصر ابْن الْجَوْزِيّ ؛ فَإِنَّهُ ذكره فِي " مَوْضُوعَاته " بِلَفْظ : " الْخُنْثَى يُورث من قبل مباله " وَقَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ، وَقد اجْتمع فِيهِ كذابون : أَبُو صَالح ، والكلبي ، وَسليمَان بن عَمْرو النَّخعِيّ ، قَالَ ابْن عدي : وَالْبَلَاء فِيهِ من الْكَلْبِيّ .
قلت : لَكِن نقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الحَدِيث ، وَأَنه يُورث من حَيْثُ مباله ؛ فيستغنى بِالْإِجْمَاع عَنهُ ، وَللَّه الْحَمد .