الحَدِيث الثَّامِن عشر إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم
الْأَثر الثَّالِث : عَن ابْن عَبَّاس - رَضي اللهُ عَنهما - " أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا )أَي : تُرَابا طَاهِرا " .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقين بِنَحْوِهِ أَحدهمَا : من حَدِيث ابْن إِدْرِيس ، عَن قَابُوس بن أبي ظبْيَان - بِكَسْر الظَّاء - عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " الصَّعِيد : الْحَرْث حرث الأَرْض " .
ثَانِيهمَا : من حَدِيث جرير عَن قَابُوس ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ : " أطيب الصَّعِيد حرث الأَرْض " .
الْأَثر الرَّابِع : قَالَ الرَّافِعِيّ وَرُوِيَ عَن ابْن عمر مثله .
وَهَذَا لم أر من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ .
الْأَثر الْخَامِس : عَن ابْن عَبَّاس - رَضي اللهُ عَنهما - قَالَ : " من السّنة أَن لَا يصلى بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا مَكْتُوبَة وَاحِدَة ثمَّ يتَيَمَّم لِلْأُخْرَى " .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحسن بن عمَارَة - بِضَم الْعين - عَن الحكم ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " من السّنة أَن لَا يُصَلِّي الرجل بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاة وَاحِدَة ثمَّ يتَيَمَّم للصَّلَاة الْأُخْرَى " . ثمَّ قَالَ : الْحسن بن عمَارَة ضَعِيف . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث أبي يَحْيَى الْحمانِي ، عَن الْحسن بن عمَارَة أَيْضا ، عَن الحكم ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " لَا يصلى بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاة وَاحِدَة " .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " تَحْقِيقه " : أَبُو يَحْيَى الْحمانِي ، وَالْحسن بن عمَارَة مَتْرُوكَانِ . قلت : أما إِطْلَاق التّرْك عَلَى الْحسن بن عمَارَة فَهُوَ كَمَا قَالَ فِي حَقه ، وَأما إِطْلَاقه عَلَى أبي يَحْيَى الْحمانِي عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن فَلَا أعلم لَهُ سلفا فِي ذَلِك ، وَقد أخرج لَهُ مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَقَالَ أَبُو دَاوُد : كَانَ دَاعِيَة إِلَى الإرجاء . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن عدي : هُوَ وَابْنه مِمَّن يكْتب حَدِيثهمَا . وَأما ذكره هُوَ - أَعنِي ابْن الْجَوْزِيّ - فِي "ضُعَفَائِهِ" قَالَ : ضعفه أَحْمد وَوَثَّقَهُ
يَحْيَى . وَلم يزدْ عَلَى ذَلِك ، نعم أطلق الْكَذِب عَلَى ابْنه أحمدُ وَابْن نمير ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى وَغَيره ، وَقَالَ الْجوزجَاني : ترك حَدِيثه . وَقَالَ ابْن عدي : صنف الْمسند وَلم أر فِي مُسْنده وَلَا فِي أَحَادِيثه أَحَادِيث مَنَاكِير وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ .
قلت : وَرَوَى نَحْو مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس ثَلَاثَة من الصَّحَابَة أَيْضا : عَلّي بن أبي طَالب ، وعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ، وَعبد الله بن عمر .
أما أثر عَلّي فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حجاج ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن الْحَارِث ، عَن عَلّي قَالَ : " يتَيَمَّم لكل صَلَاة " . حجاج هُوَ ابْن أَرْطَاة النَّخعِيّ الْفَقِيه ضَعِيف . وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة : لَا أحتج بِهِ إِلَّا فِيمَا قَالَ : أَنا وَسمعت . قلت : وَقد عُدِمَا فِي هَذِه الرِّوَايَة ، والْحَارث هُوَ الْأَعْوَر وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ ، وَنسبه ابْن الْمَدِينِيّ إِلَى الْكَذِب .
وَأما أثر عبد الله فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن قَتَادَة أَن عَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ يتَيَمَّم لكل
صَلَاة " وَبِه كَانَ يُفْتِي قَتَادَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " : هَذَا مُرْسل . ثمَّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث همام عَن عَامر الْأَحول " أَن عَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ يتَيَمَّم لكل صَلَاة " وَأما أثر عبد الله بن عمر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الْوَارِث ، عَن عَامر بن عبد الْوَاحِد الْأَحول ، عَن نَافِع " أَن ابْن عمر كَانَ يتَيَمَّم لكل صَلَاة " . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" عَن الْحَاكِم ، عَن أبي بكر بن إِسْحَاق - وَهُوَ ابْن خُزَيْمَة - عَن عبد الله بن مُحَمَّد ، عَن الْحسن بن عِيسَى ، عَن ابْن الْمُبَارك ، عَن عبد الْوَارِث ، عَن عَامر - يَعْنِي الْأَحول - عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : " تيَمّم لكل صَلَاة وَإِن لم تحدث " ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده صَحِيح قَالَ : وَهُوَ أصح حَدِيث فِي الْبَاب . وَقَالَ فِي " خلافياته " وَقد سَاقه من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ السالف : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح . قَالَ : وَهُوَ أصح حَدِيث فِي الْبَاب وَبِه تقع الْكِفَايَة إِذْ لَا يعرف لَهُ مُخَالف من الصَّحَابَة فِيهِ .
قلت : وعامر الْأَحول وَإِن ضعفه ابْن عُيَيْنَة وَأحمد فقد وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم ، وَقَالَ ابْن معِين : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَأخرج لَهُ مُسلم فَجَاز القنطرة .
وَقَول ابْن حزم : الرِّوَايَة عَن ابْن عمر لَا تصح . لَيْسَ بجيد مِنْهُ ؛ لما علمت إِذْ عرفت هَذِه الْآثَار ، فليت الرَّافِعِيّ اقْتصر مِنْهَا عَلَى أثر ابْن عمر دون مَا رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس أَو ذكره أَولا ، ثمَّ ذكر مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس بعده ، ثمَّ ذكر الرَّافِعِيّ بعده : أَن السّنة فِي كَلَام الصَّحَابِيّ ينْصَرف إِلَى سنة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - . وَهُوَ كَمَا قَالَ كَمَا هُوَ مُقَرر فِي عُلُوم الحَدِيث .