الحَدِيث الأول للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة
﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴾( رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) بَاب الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ثَمَانِيَة أَحَادِيث وأثرًا وَاحِدًا . الحَدِيث الأول عَن أبي بكرَة رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن ، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر فَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْأَئِمَّة .
رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم ، فَقَالَ : أخبرنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ ، عَن المُهَاجر أبي مخلد ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة ، عَن أَبِيه بِهِ إِلَى قَوْله وَلَيْلَة . قَالَ الشَّافِعِي : إِذا تطهر .. . إِلَى آخِره ، وَكَذَا هُوَ فِي الْمُخْتَصر أَيْضا .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : أرخص للْمُسَافِر أَن يمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن ، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة وَهِي مخرجة فِي الْمسند . وَرَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُصَنفه ، عَن زيد بن الْحباب ، ثَنَا عبد الْوَهَّاب ، ثَنَا المُهَاجر مولَى البكرات ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة ، عَن أَبِيه : أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، من حَدِيث عبد الْوَهَّاب أَيْضا بِلَفْظ : أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن ، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر وَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : يمسح الْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن والمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بالسند الْمَذْكُور ، إِلَّا أَنه أبدل المُهَاجر بِخَالِد الْحذاء ، وَلَفظه : أنه عليه السلام سُئِلَ عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ؟ فَقَالَ : للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن ، وللمقيم يَوْم وَلَيْلَة . وَكَانَ أبي ينْزع خفيه وَيغسل رجلَيْهِ .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : وَهَذَا الْإِسْنَاد أجل من الأول - يَعْنِي : إِسْنَاد الدَّارَقُطْنِيّ وموافقته - لمَكَان خَالِد الْحذاء بدل المُهَاجر ، فَإِن خَالِدا مُتَّفق عَلَيْهِ ، إِلَّا أَن الْبَيْهَقِيّ قَالَ : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جمَاعَة عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن المُهَاجر . وَرَوَاهُ زيد بن الْحباب عَنهُ عَن خَالِد الْحذاء ، فإمَّا أَن يكون غَلطا مِنْهُ أَو من الْحسن بن عَفَّان - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ عَن زيد بن الْحباب - ، وَإِمَّا أَن يكون رَوَاهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أولَى أَن تكون مَحْفُوظَة . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لما سُئِلَ عَنهُ أَن الصَّحِيح حَدِيث المُهَاجر ، فَإِنَّهُ قَالَ : رَوَاهُ مهَاجر بن خَالِد مولَى آل أبي بكرَة ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة ، عَن أَبِيه ، حدث بِهِ وهيب بن خَالِد ، وعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ ، وَاخْتلف عَن عبد الْوَهَّاب فَرَوَاهُ عَنهُ ابْنه عُثْمَان بن عبد الْوَهَّاب ، ومسدد ، وَبُنْدَار ، وَأَبُو الْأَشْعَث ، فَقَالُوا : عَن مهَاجر ، عَن ابْن أبي بكرَة ، عَن أَبِيه ، وَخَالفهُم زيد بن الْحباب فَرَوَاهُ عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ ، عَن خَالِد ، عَن ابْن أبي بكرَة ، عَن أَبِيه ، وَالصَّحِيح حَدِيث مهَاجر .
قلت : قد رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، عَن زيد بن الْحباب ، عَن عبد الْوَهَّاب ، عَن المُهَاجر عَن ابْن أبي بكرَة ، عَن أَبِيه كَمَا أسلفناه ، فَكَأَنَّهُ اخْتلف عَنهُ أَيْضا . قلت : وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان من حَدِيث عبد الْوَهَّاب ، عَن مهَاجر ، أخرجه ابْن خُزَيْمَة عَن بنْدَار ، وَبشر بن معَاذ الْعَقدي ، وَمُحَمّد بن أبان ، عَن عبد الْوَهَّاب ، عَن المُهَاجر ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أَنه رخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن ، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر فَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا . وَهَذِه الرِّوَايَة مُوَافقَة لرِوَايَة الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب .
وَأخرجه ابْن حبَان بلفظين أَحدهمَا : أنه عليه السلام أرخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن ، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر وَلبس خفيه فليمسح عَلَيْهِمَا . ثَانِيهمَا : أنه عليه السلام وَقت فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر ، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة ، وَرَوَاهُ ابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى من حَدِيث يَحْيَى بن معِين ، عَن عبد الْوَهَّاب ، عَن مهَاجر بِلَفْظ : أنه عليه السلام جعل للمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة ، وللمسافر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ . وَصحح الحَدِيث أَيْضا إمامنا فِي رِوَايَة حَرْمَلَة ، كَمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة حَيْثُ قَالَ عَنهُ إِنَّه قَالَ فِي رِوَايَة حَرْمَلَة : أَخذنَا فِي التَّوْقِيت بِحَدِيث المُهَاجر ، وَكَانَ إِسْنَادًا صَحِيحا .
قَالَ : وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : قَالَ البُخَارِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . وَهَذَا رَأَيْته فِي علل التِّرْمِذِيّ الْكَبِير وَهُوَ كتاب مُفْرد ، وَقَالَ الْخطابِيّ : هُوَ حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : ولين بَعضهم المُهَاجر ، قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : لين الحَدِيث لَيْسَ بِذَاكَ ، وَلَيْسَ بالمتقن ، شيخ يكْتب حَدِيثه .
وَقَالَ ابْن معِين : صَالح . فَائِدَة : اسْم أبي بكرَة بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَوله ، وهاء التَّأْنِيث فِي آخِره نفيع بن الْحَارِث ، وَقيل : مسروح ، كني بذلك لِأَنَّهُ تدلى ببكرة من حصن الطَّائِف إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فكناه بذلك لما أخبرهُ بِفِعْلِهِ ، كَمَا رَوَاهُ عبد الْغَنِيّ فِي كتاب أَسبَاب الْأَسْمَاء وَهُوَ أحد الصَّحَابَة الَّذين لم يموتوا حتَّى رَأَى كل وَاحِد من صلبه مائَة ولد ذكر ، وهم ثَلَاثَة ذكرتهم فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب فاستفدهم مِنْهُ ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَخمسين .