الحَدِيث الثَّالِث عشر أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَرَأَ سُورَة الْأَعْرَاف فِي الْمغرب
الحَدِيث الثَّالِث عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَرَأَ سُورَة الْأَعْرَاف فِي الْمغرب . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث ابْن جريح ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عُرْوَة بن الزبير ، عَن مَرْوَان بن الحكم قَالَ : قَالَ لي زيد بن ثَابت : مَا لَك تقْرَأ فِي الْمغرب بقصار الْمفصل ؟ ! وَقد سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِيهَا بطولى الطولتين . ورَوَاهُ أَبُو دَاوُد من هَذَا الْوَجْه ، وَفِيه عَن مَرْوَان قَالَ : قَالَ زيد بن ثَابت : مَا لَك تقْرَأ فِي صَلَاة الْمغرب بقصار الْمفصل ؟ ! وَلَقَد رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِي الْمغرب بطولى الطولتين قَالَ : قلت : فَمَا طولى الطولتين ؟ قَالَ : الْأَعْرَاف .
وَقَالَ ابْن أبي مليكَة من قِبَلِ نَفسه : الْمَائِدَة ، والأعراف . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من هَذَا الْوَجْه أَيْضا وَفِيه : أَن مَرْوَان بن الحكم أخبرهُ أَن زيد بن ثَابت قَالَ : مَالِي أَرَاك تقْرَأ فِي الْمغرب بقصار السُّور ؟ ! وَقد رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِيهَا بأطول الطوليين ، قلت : يَا أَبَا عبد الله ، مَا طول الطوليين ؟ قَالَ : الْأَعْرَاف . وَفِي رِوَايَة لَهُ أَن زيدا قَالَ لمروان : أَتَقْرَأُ فِي الْمغرب بـ (قل هُوَ الله أحد) و(إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر)؟ قَالَ : نعم .
قَالَ : فمحلوفة ؛ لقد رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِيهَا بأطول الطوليين : (المص) . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ، - وَهُوَ أَبُو الْأسود أحد الثِّقَات - ، سمع عُرْوَة قَالَ زيد لمروان : أَبَا عبد الله تقْرَأ فِي الْمغرب : بـ (قل هُوَ الله أحد) و(إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر) ؟ قَالَ زيد : فَحَلَفت بِاللَّه لقد رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِيهَا بأطول الطويلتين (المص) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن زيد بن ثَابت : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يقْرَأ فِي الْمغرب بِسُورَة الْأَعْرَاف فِي الرَّكْعَتَيْنِ كلتيهما ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، إِن لم يكن فِيهِ إرْسَال ، وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ ، إِنَّمَا اتفقَا عَلَى حَدِيث ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عُرْوَة ، عَن مَرْوَان ، عَن زيد بن ثَابت : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِي صَلَاة الْمغرب بطولى الطوليين قَالَ : وَحَدِيث محَاضِر هَذَا مُفَسّر ملخص ، وَقد اتفقَا عَلَى الِاحْتِجَاج بمحاضر ، وَهَذَا آخر كَلَامه .
وَقَوله : إِنَّمَا اتفقَا عَلَى حَدِيث ابْن جريج .. . إِلَى آخِره ، لَيْسَ كَمَا قَالَ من الِاتِّفَاق ، وَإِنَّمَا هُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ كَمَا كشفت لَك أَولا . وَرَوَاهُ ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح مُخْتَصرا بِلَفْظ : عَن زيد قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِي الْمغرب بأطول الطوليين (المص) ... .
ثمَّ رَوَاهُ بِلَفْظ البُخَارِيّ . وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق ثَان من حَدِيث عَائِشَة : أنه عليه السلام قَرَأَ فِي صَلَاة الْمغرب بِسُورَة الْأَعْرَاف ، فرقها فِي الرَّكْعَتَيْنِ . رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن عَمْرو بن عُثْمَان ، نَا بَقِيَّة وَأَبُو حَيْوَة ، عَن ابْن أبي حَمْزَة ، نَا هِشَام بْن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَنْهَا .
قلت : إِسْنَاد حسن ، وَذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح وَقَالَ : هُوَ حَدِيث مُخْتَلف فِيهِ . قلت : وَله طَرِيق ثَالِث من حَدِيث أبي أَيُّوب قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رُبمَا قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأولتين من الْمغرب بالأعراف .. . ذكرهَا كَذَلِك ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح .
وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد عَلَى الشَّك ؛ فَقَالَ : نَا يَحْيَى بن سعيد ، عَن هِشَام ، أَن أَبَا أَيُّوب - أَو زيد بن ثَابت - قَالَ لمروان : ألم أرك قصرت سَجْدَتي الْمغرب ! رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِيهَا بالأعراف . وَأخرج التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه هَذَا الحَدِيث بِغَيْر إِسْنَاد ، فَقَالَ : رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَنه قَرَأَ فِي الْمغرب بالأعراف فِي الرَّكْعَتَيْنِ كلتيهما . وَفِي علل التِّرْمِذِيّ : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الطفَاوِي ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن أبي أَيُّوب ، وَزيد بن ثَابت قَالَا : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين من الْمغرب بالأعراف ، فَقَالَ : الصَّحِيح عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن أبي أَيُّوب أَو زيد ، هِشَام يشك فِي هَذَا الحَدِيث ، قَالَ : وَصحح هَذَا الحَدِيث عَن زيد بن ثَابت ، رَوَاهُ ابْن أبي مليكَة ، عَن عُرْوَة ، عَن مَرْوَان ، عَن زيد .
وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن الرّبيع الجيزي ، نَا أَبُو زرْعَة ، نَا حَيْوَة ، نَا أَبُو الْأسود أَنه سمع عُرْوَة بن الزبير يَقُول : أَخْبرنِي زيد بن ثَابت أَنه قَالَ لمروان بن الحكم : يَا أَبَا عبد الْملك ، مَا يحملك أَن تقْرَأ فِي صَلَاة الْمغرب بـ (قل هُوَ الله أحد) سُورَة أُخْرَى صَغِيرَة ! قَالَ زيد : فوالله لقد سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِي صَلَاة الْمغرب بأطول الطوليين وَهِي (المص) . قَالَ أَبُو الْحسن بن الْقطَّان : فَفِي هَذَا أَن عُرْوَة سَمعه من زيد بن ثَابت ، وَوَقع فِي سنَن أبي دَاوُد بَينهمَا مَرْوَان أَي ، وَكَذَا فِي البُخَارِيّ وَغَيره كَمَا سلف ، وَمَا مثله يَصح ؛ لِأَنَّهُ قد علل حَدِيث بسرة بذلك مَعَ أَنه قد زَاد فِيهِ كَمَا زَاد هُنَا فَيكون سَمعه مِنْهُ بعد أَن حَدثهُ مَرْوَان عَنهُ أَو حَدثهُ بِهِ زيدا ، وَلَا سَمعه أَيْضا من مَرْوَان ، فَصَارَ يحدث بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم سَمِعت أبي ، ونا عَن هِشَام بن عمار ، عَن الدَّرَاورْدِي ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَرَأَ فِي رَكْعَتي الْمغرب (المص) قَالَ : هَذَا خطأ ، إِنَّمَا هُوَ عَن أَبِيه عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسل ، وَتعقبه صَاحب الإِمَام ، فَقَالَ : فِيمَا قَالَه ابْن أبي حَاتِم نظر ؛ فقد رَوَاهُ النَّسَائِيّ مَوْصُولا من غير جِهَة هِشَام ، والدراوردي رَوَاهُ من حَدِيث ابْن وهب ، عَن عَمْرو بن الْحَارِث ، عَن أبي الْأسود أَنه سمع عُرْوَة بن الزبير يحدث عَن زيد بن ثَابت أَنه قَالَ لمروان : يَا أَبَا عبد الْملك ، أَتَقْرَأُ فِي الْمغرب بـ (قل هُوَ الله أحد) و(إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر) ؟ قَالَ : نعم ، قَالَ : فمحلوفة ، لقد رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِيهَا بأطول الطوليين (المص) ، قلت : وَفِي الصَّحِيحَيْنِ قِرَاءَة النَّبِي فِيهَا ، بِالطورِ ، وقراءته فِيهَا بالمرسلات . فَائِدَة : الطُّولَى وزن فعلَى ، تَأْنِيث أطول ، والطولين تَثْنِيَة : الطُّولَى ، وطولى الطوليين بِكَسْر الطَّاء يُرِيد أطول السورتين .
قَالَ الْخطابِيّ : وَبَعض الْمُحدثين يَقُول بطول الطوليين - بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْوَاو - وَهُوَ خطأ فَاحش إِنَّمَا : الطول الْحَبل وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه . وَكَذَا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : أَصْحَاب الحَدِيث يَرْوُونَهُ بطول ، وَهُوَ غلط ؛ إِنَّمَا هُوَ بطولى عَلَى وزن فعلَى ، وَهُوَ تَأْنِيث أطول ، وَالْمعْنَى بأطول السورتين ، قَالَ : وَقد رُوِيَ هَذَا من طَرِيق آخر عَن زيد مُفَسرًا : رَأَيْته يقْرَأ بأطول الطوليين . وَوَقع فِي كِفَايَة الْفَقِيه ابْن الرّفْعَة : طولى الطويلتين فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَهُوَ تَحْرِيف غَرِيب ، فاحذره .
وَكَيف يتَصَوَّر أَن يكون فِي السورتين الطويلتين سور طوال ، وَقَول ابْن مليكَة طولى الطوليين : الْأَعْرَاف والمائدة ، هُوَ إِحْدَى الرِّوَايَات عَنهُ ، وَفِي الْبَيْهَقِيّ : أَنه قيل لَهُ : مَا طولى الطوليين ؟ قَالَ : الْأَنْعَام والأعراف . وَرَأَيْت من ادَّعى أَنه لمشهور ، وَفِي أَطْرَاف ابْن عَسَاكِر : قيل لعروة مَا طولى الطوليين ؟ قَالَ : الْأَعْرَاف وَيُونُس . فَإِن قلت : لَعَلَّه أَرَادَ الْبَقَرَة ؛ لِأَنَّهَا أطول السَّبع الطوَال وَأجِيب عَنهُ : بِأَنَّهُ لَو أَرَادَ ذَلِك لقَالَ : بطولى الطول .
فَلَمَّا لم يقلها دلّ عَلَى أَنه أَرَادَ الْأَعْرَاف ، وَهِي من أطول السُّور ، يعضده وُرُودهَا مُعينَة من طرق .