الحَدِيث السَّابِع عشر لَا تثوبن فِي شَيْء من أصلح إِلَّا فِي صَلَاة الْفجْر
الحَدِيث السَّابِع عشر عَن بِلَال رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تثوبن فِي شَيْء من أصلح إِلَّا فِي صَلَاة الْفجْر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي إِسْرَائِيل ، عَن الحكم ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن بِلَال بِهِ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي إِسْرَائِيل ، عَن الحكم ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن بِلَال قَالَ : أَمرنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن أثوب فِي الْفجْر ، ونهاني أَن أثوب فِي الْعشَاء .
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أبي إِسْرَائِيل بِهِ بِلَفْظ : أَمرنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن لَا أثوب فِي شَيْء من الصَّلَاة إِلَّا فِي صَلَاة الْفجْر . وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي ضُعَفَائِهِ من هَذَا الْوَجْه أَيْضا ، وَمن حَدِيث الحكم ، أَو الْحسن بن عمَارَة بِهِ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث أبي إِسْرَائِيل الْملَائي ، واسْمه : إِسْمَاعِيل بْن أبي إِسْحَاق ، وَلَيْسَ بذلك الْقوي عِنْد أهل الحَدِيث ، وَأَبُو إِسْرَائِيل لم يسمع هَذَا الحَدِيث من الحكم بن عتيبة ، قَالَ : إِنَّمَا رَوَاهُ عَن الْحسن بن عمَارَة ، عَن الحكم بن عتيبة .
قلت : ووراء ذَلِك كُله عِلّة أُخْرَى ، وَهِي الِانْقِطَاع ؛ فَإِن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى لم يدْرك بِلَالًا ، كَمَا نَص عَلَيْهِ غير وَاحِد من الْحفاظ ، قَالَ الشَّافِعِي : لَا نعلم عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى رَأَى بِلَالًا قطّ ؛ عبد الرَّحْمَن بِالْكُوفَةِ ، وبلال بِالشَّام ! وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : عبد الرَّحْمَن لم يسمع من بِلَال وَلَا أدْرك أَذَانه . وَسَبقه إِلَى ذَلِك يَحْيَى بن معِين أَيْضا . وَقَالَ أَبُو حَاتِم لما سُئِلَ : هَل سمع مِنْهُ ؟ قَالَ : كَانَ بِلَال خرج إِلَى الشَّام فِي خلَافَة عمر قَدِيما ؛ فَإِن كَانَ رَآهُ كَانَ صَغِيرا .
وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فَإِن مولد عبد الرَّحْمَن لست بَقينَ من خلَافَة عمر ، كَمَا حَكَاهُ شُعْبَة عَن الحكم عَنهُ . وَقَالَ ابْن معِين : إِنَّه لم ير عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَقد أسلفنا فِي الحَدِيث قبله وَفَاة بِلَال ، فَحصل تَعْلِيل الحَدِيث بالضعف والانقطاع ، أما الضعْف ، فبسبب أبي إِسْرَائِيل ، واسْمه : إِسْمَاعِيل بن أبي إِسْحَاق ، واسْمه : خَليفَة - أَو عبد الْعَزِيز ، قَولَانِ - الْملَائي الْعَبْسِي الْكُوفِي ، ضَعَّفُوهُ ، قَالَ يَحْيَى : أَصْحَاب الحَدِيث لَا يَكْتُبُونَ حَدِيثه . وَقَالَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف .
وَتَركه ابْن مهْدي ، وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يرويهِ يُخَالف فِيهِ الثِّقَات . وَقَالَ الْعقيلِيّ : فِي حَدِيثه وهم واضطراب وَله مَعَ ذَلِك مَذْهَب سوء خَبِيث . وَأما الِانْقِطَاع فَفِي موضِعين : أَحدهمَا : بَين ابْن أبي لَيْلَى وبلال ، وَهُوَ وَاضح كَمَا سلف .
الثَّانِي : بَين أبي إِسْرَائِيل وَالْحكم كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ ، وَفِيه وَقْفَة ؛ فَإِن الإِمَام أَحْمد قد قَالَ فِي رِوَايَته : نَا حسن بن الرّبيع ، نَا أَبُو إِسْرَائِيل ، نَا الحكم . لَكِن قد رَوَاهُ الْعقيلِيّ من حَدِيث الحكم أَو الْحسن بن عمَارَة - عَلَى الشَّك كَمَا سلف - ثمَّ قَالَ : رَأَيْت فِي كتاب مُحَمَّد بن مُسلم بن وارة أخرجه إِلَى أَبِيه بِالريِّ قَالَ لي أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ : مَرَرْت يَوْمًا عَلَى بَاب أبي إِسْرَائِيل فَإِذا ريَاح قَاعد ، فَقلت : مَا أقعدك هَاهُنَا ؟ ! فَقَالَ : بَلغنِي حَدِيث عَن هَذَا ، فَلم أتمالك - وَإِذا هُوَ قد ذكر حَدِيث بِلَال فِي التثويب - فاستأذنت عَلَى أبي إِسْرَائِيل ، فَأذن لنا فَلم أزل ألطف بِهِ فَلَمَّا قمنا قلت لَهُ : شَيْئا اخْتَلَفْنَا فِيهِ فَقَالَ : وَمَا هُوَ ؟ فَذكرت ذَلِك ، فَقَالَ : نَا الحكم ، عَن ابْن أبي لَيْلَى - أَو الْحسن بن عمَارَة - : أنه عليه السلام قَالَ لِبلَال .. . الحَدِيث .
قَالَ الْعقيلِيّ : وحَدثني آدم بن مُوسَى قَالَ : سَمِعت البُخَارِيّ قَالَ : نَا إِسْمَاعِيل بن أبي إِسْحَاق أَبُو إِسْرَائِيل الْعَبْسِي الْملَائي الْكُوفِي ، عَن الحكم ، وعطية ضعفه أَبُو الْوَلِيد ، قَالَ : سَأَلته عَن حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى ، عَن بِلَال ، وَكَانَ يرويهِ عَن الحكم فِي الْأَذَان ، فَقَالَ : سمعته من الحكم وَالْحسن بن عمَارَة . قلت : وَالْحسن بن عمَارَة أحد الهلكى ، قَالَ زَكَرِيَّا السَّاجِي : أَجمعُوا عَلَى ترك حَدِيثه ، فتقرر إِذا ضعف هَذَا الحَدِيث بشواهده . وَخَالف ابْن الْجَوْزِيّ فَذكر هَذَا الحَدِيث فِي كِتَابه التَّحْقِيق من طريق الإِمَام أَحْمد محتجًّا بِهِ ، ثمَّ قَالَ : إِن قيل : أَبُو إِسْحَاق ضَعِيف ، ثمَّ لم يسمعهُ من الحكم ، إِنَّمَا رَوَاهُ عَن الْحسن بن عمَارَة ، عَن الحكم .
قُلْنَا : مُجَرّد التَّضْعِيف لَا يقبل حَتَّى يبين سَببه ، وَقد رَوَاهُ أَحْمد عَنهُ ، فَقَالَ : ثَنَا الحكم : وهَذَا لَيْسَ بجيد مِنْهُ ، وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيم ذَلِك لَهُ فَكيف يعْمل بالانقطاع بَين ابْن أبي لَيْلَى وبلال ، وأجمل ابْن السكن القَوْل فِي تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ بعد أَن ذكره فِي صحاحه : لَا يَصح إِسْنَاده . فَائِدَة : قَول التِّرْمِذِيّ السالف هَذَا حَدِيث لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث أبي إِسْرَائِيل الْملَائي ، قد عرفنَا لَهُ بِفضل الله وَمِنْه طَرِيقا آخر غَيره رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْحسن الزجاجي ، عَن أبي سعيد ، وَهُوَ الْبَقَّال عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن بِلَال قَالَ : أَمرنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن أثوب فِي الْفجْر ، ونهاني أَن أثوب فِي الْعشَاء وَعبد الرَّحْمَن هَذَا إِن يكن الرَّاوِي عَن معمر وطبقته ، فقد قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فِي حَقه : لَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ غَيره : صَالح الحَدِيث .