آثار الباب
وَأما آثاره فَأَرْبَعَة : أَولهَا : عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : لَيْسَ عَلَى النِّسَاء أَذَان .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" عَنهُ بِإِسْنَاد صَحِيح بِهِ وَزِيَادَة : وَلَا إِقَامَة ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "تَحْقِيقه" : حَكَى أَصْحَابنَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ عَلَى النِّسَاء أَذَان وَلَا إِقَامَة ، قَالَ : وَهَذَا لَا نعرفه مَرْفُوعا ؛ إِنَّمَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور ، عَن الْحسن وَإِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ وَسليمَان بن يسَار ، وَحكي عَن عَطاء أَنه قَالَ : يقمن .
قلت : قد جَاءَ مَرْفُوعا من حَدِيث الحكم بن عبد الله الْأَيْلِي ، ورَوَاهُ ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيثه عَن الْقَاسِم ، عَن أَسمَاء قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَيْسَ عَلَى النِّسَاء أَذَان وَلَا إِقَامَة وَلَا جُمُعَة وَلَا اغتسال ، وَلَا تتقدمهن امْرَأَة ، وَلَكِن تقوم فِي وسطهن ، ولكنه حَدِيث ضَعِيف بِسَبَب الحكم هَذَا ؛ فَإِنَّهُ مَتْرُوك مُتَّهم ، نسبه إِلَى الْكَذِب السَّعْدِيّ وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ، وَقَالَ ابْن معِين : لَيْسَ بِثِقَة وَلَا مَأْمُون . وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِشَيْء ، لَا يكْتب حَدِيثه . وَقَالَ أَحْمد : أَحَادِيثه كلهَا مَوْضُوعَة . وَقَالَ البُخَارِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حبَان : يروي الموضوعات عَن الْأَثْبَات .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " : هَكَذَا رَوَاهُ الحكم بن عبد الله
الْأَيْلِي ، وَهُوَ ضَعِيف .
قَالَ : ورويناه فِي الْأَذَان وَالْإِقَامَة عَن أنس مَرْفُوعا وموقوفًا ، وَرَفعه ضَعِيف .
الْأَثر الثَّانِي : عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها " أَنَّهَا كَانَت تؤذن وتقيم " .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" بِزِيَادَة : وتؤم النِّسَاء وسطهن .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ عَن عَمْرو بن أبي سَلمَة قَالَ : سَأَلت ابْن ثَوْبَان : عَلَى النِّسَاء إِقَامَة ؟ فَحَدثني أَن أَبَاهُ حَدثهُ قَالَ : سَأَلت مَكْحُولًا فَقَالَ : إِذا أذنَّ وأقمن فَذَلِك أفضل ، وَإِن لم يزدن عَلَى الْإِقَامَة أَجْزَأت عَنْهُن . قَالَ ابْن ثَوْبَان : وَإِن لم يقمن ، فَإِن الزُّهْرِيّ حدث عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة قَالَت : كُنَّا نصلي بِغَيْر إِقَامَة .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا إِن صَحَّ مَعَ الأول فَلَا يتنافيان لجَوَاز فعلهَا ذَلِك مرّة وَتركهَا أُخْرَى ؛ لجَوَاز الْأَمريْنِ جَمِيعًا . قَالَ : وَيذكر عَن جَابر بن عبد الله " قيل لَهُ : أتقيم الْمَرْأَة ؟ قَالَ : نعم " .
الْأَثر الثَّالِث : عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : لَوْلَا الخليفى لأذنت .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ، عَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ : قدمنَا عَلَى عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالَ : من مؤذنكم ؟ فَقُلْنَا : عبيدنا وموالينا ، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا
يقلبها - عبيدنا وموالينا ؟ ! إِن ذَلِك بكم لنَقص شَدِيد لَو أطقت الْأَذَان مَعَ الخليفى لأذنت .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا عَن قيس قَالَ : قَالَ عمر : لَو كنت أُطِيق الْأَذَان مَعَ الخليفى لأذنت .
وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ - عَلَى مَا نَقله صَاحب "الإِمَام" عَنهُ - من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا قَالَ : ثَنَا شبيل بن عَوْف البَجلِيّ أَن عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : من مؤذنوكم الْيَوْم ؟ قُلْنَا : موالينا وعبيدنا . قَالَ : إِن ذَلِك بكم لنَقص كَبِير ، قَالَ : وَقَالَ إِسْمَاعِيل : قَالَ : وقَالَ عمر : لَو كنت أُطِيق مَعَ الخليفى لأذنت ، وَقَالَ حُصَيْن : حدثت أَن عمر بن الْخطاب قَالَ : لَوْلَا أَن يكون سنة مَا أذن غَيْرِي .
فَائِدَة : الخليفى - بتَشْديد اللَّام مَعَ كسر الْخَاء الْمُعْجَمَة مَقْصُور .
وَقيس بن أبي حَازِم هَذَا تَابِعِيّ جليل ، رَوَى عَن الْعشرَة ، وَلَا يعرف أحد رَوَى عَن الْعشرَة غَيره ، قَالَه ابْن خرَاش الْحَافِظ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لم يسمع ابْن عَوْف . وَذكر الْحَاكِم مَعَ قيس هَذَا سعيد بن الْمسيب وَغَيره ، وَفِيه نظر لَا يخْفَى ، وَاسم أَبِيه : عبد عَوْف
بن الْحَارِث ، وَقيل : عَوْف الأحمسي البَجلِيّ الْكُوفِي ، وَهُوَ من المخضرمين ، أدْرك الْجَاهِلِيَّة ، وَجَاء ليبايع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَتوفي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ فِي الطَّرِيق ، وَقيل فِي المخضرم غير ذَلِك ، مِمَّا أوضعته فِي "الْمقنع فِي عُلُوم الحَدِيث" فِي النَّوْع الْأَرْبَعين ؛ فَرَاجعه مِنْهُ تَجِد غرائب ونفائس لَا تُوجد مَجْمُوعَة فِي غَيره .
الْأَثر الرَّابِع : " أَن عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَخذ أَرْبَعَة من المؤذنين ، وَلم يزدْ الْخُلَفَاء الراشدون عَلَى هَذَا الْعدَد .
وهَذَا الْأَمر مَشْهُور فِي كتب أَصْحَابنَا ، وَمِمَّنْ ذكره مِنْهُم صَاحب "الْمُهَذّب" ، وَلم يعزه النَّوَوِيّ فِي شَرحه لَهُ ، وبيض لَهُ الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه لأحاديثه بَيَاضًا ، وَفِي "سنَن الْبَيْهَقِيّ" بَاب عدد المؤذنين ، وَذكر فِي آخِره زِيَادَة عُثْمَان : التأذين يَوْم الْجُمُعَة ، ثمَّ قَالَ : الْخَبَر ورد فِي التأذين لَا فِي الْمُؤَذّن . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَهُوَ إِذا أَدخل فِي الْبَاب غير مَا ترْجم لَهُ ، وَفِي "الْمعرفَة" لَهُ عَن بعض أَصْحَابنَا أَنه قَالَ : احْتج الشَّافِعِي فِي "الْإِمْلَاء" عَلَى جَوَاز أَكثر من مؤذنين اثْنَيْنِ بِقصَّة عُثْمَان ، قَالَ : ومعروف أَنه زَاد فِي عدد المؤذنين فجعلهم ثَلَاثَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قد روينَا فِي حَدِيث السَّائِب بن يزِيد أَن التأذين الثَّالِث يَوْم
الْجُمُعَة إِنَّمَا أَمر بِهِ عُثْمَان حِين كثر أهل الْمَدِينَة إِلَّا أَن أهل الْعلم يَقُولُونَ : المُرَاد بِهِ التأذين الثَّالِث مَعَ الْإِقَامَة ، وَذَلِكَ لِأَن فِي حَدِيث السَّائِب "وَكَانَ التأذين يَوْم الْجُمُعَة حِين يجلس الإِمَام " ، فَالَّذِي زَاد عُثْمَان هُوَ الْأَذَان قبل خُرُوج الإِمَام . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَعَلَى هَذَا يدل كَلَام الشَّافِعِي فِي كتاب الْجُمُعَة . قَالَ : وَلَعَلَّه زَاد أَيْضا فِي عدد المؤذنين .