الحَدِيث الأول أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل الْبَيْت ودعا فِي نواحيه
بَاب اسْتِقْبَال الْقبْلَة ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ سَبْعَة أَحَادِيث
الحَدِيث الأول
أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل الْبَيْت ودعا فِي نواحيه ، ثمَّ خرج وَركع رَكْعَتَيْنِ فِي قبُل الْكَعْبَة ، وَقَالَ : هَذِه الْقبْلَة .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أودعاه فِي "صَحِيحَيْهِمَا" من حَدِيث أُسَامَة بن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما دخل الْبَيْت دَعَا فِي نواحيه كلهَا ، وَلم يصل فِيهَا حَتَّى خرج ، فَلَمَّا خرج ركع فِي قبل الْبَيْت رَكْعَتَيْنِ ، وَقَالَ : هَذِه الْقبْلَة .
فَائِدَة : قَوْله : ركع فِي قبل الْبَيْت ، قَالَ الْخطابِيّ : قبُل كل شَيْء وقبلته : مَا استقبلك مِنْهُ . وَقَالَ القلعي : قبل الْبَيْت ، أَي : بِحَيْثُ تقابله وتعاينه . وَقَالَ النَّوَوِيّ : المُرَاد بقبلها : وَجههَا ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة فِي الصَّحِيح من حَدِيث ابْن عمر : فَصَلى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجه الْكَعْبَة قَالَ :
وَهَذَا أحسن مَا قيل فِيهِ - إِن شَاءَ الله . قَالَ : وقبلة : بِضَم الْبَاء ، وَيجوز إسكانها .
وقَوْله : "هَذِه الْقبْلَة" قَالَ الْخطابِيّ فِي مَعْنَاهُ : إِن أَمر الْقبْلَة قد اسْتَقر عَلَى هَذِه البنية ؛ فَلَا تنسخ بعد الْيَوْم ، فصلوا إِلَيْهِ أبدا فَهُوَ قبلتكم . قَالَ : وَيحْتَمل أَنه علمهمْ موقف سنة الإِمَام وَأَنه يقف فِي وَجههَا دون أَرْكَانهَا وجوانبها ، وَإِن كَانَت الصَّلَوَات فِي جَمِيع جهاتها مجزئة .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : وَيحْتَمل مَعْنَى ثَالِثا وهُوَ أَن مَعْنَاهُ : هَذِه الْكَعْبَة هِيَ الْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي أمرْتُم باستقباله ؛ لَا كل الْحرم وَلَا مَكَّة وَلَا الْمَسْجِد الَّذِي حول الْكَعْبَة بل هِيَ نَفسهَا فَقَط .
فَائِدَة ثَانِيَة : نفي أُسَامَة صلَاته عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْكَعْبَة ، وَكَذَا ابْن عَبَّاس فِي "صَحِيح البُخَارِيّ" وأثبتها بِلَال ، كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَأجْمع أهل الحَدِيث عَلَى الْأَخْذ بهَا لِأَنَّهَا مثبتة وَمَعَهَا زِيَادَة علم ، فَوَجَبَ ترجيحها ، وَأجَاب بَعضهم عَن الأول بِأَن المُرَاد نفي الرُّؤْيَة فَقَط
لَا النَّفْي الْمُطلق ، وَعَابَ ابْن حبَان هَذَا فِي "صَحِيحه" وَجمع بَينهمَا بِأَن ذَلِك بِاعْتِبَار حالتين فِي عَاميْنِ ، وَأحسن مِنْهُ بِاعْتِبَار وَقْتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ ، وَقد ذكرت ذَلِك كُله موضحًا فِي شرحي للعمدة فَليُرَاجع مِنْهُ .