الحَدِيث الْحَادِي والثَّانِي وَالثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ الجهر بالبسملة
الحَدِيث الْحَادِي والثَّانِي وَالثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ
عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : " صليت خلف النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأبي بكر وَعمر ، فَكَانُوا يجهرون بالبسملة " وَعَن عَلّي وَابْن عَبَّاس : " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يجْهر بهَا فِي الصَّلَاة بَين السورتين " .
الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة مخرَّجة فِي "سنَن الدَّارَقُطْنِيّ" .
أما الأول : وَهُوَ حَدِيث ابْن عمر فَرَوَاهُ عَن : عمر بن الْحسن بن عَلّي الشَّيْبَانِيّ ، نَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن مَرْوَان ، نَا أَبُو الطَّاهِر أَحْمد بن عِيسَى ، نَا ابْن أبي فديك ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : " صلَّيْتُ خلف النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأبي بكر وَعمر ؛ فَكَانُوا يجهرون بِ﴿بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴾" .
عمر بن الْحسن شيخ الدَّارَقُطْنِيّ وثَّقه بَعضهم وَتكلم فِيهِ آخَرُونَ .
وجعفر بن مُحَمَّد بن مَرْوَان قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَا يحتجُّ بحَديثه . وَأَبُو الطَّاهِر بن عِيسَى قَالَ ابْن أبي حَاتِم : هُوَ ابْن مُحَمَّد بن عمر بن عَلّي بن أبي طَالب الْعلوِي ، رَوَى عَن ابْن أبي فديك ، رَوَى عَنهُ أَبُو يُونُس الْمدنِي قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : كَذَّاب .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه مستشهدًا بِهِ عَن أبي بكر البردعي ، نَا أَبُو الْفضل الْعَبَّاس بن عمرَان القَاضِي ، نَا أَبُو جَابر سيف بن عَمْرو ، نَا مُحَمَّد بن أبي السّري ، أَنا إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ، نَا مَالك ، عَن حميد عَن أنس قَالَ : " صلَّيت خلف النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَخلف أبي بكر وَخلف عمر وَخلف عُثْمَان وَخلف عَلّي ، فَكَانُوا كلهم يجهرون بِقِرَاءَة ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴾" .
وَأما الثَّانِي : وَهُوَ حَدِيث عَلّي فَرَوَاهُ أَيْضا - أَعنِي الدَّارَقُطْنِيّ - عَن أبي الْقَاسِم الْبَزَّاز ، نَا الْقَاسِم بن الْحسن الزبيدِيّ ، نَا أسيد بن زيد ، نَا عَمْرو بن شمر ، عَن جَابر ، عَن
أبي الطُّفَيْل ، عَن عَلّي وعمار : " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يجْهر فِي المكتوبات بِ﴿بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴾" .
عَمْرو هَذَا واه . ثمَّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن الحكم بن ظهير ، نَا مُحَمَّد بن حسان الْعَبْدي ، عَن جَابر ، عَن أبي الطُّفَيْل قَالَ : سَمِعت عَلّي بن أبي طَالب وَعمَّارًا يَقُولَانِ : " إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يجْهر بِ﴿بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴾" .
الحكم هَذَا قَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ .
وَأما الثَّالِث وَهُوَ حَدِيث ابْن عَبَّاس فَرَوَاهُ أَيْضا أَعنِي الدَّارَقُطْنِيّ - كَمَا سَيَأْتِي - وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بعد أَن بوَّب : مَا جَاءَ فِي الْجَهْر بِـ ( ﴿بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴾) من حَدِيث أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ ، نَا الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان قَالَ : حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد ، عَن أبي خَالِد ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يفْتَتح صلَاته بِ﴿بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴾" ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ .
قلت : أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ ثِقَة حُجَّة ، احتجَّ بِهِ مُسلم ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ . والمعتمر بن سُلَيْمَان : لَا يسْأَل عَنهُ ، احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَة . وَإِسْمَاعِيل بن حَمَّاد : صَدُوق وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : يكْتب حَدِيثه . نعم ، قَالَ الْأَزْدِيّ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ . وَوهم ابْن الْجَوْزِيّ فِي "تَحْقِيقه" فَادَّعَى أَن رَاوِيه حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان ، وَقَالَ : كذبه ابْن معِين . وَإِنَّمَا هُوَ إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان كَمَا علمت وَقد صرح بذلك أَيْضا ابْن عدي فِي "كَامِله" ، والعقيلي فِي "ضُعَفَائِهِ " . وَبَقِي الشَّأن فِي أبي خَالِد هَذَا فَقيل : إِنَّه الْوَالِبِي الْكُوفِي ، واسْمه هُرْمُز وَقيل : هرم . قَالَ أَبُو حَاتِم : صَالح الحَدِيث ، وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي الكنى: سُئِلَ أَبُو زرْعَة عَنهُ ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي من هُوَ لَا أعرفهُ . وَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي الْأَسْمَاء تَرْجَمَة أبي خَالِد الْوَالِبِي ، وَسَماهُ هُرْمُز ، وَقَالَ الْعقيلِيّ فِي إِسْمَاعِيل : حَدِيثه غير مَحْفُوظ ويحكيه ، عَن مَجْهُول ، ثمَّ سَاق الحَدِيث . وَسَاقه ابْن عدي كَذَلِك ، ثمَّ سَاقه من
حَدِيث إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد ، عَن عمرَان بن أبي خَالِد ، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ ، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث لَا يرويهِ غير مُعْتَمر ، وَهُوَ غير مَحْفُوظ ، سَوَاء قَالَ عَن أبي خَالِد أَو عَن عمرَان بن أبي خَالِد جَمِيعًا مَجْهُولَانِ .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أبي الصَّلْت الْهَرَوِيّ ، عَن عباد بن الْعَوام ، عَن شريك ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن حسان ، عَن شريك ، عَن سَالم ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يجْهر فِي الصَّلَاة بِ﴿بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴾" قَالَ الْحَاكِم : قد احْتج البُخَارِيّ بسالم هَذَا وَهُوَ ابْن عجلَان الْأَفْطَس . وَاحْتج مُسلم بِشريك . وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَلَيْسَ لَهُ عِلّة وَلم يخرجَاهُ .
قلت : هما مَعْذُوران فِي عدم تَخْرِيجه ؛ فَإِن عبد الله الْمَذْكُور كذبه غير وَاحِد من الْأَئِمَّة ، وَنسبه عَلّي ابن الْمَدِينِيّ إِلَى الْوَضع ، وَالْعجب كَيفَ خَفِي حَاله عَلَى هَذَا الْحَافِظ الْكَبِير . وَأَبُو الصَّلْت الَّذِي فِي سَنَد الدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك ، وَقد رَوَاهُ ابْن رَاهَوَيْه فِي "مُسْنده" عَن يَحْيَى بن آدم ، أَنا شريك ، عَن سَالم الْأَفْطَس ، عَن سعيد بن جُبَير قَالَ : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يجْهر بِـ ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾) يمدُّ بهَا صَوته " ، وَرَوَاهُ
الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق مُعْتَمر أَيْضا كَمَا سلف ، وَمن طَرِيق أَحْمد بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حَمْزَة قَالَ : حَدثنِي أبي ، عَن أَبِيه قَالَ : " صَلَّى بِنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي الْمغرب ، فجهر بِـ ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾) . قَالَ : فَقلت : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : حَدثنِي أبي ، عَن أَبِيه ، عَن جدِّه ، عَن ابْن عَبَّاس : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جهر بِـ ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾) . قَالَ : قلت فآثره عَنْك ؟ قَالَ : نعم " .
وَمن طَرِيق جَعْفَر بن عبسة بن عَمْرو الْكُوفِي ، نَا عمر بن حَفْص الْمَكِّيّ ، وَلَا يعرفان كَمَا قَالَه ابْن الْقطَّان . نعم الثَّانِي ذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته"، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يزل يجْهر فِي السورتين بِـ ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾) حَتَّى قبض " ، وَنقل النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" ، وَقَبله أَبُو أُسَامَة الْمَقْدِسِي فِي مصنَّفه فِي الْجَهْر بالبسملة عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ فِي طَرِيق مُعْتَمر وَأحمد بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حَمْزَة : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح ، لَيْسَ فِي رُوَاته مَجْرُوح . وَفِي الْبَاب أَحَادِيث صَحِيحه صَرِيحَة لَيْسَ لأحد فِيهَا مطْعن ، قَالَ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي فِي كِتَابه الْمَعْرُوف فِي الْبَسْمَلَة وَهُوَ كتاب نَفِيس جدًّا : اعْلَم أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْجَهْر كَثِيرَة مُتعَدِّدَة عَن
جماعةٍ من الصَّحَابَة يرتقي عَددهمْ إِلَى أحد وَعشْرين صحابيًّا رووا ذَلِك عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مِنْهُم من صرح بذلك ، وَمِنْهُم من فهم من عِبَارَته ، وَلم يَرِدْ تصريحُ الْإِسْرَار بهَا عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهمَا : عَن ابْن مُغفل وَهِي ضَعِيفَة ، وَالثَّانيَِة : عَن أنس ، وَهِي معللة بِمَا أوجب سُقُوط الِاحْتِجَاج بهَا .
وَمِنْهُم من اسْتدلَّ بِحَدِيث : " قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ " وَلَا دَلِيل فِيهِ للإسرار .
وَأما أَحَادِيث الْجَهْر فالحجة قَائِمَة بِمَا شهد لَهُ بِالصِّحَّةِ مِنْهَا ؛ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن سِتَّة من الصَّحَابَة : أبي هُرَيْرَة ، وَأم سَلمَة ، وَابْن عَبَّاس ، وَأنس ، وَعلي بن أبي طَالب ، وَسمرَة بن جُنْدُب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم . ثمَّ ذكر ذَلِك بِطرقِهِ وَقد كنتُ كتبتُ هُنَا مِنْهُ أوراقًا بِزِيَادَات عَلَيْهِ وأحلتُ فِي شرحي للمنهاج عَلَيْهِ ، وَرَأَيْت الْآن حذف ذَلِك هُنَا مسارعة إِلَى إِكْمَال هَذِه المبيَّضة الثَّانِيَة فَإِنَّهُ أهم ، وليراجع من أَرَادَ ذَلِك من الْكتاب الْمَذْكُور لأبي شامة الْحَافِظ رَحِمَهُ اللَّهُ .