الحَدِيث الرَّابِع عشر بعد الْمِائَة يعلمنَا التَّشَهُّد كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن
الحَدِيث الرَّابِع عشر بعد الْمِائَة عَن جَابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يعلمنَا التَّشَهُّد كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن : باسم الله وَبِاللَّهِ ، التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات ، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ، أسأَل الله الْجنَّة وَأَعُوذ بِاللَّه من النَّار " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمْ" وَنَصّ غير وَاحِد من الْحفاظ عَلَى ضعفه . قَالَ النَّسَائِيّ : لَا نعلم أحدا تَابع أَيمن - يَعْنِي ابْن نابل بِالْبَاء الْمُوَحدَة - رَاوِيه ، عَن
(أبي) الزبير ، عَن جَابر عَلَى هَذَا الحَدِيث (وَخَالفهُ اللَّيْث بن سعد فِي إِسْنَاده) وأيمن عندنَا لَا بَأْس بِهِ ، والْحَدِيث خطأ - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق - وَقَالَ حَمْزَة بن مُحَمَّد الْحَافِظ : قَوْله عَن جَابر خطأ ، وَالصَّوَاب أَبُو (الزبير) ، عَن سعيد بن جُبَير وَطَاوُس ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : وَلَا أعلم أحدا قَالَ فِي التَّشَهُّد (باسم الله وَبِاللَّهِ) إِلَّا أَيمن بن نابل ، عَن أبي الزبير .
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : رَوَى (أَيمن) بن نابل الْمَكِّيّ هَذَا الحَدِيث ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ، وَهُوَ غير مَحْفُوظ ، قَالَ : وَسَأَلت البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : هُوَ خطأ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : أَيمن لَيْسَ بِالْقَوِيّ . زَاد فِي " علله " : وَحَدِيث ابْن عَبَّاس أشبه بِالصَّوَابِ من حَدِيث جَابر . وَضَعفه أَيْضا الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" وَقَالَ عبد الْحق فِي " أَحْكَامه " : أحسن حَدِيث أبي الزبير ، عَن جَابر مَا ذكر فِيهِ سَمَاعه مِنْهُ وَلم يذكر السماع فِي هَذَا فِيمَا أعلم . وَقَالَ صَاحب " الْمُهَذّب " : ذكر التَّسْمِيَة غير صَحِيح عِنْد أَصْحَاب الحَدِيث وَكَذَا نَقله الْبَغَوِيّ عَنْهُم . وَخَالف الْحَاكِم فاستدرك هَذَا الحَدِيث وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ ، قَالَ : وأيمن
ابن نابل ثِقَة قد احْتج بِهِ البُخَارِيّ . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ فِي أَيمن (بن) نابل : إِنَّه ثِقَة . قَالَ : فَأَما صِحَّته عَلَى شَرط مُسلم فَحَدَّثنَاهُ أَبُو عَلّي الْحَافِظ ، ثَنَا عبد الله بن (قَحْطَبَةَ) ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى ، نَا الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان ، نَا أبي ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذكره . قَالَ الْحَاكِم : سَمِعت أَبَا عَلّي الْحَافِظ (يوثق ابْن قَحْطَبَةَ) إِلَّا أَنه أَخطَأ فِيهِ فَإِنَّهُ عِنْد الْمُعْتَمِر ، عَن أَيمن بن نابل كَمَا تقدم ذكرنَا لَهُ ، انْتَهَى كَلَام الْحَاكِم . وَأنكر النَّوَوِيّ عَلَيْهِ تَصْحِيحه فَقَالَ فِي " شرح الْمُهَذّب " وَغَيره : تَصْحِيح الْحَاكِم لهَذَا الحَدِيث مَرْدُود لَا يقبل مِنْهُ ، فَإِن الَّذين ضَعَّفُوهُ أجل مِنْهُ وأتقن .
قلت : تَضْعِيف من هُوَ أجل مِنْهُ وأتقن لَا يصلح أَن يكون ردًّا عَلَى الْحَاكِم ، فَإِن الْحَاكِم ادَّعَى أَنه عَلَى شَرط البُخَارِيّ فِي أَيمن بن نابل ، وَهُوَ كَذَلِك فقد أخرج لَهُ و(قد) وَثَّقَهُ ( الثَّوْريّ ) وَابْن معِين وَغَيرهمَا وَلكنه تفرد بِهَذَا الحَدِيث فَهَذَا (هُوَ) الَّذِي يتَوَقَّف فِي صِحَّته لأَجله .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، خَالف النَّاس وَلَو لم يكن إِلَّا حَدِيث
التَّشَهُّد . وَقَالَ ( ابْن) الْمَدِينِيّ : ثِقَة وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة : فِيهِ ضعف . وَقَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أَن أَحَادِيثه لَا بَأْس بهَا .
قلت : لَكِن يعْتَرض عَلَى الْحَاكِم من وَجه آخر فإنَّ التِّرْمِذِيّ سَأَلَ البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ : إِنَّه خطأ . فَكيف يكون عَلَى شَرطه ؟ ! . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى "بِاسم الله خير الْأَسْمَاء" .
قلت : هَذَا اللَّفْظ لم أره فِي حَدِيث جَابر ، نعم هُوَ فِي حَدِيث (ابْن) الزبير كَمَا ستعلمه ، وَسلف من حَدِيث عمر قَرِيبا .
فصل : قد تلخص من أول مَا شرع الرَّافِعِيّ فِي ذكر التَّشَهُّد إِلَى هُنَا خمس تشهدات أَحدهَا : تشهد ابْن عَبَّاس . ثَانِيهَا : تشهد ابْن مَسْعُود . ثَالِثهَا : تشهد عمر . رَابِعهَا : تشهد (ابْنه) . خَامِسهَا : تشهد جَابر . وَبَقِي مِنْهَا ثَمَانِي تشهدات أُخَر أَحدهَا : تشهد أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ . ثَانِيهَا : تشهد عَائِشَة . ثَالِثهَا : تشهد (سَمُرَة بن) جُنْدُب . رَابِعهَا : تشهد عَلّي بن أبي طَالب . خَامِسهَا : تشهد عبد الله بن الزبير . سادسها : تشهد مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان . سابعها : تشهد (سلمَان) . ثامنها : تشهد أبي حميد السَّاعِدِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ، فلنذكرها لتكمل الْفَائِدَة باستحضارها فِي مَوضِع وَاحِد فَإِنَّهُ من النفائس فَنَقُول :
أما تشهد أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم من حَدِيث حطَّان بن عبد الله الرقاشِي قَالَ : " صليت مَعَ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ صَلَاة ، فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْقعدَة قَالَ رجل من الْقَوْم : أقرَّت الصَّلَاة (بِالْبرِّ) وَالزَّكَاة . فَلَمَّا قَضَى (أَبُو مُوسَى) الصَّلَاة (وَسلم) انْصَرف فَقَالَ : أَيّكُم الْقَائِل كلمة كَذَا وَكَذَا ؟ فأرم الْقَوْم ، ثمَّ ذكر أَبُو مُوسَى صفة صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى أَن قَالَ : وَإِذا كَانَ عِنْد الْقعدَة فَلْيَكُن من [ أول ] قَول أحدكُم : التَّحِيَّات الطَّيِّبَات الصَّلَوَات لله ، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " .
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَبَعض نسخ مُسلم "وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله" .
(وَفِي رِوَايَة للنسائي : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، و(أشهد) أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله) وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي "أكبر معاجمه" تنكير السَّلَام فيهمَا .
وَأما تشهد عَائِشَة فَرَوَاهُ الْحسن بن سُفْيَان فِي "مُسْنده" وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق قَالَ :
" علمتني عَائِشَة [ قَالَت : ] هَذَا تشهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات ، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، و(أشهد) أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " .
وَفِي هَذِه الرِّوَايَة فَائِدَة حَسَنَة وَهِي أَن تشهد سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِلَفْظ تشهدنا . وَرَوَاهُ مَالك فِي (موطئِهِ) عَن [ عبد الرَّحْمَن ] بن الْقَاسِم ، عَن (أَبِيه) ، عَن عَائِشَة زوج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " أَنَّهَا كَانَت تَقول إِذا تشهدت : التَّحِيَّات الطَّيِّبَات الصَّلَوَات الزاكيات لله ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين ، السَّلَام عَلَيْكُم " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْقَاسِم أَيْضا عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّهَا كَانَت تَقول فِي التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة فِي وَسطهَا وَفِي آخرهَا قولا وَاحِدًا : "باسم الله التَّحِيَّات الصَّلَوَات لله الزاكيات لله ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين " ، فِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق وَصرح بِالتَّحْدِيثِ ، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة عَن عَائِشَة لَيْسَ فِيهَا ذكر التَّسْمِيَة إِلَّا مَا تفرد بِهِ ابْن إِسْحَاق .
قَالَ : وَرَوَى ثَابت بن زُهَيْر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر . وَهِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة كِلَاهُمَا عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي التَّسْمِيَة قبل التَّحِيَّة ، وثابت بن زُهَيْر مُنكر الحَدِيث ضَعِيف . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن عَائِشَة مَرْفُوعا وَالصَّوَاب وَقفه عَلَيْهَا .
وَأما (تشهد) سَمُرَة بن جُنْدُب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث جَعْفَر بن سعد بن (سَمُرَة بن) جُنْدُب (قَالَ : حَدثنِي خُبيب بن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه سُلَيْمَان [ بن ] سَمُرَة ، عَن سَمُرَة بن جُنْدُب ) " أما بعد أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا كَانَ فِي وسط الصَّلَاة أَو حِين انْقِضَائِهَا فابدءوا قبل التَّسْلِيم فَقولُوا : التَّحِيَّات الطَّيِّبَات والصلوات وَالْملك لله ، ثمَّ سلمُوا عَلَى (الْيَمين ثمَّ) سلمُوا عَلَى قارئكم وَعَلَى أَنفسكُم " .
قَالَ أَبُو دَاوُد : سُلَيْمَان كُوفِي الأَصْل كَانَ بِدِمَشْق . قَالَ عبد الْحق : وَهَذَا الْإِسْنَاد لَيْسَ بِمَشْهُور .
قلت : وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب زَكَاة التِّجَارَة - إِن شَاءَ الله وَقدره .
وَأما تشهد عَلّي بن أبي طَالب ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أَوسط
معاجمه" و(أكبرها) والسياق للْأولِ عَن إِبْرَاهِيم - يَعْنِي الوكيعي - ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ ، نَا عَمْرو بن هَاشم أَبُو مَالك [ الْجَنبي ] عَن عبد الله بن عَطاء قَالَ : حَدثنِي الْبَهْزِي قَالَ : ( سَأَلت الْحُسَيْن بن عَلّي عَن تشهد عَلّي ، فَقَالَ : (هُوَ) تشهد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقلت : حَدثنِي بتشهد عَلّي عَن تشهد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات والغاديات والرائحات والزاكيات والناعمات السابغات الطاهرات لله " .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يروه عَن عبد الله بن عَطاء إِلَّا عَمْرو .
قلت : قَالَ أَحْمد : صَدُوق . وَلينه غَيره .
وَأما تشهد عبد الله بن الزبير فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي "الْأَكْبَر" و"الْأَوْسَط" أَيْضا من حَدِيث ابْن لَهِيعَة ، (نَا الْحَارِث بن يزِيد) قَالَ : سَمِعت أَبَا الْورْد يَقُول : سَمِعت عبد الله بن الزبير يَقُول : " إِنَّ تشهد النَّبِي
- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : باسم الله وَبِاللَّهِ خير الْأَسْمَاء التَّحِيَّات لله الطَّيِّبَات الصَّلَوَات ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْحَقِّ بشيرًا وَنَذِيرا ، وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا (وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور) ، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين ، اللَّهُمَّ اغْفِر لي واهدني . هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين ) .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لَا يرْوَى هَذَا الحَدِيث عَن عبد الله بن الزبير إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد ، تفرد بِهِ ابْن لَهِيعَة .
وَأما تشهد مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من حَدِيث رَاشد بن سعد المقرائي ، عَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، " أَنه كَانَ يعلم النَّاس التَّشَهُّد وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات ، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " .
وَرَاشِد هَذَا وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَابْن سعد وَقَالَ أَحْمد : لَا بَأْس بِهِ . وشذ ابْن حزم فَقَالَ : ضَعِيف . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يعْتَبر بِهِ ، لَا بَأْس بِهِ . وَفِي إِسْنَاده أَيْضا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَهُوَ ضَعِيف فِي غير
الشاميين ، وحريز بن عُثْمَان شَامي ثِقَة لكنه ناصبي مبغض .
وَأما تشهد ( سلمَان ) فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" أَيْضا من حَدِيث أبي رَاشد قَالَ : سَأَلت ( سلمَان) الْفَارِسِي ، عَن التَّشَهُّد فَقَالَ : "أعلمكُم كَمَا (علمنيهن) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - التَّشَهُّد حرفا حرفا . التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات لله ، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله [ وَحده لَا شريك لَهُ ] وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " . فِي إِسْنَاده عمر بن يزِيد الْأَزْدِيّ ، قَالَ ابْن عدي : مُنكر الحَدِيث .
وَأما تشهد أبي حميد السَّاعِدِيّ فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" أَيْضا من حَدِيث الْعَبَّاس بن سهل عَنهُ ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - "( أَنه) كَانَ يتَشَهَّد : التَّحِيَّات لله الصَّلَوَات الطَّيِّبَات الزاكيات لله ، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " . فِيهِ الْوَاقِدِيّ وحالته مَعْلُومَة .
إِذا عرفت هَذِه التشهدات وتقررت لديك بقيت متطلعًا إِلَى (الْأَرْجَح) مِنْهَا ولتعلم أَن أَشدّهَا صِحَة بِاتِّفَاق الْحفاظ حَدِيث ابْن مَسْعُود لوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : أَن الْأَئِمَّة السِّتَّة اتَّفقُوا عَلَى إِخْرَاجه فِي كتبهمْ ، بِخِلَاف تشهد ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ مَعْدُود من مُفْرَدَات مُسلم و(إِن)
أخرجه أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة أَيْضا .
(ثَانِيهمَا) أَنه أصح حَدِيث فِي الْبَاب قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه " : حَدِيث ابْن مَسْعُود رُوِيَ عَنهُ من غير وَجه وَهُوَ أصح حَدِيث رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي التَّشَهُّد ، وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَمن بعدهمْ من التَّابِعين ، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَأحمد وَإِسْحَاق ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى ، أَنا عبد الله بن الْمُبَارك ، عَن معمر ، عَن خصيف قَالَ : " رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْمَنَام فَقلت : يَا رَسُول الله ، إِن النَّاس قد اخْتلفُوا فِي التَّشَهُّد فَقَالَ : عَلَيْك بتشهد ابْن مَسْعُود " زَاد ابْن مَنْدَه فِي " مستخرجه " " فَإذْ فرغت من التَّشَهُّد فسل الله الْجنَّة ، وتعوذ بِهِ من النَّار " وَفِي رِوَايَة لَهُ : "نعم السّنة سنة ابْن مَسْعُود" وَذكر ابْن عبد الْبر بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَحْمد بن عَمْرو بن عبد الْخَالِق الْبَزَّار الْحَافِظ أَنه سُئِلَ عَن أصح حَدِيث فِي التَّشَهُّد فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي وَالله حَدِيث ابْن مَسْعُود ، رُوِيَ عَنهُ من نَيف وَعشْرين طَرِيقا . ثمَّ عَددهمْ قَالَ : وَلَا أعلم (أَنه) يرْوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي التَّشَهُّد أثبت من حَدِيث عبد الله ، وَلَا أصح أَسَانِيد ، وَلَا أشهر رجَالًا ، وَلَا أَشد تضافرًا بِكَثْرَة الْأَسَانِيد وَاخْتِلَاف طرقها ، وَإِلَيْهِ أذهب وَرُبمَا زِدْت .
قَالَ ابْن عبد الْبر : كَانَ أَحْمد بن خَالِد بالأندلس يختاره ، ويميل إِلَيْهِ ويتشهد بِهِ ، وَذكر ابْن مَنْدَه فِي " مستخرجه " طرق حَدِيث ابْن مَسْعُود
فِي نَحْو ورقتين ، ثمَّ نقل عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي أَنه قَالَ : إِنَّه (من) أصح مَا رُوِيَ فِي التَّشَهُّد وَبِه نَأْخُذ ، وَنقل عَن مُسلم بن الْحجَّاج أَنه قَالَ : إِنَّمَا اجْتمع النَّاس عَلَى تشهد ابْن مَسْعُود ؛ لِأَن أَصْحَابه لَا يُخَالف بَعضهم بَعْضًا ، وَغَيره قد (اخْتَلَّ) أَصْحَابه .
قلت : وَمَا رُجح (بِهِ) تشهد ابْن مَسْعُود أَيْضا أَن فِيهِ زِيَادَة وَاو الْعَطف ، وَهِي تَقْتَضِي الْمُغَايرَة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ ؛ فَيكون كل جملَة ثَنَاء مستقلًّا بِخِلَاف إِسْقَاطهَا ، فَإِن مَا عدا اللَّفْظ الأول يكون صفة للْأولِ وَالْأول أبلغ .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" بِإِسْنَادِهِ ، عَن ابْن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه قَالَ : مَا سَمِعت فِي التَّشَهُّد أحسن من حَدِيث ابْن مَسْعُود ، وَذَلِكَ أَنه رَفعه إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
قلت : وَكَذَلِكَ غَيره مِمَّا عَرفته فَلَا يَصح هَذَا أَن يكون مرجحًا ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ تشهد ابْن عَبَّاس لأوجه :
أَحدهَا : لِأَن فِيهِ زِيَادَة و"المباركات" وَلِأَنَّهَا مُوَافقَة لقَوْل الله تَعَالَى : ( تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ) (قَالَه) أَصْحَابنَا . قَالَ الشَّافِعِي : وَهُوَ أَكثر وَأحمد لفظا من غَيره . وَفِي "صَحِيح أبي عوَانَة" بِسَنَدِهِ إِلَى الشَّافِعِي أَنه قَالَ : حَدِيث ابْن عَبَّاس أَجود مَا رُوِيَ
عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
ثَانِيهَا : لِأَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - علمه ابْن عَبَّاس وأقرانه من أَحْدَاث الصَّحَابَة فَيكون مُتَأَخِّرًا عَن تشهد ابْن مَسْعُود [ وَأَضْرَابه ] قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" قَالَ : (وَهَذَا) بِلَا شكّ .
ثَالِثهَا : قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" : الَّذِي عِنْدِي أَنه إِنَّمَا اخْتَارَهُ الشَّافِعِي ؛ لِأَن إِسْنَاده إِسْنَاد حجازي ، وَإسْنَاد حَدِيث عبد الله إِسْنَاد كُوفِي ، وَمهما وجد أَئِمَّتنَا المتقدمون من أهل الْمَدِينَة للْحَدِيث طَرِيقا بالحجاز فَلَا يحتجون بِحَدِيث يكون مخرجه من الْكُوفَة . قَالَ : و(مِمَّا) يشْهد لهَذَا قَول الشَّافِعِي ليونس بن عبد الْأَعْلَى : إِذا وجدت أهل الْمَدِينَة عَلَى شَيْء فَلَا يدخلن قَلْبك شكّ أَنه حق ، ثمَّ ذكر الْبَيْهَقِيّ شَوَاهِد لما ذكره . وَوَقع فِي " الشفا " للْقَاضِي عِيَاض أَن الشَّافِعِي اخْتَار تشهد ابْن مَسْعُود وَهُوَ سبق قلم ، وَاخْتَارَ مَالك رَحِمَهُ اللَّهُ تشهد عمر بن الْخطاب (لتعليم) عمر إِيَّاه عَلَى الْمِنْبَر بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَلم يُنكر ، وَمثل هَذَا لَا يكون إِلَّا بتوقيف وَهُوَ (بِيَقِين) بعد (تَعْلِيم ابْن عَبَّاس فَتَأَخر التَّعْلِيم) ، وَزِيَادَة "المباركات" يقابلها عِنْد مَالك زِيَادَة "الزاكيات" لَكِن للشَّافِعِيّ أَن يَقُول : نَحن تمسكنا بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوع
الثَّابِت ، وَمَالك تمسك بالأثر عَن عمر ، لَكِن لمَالِك أَن يَقُول هَذَا جارٍ عَلَى قواعدي فِي تَرْجِيح عمل أهل الْمَدِينَة . عَلَى أَن فِي تَسْلِيم كَون ذَلِك عمل الْمَدِينَة (وَقْفَة) ، لِأَن ابْن أبي شيبَة رَوَى فِي "مُصَنفه" عَن الْفضل بن دُكَيْن ، عَن سُفْيَان ، عَن زيد الْعمي ، عَن أبي الصّديق النَّاجِي ، عَن ابْن عمر " أَن أَبَا بكر كَانَ يعلمهُمْ التَّشَهُّد عَلَى الْمِنْبَر كَمَا يعلم الصّبيان فِي الْكتاب : التَّحِيَّات لله والصلوات ، والطيبات ، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " فَهَذَا يُوَافق حَدِيث ابْن مَسْعُود فَيَنْبَغِي تَرْجِيحه إِلَّا أَن يُجَاب بِضعْف زيد الْعمي ، فاستفد مَا ذكرنَا لَك من ذكر التشهدات وَالْكَلَام عَلَيْهَا فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات الجليلة الَّتِي يرحل إِلَيْهَا .