الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين وَالْمِائَة كَانَ يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة تِلْقَاء وَجهه
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين (وَالْمِائَة) عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة (تِلْقَاء وَجهه ) .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى النَّيْسَابُورِي ، نَا عَمْرو بن أبي سَلمَة ، عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن (أَبِيه ، عَن) عَائِشَة : " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يسلم فِي الصَّلَاة تَسْلِيمَة وَاحِدَة تِلْقَاء وَجهه ، يمِيل إِلَى الشق الْأَيْمن شَيْئا " . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" ، عَن هِشَام بن عمار ، ثَنَا عبد الْملك (بن مُحَمَّد) الصَّنْعَانِيّ ، ثَنَا زُهَيْر . . . فَذكره إِلَى قَوْله : "تِلْقَاء وَجهه" . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من (طرق) ، عَن عَمْرو بن أبي سَلمَة بِلَفْظ التِّرْمِذِيّ .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث لَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه . قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل - يَعْنِي البُخَارِيّ - : زُهَيْر بن مُحَمَّد ، أهل الشَّام يروون عَنهُ مَنَاكِير ، (وَرِوَايَة) أهل الْعرَاق عَنهُ أشبه . قَالَ : وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : كَأَن زُهَيْر بن مُحَمَّد الَّذِي وَقع عِنْدهم لَيْسَ هُوَ الَّذِي (يرْوَى) عَنهُ بالعراق ، كَأَنَّهُ رجل آخر قلبوا اسْمه .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَقد قَالَ بِهِ (بعض) أهل الْعلم فِي التَّسْلِيم فِي الصَّلَاة . قَالَ : وَأَصَح الرِّوَايَات عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِيهِ (تسليمتين) وَعَلِيهِ أَكثر أهل الْعلم . وَقَالَ ( الْبَيْهَقِيّ ) فِي " سنَنه " : هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ زُهَيْر بن مُحَمَّد . قَالَ : وَرُوِيَ من وَجه آخر مَوْقُوفا عَلَى عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : هَذَا حَدِيث مُنكر ، هُوَ مَوْقُوف عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : رفع هَذَا الحَدِيث عبد الْملك بن مُحَمَّد الصَّنْعَانِيّ وَعَمْرو - يَعْنِي : ابْن أبي سَلمَة - وَخَالَفَهُمَا الْوَلِيد بن مُسلم فَوَقفهُ عَلَى عَائِشَة ، عَن زُهَيْر . قَالَ الْوَلِيد لزهير : هَل بلغك فِي هَذَا شَيْء عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ فَقَالَ : نعم ، أَخْبرنِي يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ : " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ كَانَ يسلم تَسْلِيمَة ]" . وَصوب
الدَّارَقُطْنِيّ رِوَايَة الْوَقْف . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهَا : إِنَّه الصَّحِيح ، وَوهم رِوَايَة الرّفْع . وَقَالَ الْبَزَّار بعد أَن ذكره مَرْفُوعا : هَذَا رَوَاهُ غير وَاحِد مَوْقُوفا ، وَلَا نعلم أسْندهُ إِلَّا عَمْرو عَن زُهَيْر . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : لم يرفعهُ غير زُهَيْر ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ؛ وَهُوَ ضَعِيف عِنْد الْجَمِيع كثير الْخَطَأ لَا يحْتَج بِهِ . وَنقل عبد الْحق فِي " أَحْكَامه " عَن ابْن عبد الْبر أَنه قَالَ : لَا يَصح مَرْفُوعا ، وَأقرهُ عَلَى ذَلِك . ورأيته كَذَلِك فِي " تمهيده " ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَأما حَدِيث عَائِشَة "أَنه كَانَ لَا يسلم إِلَّا تَسْلِيمَة وَاحِدَة" فَلم يرفعهُ إِلَّا زُهَيْر بن مُحَمَّد وَحده عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا ، رَوَاهُ عَنهُ عَمْرو بن أبي سَلمَة ، وَزُهَيْر بن مُحَمَّد ضَعِيف عِنْد الْجَمِيع كثير الْخَطَأ لَا يحْتَج بِهِ . وَذكر ليحيى بن (سعيد ) هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : عَمْرو بن أبي سَلمَة وَزُهَيْر ضعيفان لَا حجَّة فيهمَا .
قلت : وَضَعفه أَيْضا من الْمُتَأَخِّرين جماعات . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " تَحْقِيقه " : هَذَا حَدِيث ضَعِيف . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي " الْمُهَذّب " : هُوَ غير ثَابت عِنْد أهل النَّقْل . وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ فِي " شرح السّنة " . قَالَ الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث "الْمُهَذّب" هُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخ ؛ فَإِن زُهَيْر بن مُحَمَّد ضَعِيف . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي " خلاصته " : هَذَا الحَدِيث ضعفه الْجُمْهُور . قَالَ :
وَلَيْسَ فِي الِاقْتِصَار عَلَى تَسْلِيمَة وَاحِدَة شَيْء ثَابت . وَقد أسلفت ذَلِك عَن الْعقيلِيّ أَيْضا . وَقَالَ فِي " شرح الْمُهَذّب " : أطبق أَصْحَابنَا فِي كتب (الْمَذْهَب) عَلَى تَضْعِيفه .
قلت : وَحَاصِل قَول من ضعفه الطعْن فِي زُهَيْر بن مُحَمَّد ، وانفراده بِهِ ، وَلَك أَن تَقول : زُهَيْر من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن الْأَرْبَعَة . وَقَالَ أَحْمد فِيهِ : إِنَّه مُسْتَقِيم الحَدِيث ، وَفِي رِوَايَة عَنهُ : لَا بَأْس بِهِ . وَفِي رِوَايَة عَنهُ : إِنَّه ثِقَة . وَقَالَ عَلِيّ ابن الْمَدِينِيّ : لَا بَأْس بِهِ . وَاخْتلف قَول يَحْيَى بن معِين فِيهِ فَمرَّة قَالَ : لَا بَأْس بِهِ . وَمرَّة قَالَ : ثِقَة . وَمرَّة قَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . (وَعند) عَمْرو بن أبي سَلمَة [ عَنهُ ] مَنَاكِير . وَمرَّة قَالَ : ضَعِيف . وَقَالَ الْعجلِيّ : جَائِز الحَدِيث . وَقَالَ الْحَاكِم فِي "تَارِيخ نيسابور" بعد أَن نقل الرِّوَايَة الأولَى عَن أَحْمد : قَالَ صَالح بن مُحَمَّد : ثِقَة صَدُوق . وَقَالَ مُوسَى بن هَارُون : أَرْجُو أَنه صَدُوق . وَقَالَ الدَّارمِيّ : ثِقَة (لَهُ أغاليط) كَثِيرَة . انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مَحَله الصدْق ، وَفِي حفظه سوء ، وَحَدِيثه بِالشَّام أنكر من حَدِيثه بالعراق لسوء حفظه ، وَمَا حدث من حفظه فَهُوَ أغاليط . قَالَ ابْن عدي : لَعَلَّ أهل الشَّام حَيْثُ رووا
عَنهُ أخطئوا عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ إِذا حدث عَنهُ أهل الْعرَاق ، فرواياتهم عَنهُ شَبيهَة بالمستقيمة ، وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَذكره ابْن حبَان فِي " ثقاته " ، وَقَالَ : إِنَّه يُخطئ وَيُخَالف .
وَإِذا عرفت هَذَا كُله قضيت الْعجب من قَول الْحَافِظ أبي (عمر) بن عبد الْبر : إِنَّه ضَعِيف عِنْد الْجَمِيع ، فَهَذِهِ أَقْوَال من وَثَّقَهُ وَضَعفه ، وَالْأَكْثَر عَلَى توثيقه . قَالَ ابْن الْقطَّان فِي "علله" : فِي كَلَام أبي عمر حمل عَلَى زُهَيْر وَعَمْرو بن (أبي) سَلمَة ، وَذَلِكَ فَوق (مَا يستحقان) ، وَلَيْسَ كَذَلِك عِنْد أهل الْعلم بهما .
قلت : وَأما (دَعْوَى) تفرده (بِهِ) فَلَيْسَ كَذَلِك ، فقد تَابعه عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول . رَوَاهُ بَقِي بن مخلد فِي "مُصَنفه" من طَرِيقه ، نَا هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (بِهِ) ، وَعَاصِم من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن الْأَرْبَعَة . قَالَ الإِمَام أَحْمد فِيهِ : ثِقَة من الْحفاظ .
وَتَابعه أَيْضا زُرَارَة بن أَوْفَى ، رَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس السراج فِي "مُسْنده" من طَرِيقه ، فَقَالَ : نَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ، نَا معَاذ بن هِشَام صَاحب الدستوَائي ، حَدثنِي أبي ، عَن قَتَادَة ، عَن زُرَارَة بن أَوْفَى ، عَن سعد
ابن هِشَام ، عَن عَائِشَة قَالَت : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا أوتر أوتر بتسع رَكْعَات ، لم يقْعد إِلَّا فِي الثَّامِنَة ، فيحمد الله ويذكره ثمَّ يَدْعُو ، ثمَّ ينْهض وَلَا يسلم ، ثمَّ يُصَلِّي التَّاسِعَة فيجلس فيذكر الله وَيَدْعُو ، ثمَّ يسلم تَسْلِيمَة ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس . فَلَمَّا كبر وَضعف ، أوتر بِسبع رَكْعَات لَا يقْعد إِلَّا فِي السَّادِسَة ، ثمَّ ينْهض وَلَا يسلم ، فَيصَلي السَّابِعَة ثمَّ يسلم تَسْلِيمَة ، ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس " .
وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَمن حق الْحَاكِم استدراكه فِي "مُسْتَدْركه" عَلَيْهِ ، وَقد أخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" ، عَن عبد الله (الأودي) ، نَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم . . . فَذكره .
فَظهر بِهَذَا رد قَول الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ زُهَيْر بن مُحَمَّد ، وَقَول ابْن عبد الْبر : لم يرفعهُ غير زُهَيْر ، عَن هِشَام . وَأما قَول الْحَافِظ أبي بكر الْبَزَّار : لَا نعلم أسْندهُ إِلَّا عَمْرو عَن زُهَيْر . فَلَيْسَ بجيد أَيْضا ، فقد أسْندهُ عبد الْملك بن مُحَمَّد الصَّنْعَانِيّ (عَنهُ) ، كَمَا سلف عَن رِوَايَة ابْن مَاجَه وَغَيره و(علل الدَّارَقُطْنِيّ) . وَأما قَول الدَّارَقُطْنِيّ : إِن عَمْرو بن أبي سَلمَة وَعبد الْملك الصَّنْعَانِيّ رَفَعَاهُ ، وَخَالَفَهُمَا الْوَلِيد بن مُسلم فَوَقفهُ عَلَى عَائِشَة فَجَوَابه من وَجْهَيْن :
أَحدهمَا : أَنه قد توارد عَلَى رَفعه ثَلَاثَة : هَذَانِ الإمامان ، وَعَاصِم بن سُلَيْمَان ، وتابعهم زُرَارَة بن أَوْفَى ، فَيكون الْأَكْثَر عَلَى رَفعه ، وَانْفَرَدَ بوقفه الْوَلِيد بن مُسلم .
ثَانِيهمَا : أَنه يحمل عَلَى أَن عَائِشَة روته مَرْفُوعا ، وأفتت بِهِ فَنقل الْمَجْمُوع عَنْهَا ، لَا جرم أخرجه ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" ، عَن الْحسن بن سُفْيَان ، نَا ابْن أبي السّري ، نَا عَمْرو بن أبي سَلمَة ، عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة : " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة عَن يَمِينه ، يمِيل بهَا وَجهه إِلَى الْقبْلَة " . واستدركه الْحَاكِم عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، فَرَوَاهُ عَن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب ، نَا أَحْمد بن عِيسَى ، نَا عَمْرو بن أبي سَلمَة ، نَا زُهَيْر بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة : " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يسلم فِي الصَّلَاة تَسْلِيمَة وَاحِدَة تِلْقَاء وَجهه ، يمِيل إِلَى الشق الْأَيْمن قَلِيلا " . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَقد رَوَاهُ وهب بن خَالِد ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن الْقَاسِم ، عَن عَائِشَة : " أَنَّهَا كَانَت تسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة تِلْقَاء وَجههَا " . (قَالَ) : وَقد اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى الِاحْتِجَاج بِعَمْرو بن أبي سَلمَة وَزُهَيْر بن مُحَمَّد .