آثار الباب
الْأَثر الثَّانِي : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَنه لما وَقع المَاء فِي عينه قَالَ لَهُ الْأَطِبَّاء : إِن مكثت سبعا لَا تصلي إِلَّا مُسْتَلْقِيا عالجناك . فَسَأَلَ عَائِشَة وَأم سَلمَة وَأَبا هُرَيْرَة وَغَيرهم من الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَلم (يرخصوا) لَهُ فِي ذَلِك ، فَترك (المعالجة) وكف بَصَره " . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" فِي تَرْجَمَة ابْن عَبَّاس ( بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث الْمسيب بن رَافع قَالَ : " لما كف بصر ابْن عَبَّاس) ، أَتَاهُ رجل فَقَالَ لَهُ : إِنَّك إِن صبرت لي سبعا لم تصل إِلَّا مُسْتَلْقِيا تومئ إِيمَاء ، داويتك فبرأت - إِن شَاءَ الله - فَأرْسل إِلَى عَائِشَة ( وَأبي هُرَيْرَة ) وَغَيرهمَا من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ كل ] يَقُول :
أَرَأَيْت إِن مت فِي هَذَا السَّبع كَيفَ تصنع بِالصَّلَاةِ ؟ ! قَالَ : فَترك عينه وَلم [ يداوها ] " .
وَذكره ابْن الْمُنْذر بِغَيْر إِسْنَاد فِي "إشراقه" ، فَقَالَ : " أَرَادَ ابْن عَبَّاس معالجة عَيْنَيْهِ ، فَأرْسل إِلَى عَائِشَة وَأبي هُرَيْرَة وَغَيرهمَا من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَكلهمْ قَالَ : أَرَأَيْت إِن مت فِي السَّبع كَيفَ تصنع بِالصَّلَاةِ ؟ ! فَترك معالجة عينه " .
وَأسْندَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث عبد الله بن الْوَلِيد - هُوَ الْعَدنِي - نَا سُفْيَان ، عَن جَابر ، عَن أبي الضُّحَى ؛ أَن عبد الْملك أَو غَيره بعث إِلَى ابْن عَبَّاس بالأطباء عَلَى الْبرد - وَقد وَقع المَاء فِي عَيْنَيْهِ - فَقَالُوا : تصلي سَبْعَة أَيَّام مُسْتَلْقِيا عَلَى (قفاك) ، فَسَأَلَ عَائِشَة وَأم سَلمَة عَن ذَلِك فنهتاه " .
والعدني مُتَكَلم فِيهِ ، قَالَ أَحْمد : حَدِيثه صَحِيح ، وَلم يكن صَاحب حَدِيث . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : صَدُوق . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَا يحْتَج بِهِ . وَجَابِر لَعَلَّه الْجعْفِيّ وَقد (علمت) حَاله فِي الْأَذَان .
وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن مهْدي ، عَن سُفْيَان ، عَن جَابر ، عَن أبي الضُّحَى " أَن ابْن عَبَّاس وَقع فِي عَيْنَيْهِ المَاء فَقيل : (أتستلقي) سبعا
وَلَا تصلي إِلَّا مُسْتَلْقِيا ؟ فَبعث (إِلَى) عَائِشَة وَأم سَلمَة فَسَأَلَهُمَا فنهتاه" .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ( بِإِسْنَاد صَحِيح ) من رِوَايَة عَمْرو بن دِينَار قَالَ : " لما وَقع فِي عين ابْن عَبَّاس المَاء أَرَادَ أَن يعالج عينه ، فَقَالَ : تمكث كَذَا وَكَذَا يَوْمًا لَا تصلي إِلَّا مُضْطَجعا . فكرهه " . وَفِي رِوَايَة قَالَ ابْن عَبَّاس : "أَرَأَيْت إِن كَانَ الْأَجَل قبل ذَلِك ؟ !" .
تَنْبِيهَانِ :
الأول : اعْترض ابْن الصّلاح عَلَى الْغَزالِيّ حَيْثُ قَالَ فِي "وسيطه" : " إِن ابْن عَبَّاس استفتى عَائِشَة وَأَبا هُرَيْرَة فَلم يرخصا لَهُ" فَقَالَ : هَذَا لَا يَصح هَكَذَا ، وَإِنَّمَا الثَّابِت فِي ذَلِك مَا روينَا "أَنه نزل فِي عَيْنَيْهِ المَاء فَقيل لَهُ : تستلقي سَبْعَة أَيَّام لَا تصلي إِلَّا مُسْتَلْقِيا ، فكره هُوَ ذَلِك " . وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي "شرح الْمُهَذّب" و"الْخُلَاصَة" : مَا حَكَاهُ الْغَزالِيّ فِي "وسيطه" من أَنه استفتى أَبَا هُرَيْرَة لَا يَصح ، وَأَنه بَاطِل لَا أصل لَهُ . وَقَالَ فِي "التَّنْقِيح" : هَذَا ضَعِيف لَا أصل لَهُ (قَالَ) : وَقد رُوِيَ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عَمْرو بن دِينَار فَذكره كَمَا أسلفناه ، هَذَا كَلَامهمَا ، وَقد علمت أَن استفتاءه أَبَا هُرَيْرَة وَعَائِشَة لَهُ أصل جيد فاستفد ذَلِك .
الثَّانِي : كَانَ بعض شُيُوخنَا يسْتَشْكل ذكر عبد الْملك فِي الْأَثر السالف عَن رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ وَيَقُول : إِن فِيهِ نظرا ؛ لِأَنَّهُ ولي الْخلَافَة سنة خمس وَسِتِّينَ ، وَكَانَت وَفَاة عَائِشَة وَأم سَلمَة قبل ذَلِك (بسنين) ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يحمل عَلَى أَن عبد الْملك أرسل البُرُد إِلَيْهِ قبل خِلَافَته . قَالَ : وَفِيه بُعْد ؛ إِذْ لَا نعلم لعبد الْملك فِي زمن عَائِشَة وَأم سَلمَة ولَايَة تَقْتَضِي إرسالهم عَلَى الْبرد ، وَهَذَا الْإِشْكَال مَسْبُوق بِهِ .
قَالَ ابْن [ معن ] فِي "تنقيبه" : بعث عبد الْملك - إِن كَانَ هُوَ ابْن مَرْوَان - الْأَطِبَّاء إِلَى ابْن عَبَّاس فِيهِ بعد ؛ لِأَن ابْن عَبَّاس توفّي قبله بثماني عشرَة سنة ؛ لِأَن ابْن عَبَّاس توفّي بِالطَّائِف سنة ثَمَان وَسِتِّينَ ، وَعبد الْملك توفّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ . قَالَ : فَلَعَلَّهُ حمل الْأَطِبَّاء إِلَيْهِ أول مَا كَانَ مُخَاطبا بالخلافة بِالشَّام قبل الْإِجْمَاع عَلَى خِلَافَته . وَقَالَ ابْن الصّلاح : الْمَذْكُور فِي "الْمُهَذّب" أَن عبد الْملك بن مَرْوَان حمل لَهُ الْأَطِبَّاء عَلَى الْبرد ، فَذكرُوا ذَلِك لَهُ فاستفتى عَائِشَة وَأم سَلمَة فنهتاه - لَا يَصح ؛ لِأَن عبد الْملك إِنَّمَا (ولي) الْخلَافَة بعد مَوْتهمَا وَمَوْت أبي هُرَيْرَة بسنين عدَّة .
وَأجَاب عَنهُ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" فَقَالَ : هَذَا الْمَذْكُور من استفتاء عَائِشَة وَأم سَلمَة أنكرهُ بعض الْعلمَاء وَقَالَ : إِنَّه بَاطِل من حَيْثُ إنَّهُمَا توفيتا قبل خلَافَة عبد الْملك بأزمان ، وَهَذَا الْإِنْكَار بَاطِل ؛ فَإِنَّهُ لَا يلْزم من بَعثه أَن يَبْعَثهُ فِي زمن خِلَافَته ؛ بل يبْعَث فِي خلَافَة مُعَاوِيَة وزمن
عَائِشَة وَأم سَلمَة ، وَلَا (يستكثر) بعث الْبرد من مثل عبد الْملك ؛ فَإِنَّهُ (كَانَ) [ قبل ] خِلَافَته من رُؤَسَاء بني أُميَّة وأشرافهم وَأهل الوجاهة والتمكن وَبسط الدُّنْيَا ، فَبعث الْبرد لَيْسَ يصعب عَلَيْهِ وَلَا عَلَى من دونه بدرجات .
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي "الشَّرْح الصَّغِير" : وَهَذِه الْمُرَاجَعَة من ابْن عَبَّاس كَأَنَّهَا جرت عَلَى سَبِيل الْمُشَاورَة والاستظهار ، وَإِلَّا فالمجتهد لَا يُقَلّد مُجْتَهدا آخر .