الحَدِيث الرَّابِع أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أم ورقة أَن تؤم أهل دارها
الحَدِيث الرَّابِع رُوِيَ ( أَن) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر أم ورقة أَن تؤم أهل دارها . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْوَلِيد بن جَمِيع ، عَن جدته وَعَن عبد الرَّحْمَن ابْن خَلاد الْأنْصَارِيّ ، عَن أم ورقة بنت نَوْفَل أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما غزا بَدْرًا قَالَت : يَا رَسُول الله ، ائْذَنْ لي فِي الْغَزْو مَعَك أمرض مرضاكم ، لَعَلَّ الله - سُبْحَانَهُ - (يَرْزُقنِي) شَهَادَة . قَالَ : قري فِي بَيْتك فَإِن الله يرزقك الشَّهَادَة .
قَالَ : فَكَانَت (تسمى) الشهيدة ، وَكَانَت قد قَرَأت الْقُرْآن ؛ (فاستأذنت) النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تتَّخذ فِي دارها مُؤذنًا فَأذن لَهَا . قَالَ : وَكَانَت دبرت غُلَاما لَهَا وَجَارِيَة فقاما إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فغماها (بقطيفة) لَهَا حَتَّى مَاتَت (وذهبا) فَأصْبح عمر فَقَامَ فِي النَّاس فَقَالَ : من كَانَ عِنْده من هذَيْن علم - أَو من رآهما - فليجئ بهما . فَأمر بهما فصلبا ، فَكَانَا أول مصلوب بِالْمَدِينَةِ .
زَاد الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث الْوَلِيد عَن جدته : فَقَالَ عمر : صدق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَقُول : انْطَلقُوا نزور الشهيدة وَذكر فِي أَوله أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ لَهَا لما أَرَادَت أَن تخرج مَعَه إِلَى بدر : إِن الله (يهدي) لَك شَهَادَة . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد من حَدِيث الْوَلِيد ، عَن عبد الرَّحْمَن ، عَن أم ورقة بِهِ . وَالْأول أتم ، قَالَ : وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ يزورها فِي بَيتهَا وَجعل لَهَا مُؤذنًا وأمرها أَن تؤم أهل دارها .
قَالَ عبد الرَّحْمَن بن خَلاد : فَأَنا رَأَيْت مؤذنها شَيخا كَبِيرا . وَلم يذكر جدته . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه فِي أَوَائِل الصَّلَاة من حَدِيث الْوَلِيد بن جَمِيع ، عَن (أمه) ، عَن أم ورقة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أذن لَهَا أَن يُؤذن لَهَا ويقام وتؤم نساءها .
وَرَوَاهُ (فِي أَوَاخِر كتاب) الصَّلَاة من حَدِيث الْوَلِيد ، عَن جدته ، عَن أم ورقة - وَكَانَت تؤم - أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أذن لَهَا أَن تؤم أهل دارها . وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة من حَدِيث الْوَلِيد ، عَن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد ، عَن أَبِيه أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ أذن لأم ورقة أَن تؤم أهل دارها وَكَانَ لَهَا مُؤذن . قَالَ : وَرَوَاهُ عبد الْعَزِيز ، عَن الْوَلِيد ، عَن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه ، عَن أم ورقة أَنَّهَا اسْتَأْذَنت .
وَرَوَاهُ وَكِيع ، عَن الْوَلِيد ، عَن جدته ، وَعبد الرَّحْمَن ، عَن أم ورقة . وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن الْوَلِيد ، عَن جدته . لم يذكرُوا عبد الرَّحْمَن .
قلت : وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن ، عَن الْوَلِيد ، عَن جدته ، عَن أم ورقة - كَمَا أَفَادَهُ ابْن عَسَاكِر - (وَرَوَاهُ) الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث الْوَلِيد ، عَن لَيْلَى بنت مَالك وَعبد الرَّحْمَن بن خَلاد الْأنْصَارِيّ ، عَن أم ورقة الْأَنْصَارِيَّة أَنه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يَقُول : (انْطَلقُوا بِنَا إِلَى الشهيدة فنزورها . وَأمر أَن يُؤذن لَهَا (و) يُقَام وتؤم أهل دارها فِي الْفَرَائِض . والوليد هَذَا ثِقَة من فرسَان (مُسلم) وَمِمَّنْ صرح بتوثيقه يَحْيَى بن معِين ، وَالْإِمَام أَحْمد وَأَبُو زرْعَة فَقَالَا : لَيْسَ بِهِ بَأْس .
وَأَبُو حَاتِم فَقَالَ : صَالح الحَدِيث . وَقَالَ الْبَزَّار : حدث عَنهُ جمَاعَة وَاحْتَملُوا حَدِيثه ، وَكَانَ فِيهِ تشيع . وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : قد احْتج مُسلم بالوليد بن جَمِيع ، وَهَذِه سنة غَرِيبَة ، لَا أعرف فِي الْبَاب حَدِيثا مُسْندًا غير هَذَا .
(قلت) : وَقَول هَؤُلَاءِ مقدم عَلَى تَضْعِيف ابْن حبَان لَهُ حَيْثُ قَالَ : إِنَّه ينْفَرد عَن الْأَثْبَات بِمَا لَا (يشبه) حَدِيث الثِّقَات ، فَلَمَّا فحش ذَلِك مِنْهُ بَطل الِاحْتِجَاج بِهِ . وَقد (تبعه) فِي ذَلِك الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين فِي أَحْكَامه فَقَالَ : قَول هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة فِي توثيقه مقدم عَلَى قَول ابْن حبَان فِيهِ ؛ لأَنهم أعلم مِنْهُ نعم الشَّأْن فِي (جدته) فَإنَّا لَا نعلم لَهَا حَالا ، وَكَذَا عبد الرَّحْمَن بن (خَلاد) وَإِن نقل عَن ابْن حبَان أَنه ذكر عبد الرَّحْمَن فِي ثقاته وَقد أعله بهما ابْن الْقطَّان فَقَالَ : حَال عبد الرَّحْمَن مَجْهُولَة ، وَجدّة الْوَلِيد (كَذَلِك) لَا تعرف أصلا . وليلى بنت مَالك السالفة فِي رِوَايَة الْحَاكِم قَالَ الصريفيني - فِيمَا (رَأَيْته) بِخَطِّهِ فِي كتاب - إِنَّهَا أم ورقة .
تَنْبِيهَات : أَحدهَا : هَذَا الحَدِيث سكت عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن ، وَعبد الْحق فِي الْأَحْكَام ، وَقد علمت مَا فِيهِ من الِاضْطِرَاب والجهالة . (ثَانِيهَا) : وَقع فِي أَحْكَام عبد الْحق : (أم) ورقة بنت الْحَارِث ، وناقشه ابْن الْقطَّان فِي ذَلِك فَقَالَ : إِنَّمَا وَقع فِي كتاب أبي دَاوُد الَّذِي نَقله (من عِنْده) أم ورقة بنت عبد الله بن الْحَارِث . قلت : وَالْأَمر فِي هَذَا قريب ، فَإِنَّهُ نَسَبهَا إِلَى جدها .
(ثَالِثهَا) : لما ذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه هَذَا الحَدِيث قَالَ : الْوَلِيد بن جَمِيع (ضَعِيف) وَأمه مَجْهُولَة . وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ ؛ (فالوليد قد) علمت حَاله وَتبع فِي ذَلِك مقَالَة ابْن حبَان السالفة ، وَقد ذكره أَيْضا فِي ضُعَفَائِهِ ، (وَاقْتصر) عَلَى هَذِه القولة فِيهِ ، وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ . وَأما الذَّهَبِيّ فَإِنَّهُ ذكره فِي (كتاب) الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء وَلم يعقبه بِتَضْعِيف ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنه تكلم (فِيهِ) .
وَقَوله إِن أمه مَجْهُولَة تبع فِيهِ رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة (فَإِنَّهُ) أوردهَا من جِهَته ، وَقد أسلفنا أَن رِوَايَة غَيره أَنَّهَا جدته .