الآثار
(الْأَثر) الثَّالِث وَالرَّابِع : لما ذكر (الرَّافِعِيّ) حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف رادًّا عَلَى أبي حنيفَة فِي قَوْله : إِن السّفر الطَّوِيل (مسيرَة) ثَلَاثَة أَيَّام . ثمَّ قَالَ : فَهَذَا الحَدِيث يَقْتَضِي الترخيص فِي (هَذَا) الْقدر - يَعْنِي أَرْبَعَة برد وَهُوَ مرحلتان - ثمَّ قَالَ : (و) رُوِيَ مثل مَذْهَبنَا عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة . انْتَهَى .
أما أثر ابْن عَبَّاس فقد أسلفناه لَك . وَأما أثر ابْن عمر فقد
ذكره البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" مَعَ أثر ابْن عَبَّاس فَقَالَ مَا نَصه : " وَسَمَّى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - السّفر يَوْمًا وَلَيْلَة وَكَانَ ابْن عمر وَابْن عَبَّاس يقصران فِي أَرْبَعَة (برد) وَهِي سِتَّة عشر فرسخًا " . وأسندهما الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث حجاج ، ثَنَا لَيْث ، حَدثنِي يزِيد بن أبي حبيب ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح "أَن عبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس كَانَا يصليان رَكْعَتَيْنِ ويفطران فِي أَرْبَعَة برد فَمَا فَوق ذَلِك" .
ج٤ / ص٥٥٠ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث مَالك ، عَن زيد بن أسلم ، عَن أَبِيه "أَن عمر قصر الصَّلَاة إِلَى خَيْبَر" (وَمن) حَدِيث مَالك أَيْضا ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر "أَنه قصر الصَّلَاة إِلَى خَيْبَر وَقَالَ : هَذِه ثَلَاث (فواصل) - يَعْنِي ليالٍ" . وَمن حَدِيثه أَيْضا عَن نَافِع ، عَن سَالم "أَن أَبَاهُ ركب إِلَى ذَات النصب (فقصر) الصَّلَاة فِي مسيرَة ذَلِك . (قَالَ) مَالك : وَبَين ذَات النصب وَالْمَدينَة (أَرْبَعَة) برد" .
وَمن حَدِيثه أَيْضا عَن ابْن شهَاب ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه "أَنه ركب إِلَى ريم فقصر الصَّلَاة (فِي مسيرَة ذَلِك) قَالَ : وَذَلِكَ نَحْو (من) أَرْبَعَة برد" وَمن حَدِيثه أَيْضا عَن ابْن شهَاب ، عَن سَالم "أَن أَبَاهُ كَانَ يقصر (الصَّلَاة) فِي مسيرَة (الْيَوْم) التَّام" . وَمن حَدِيثه أَيْضا (أَنه) بلغه أَن عبد الله ج٤ / ص٥٥١ابن عَبَّاس كَانَ يَقُول : "تقصر الصَّلَاة فِي (مثل) مَا بَين مَكَّة والطائف ، وَفِي مثل مَا بَين مَكَّة وَجدّة ، وَفِي مثل مَا بَين مَكَّة وَعُسْفَان . قَالَ مَالك : وَذَلِكَ أَرْبَعَة برد" .
وَهَذَا الْأَثر تقدم إِسْنَاده . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : "إِذا سَافَرت يَوْمًا إِلَى اللَّيْل فاقصر الصَّلَاة" . وَرَوَى معمر ، عَن أَيُّوب ، عَن نَافِع "أَن ابْن عمر كَانَ يقصر فِي أَرْبَعَة برد" وَفِي لفظ "(فِي) مسيرَة أَرْبَعَة برد" .
وَرَوَى وَكِيع ، عَن هِشَام بن ربيعَة بن الْغَاز الجرشِي ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح (قَالَ) "قلت لِابْنِ عَبَّاس : أقصر (الصَّلَاة) إِلَى عَرَفَة ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِن إِلَى الطَّائِف وَعُسْفَان فَذَلِك ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين ميلًا" . وَرَوَى حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَحميد كِلَاهُمَا عَن نَافِع ووافقها ابْن جريج عَن نَافِع "(أَن) ابْن عمر كَانَ لَا يقصر فِي أقل من سِتَّة وَتِسْعين ميلًا" . وَرَوَى هِشَام بن الْغَاز ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : "لَا تقصر الصَّلَاة إِلَّا فِي الْيَوْم التَّام" .
وَرَوَى مَالك ، عَن نَافِع ، عَنهُ "أَنه كَانَ لَا يقصر الصَّلَاة فِي الْبَرِيد" . وَرَوَى عَنهُ عَلّي بن ربيعَة الْوَالِبِي : "لَا تقصر فِي أقل من اثْنَيْنِ وَسبعين ميلًا" . ج٤ / ص٥٥٢وَرَوَى عَنهُ (ابْنه) سَالم بن عبد الله - وَهُوَ أجلُّ من نَافِع (وَأعلم بِهِ - "أَنه قصر إِلَى ثَلَاثِينَ ميلًا" .
وَرَوَى عَنهُ ابْن أَخِيه حَفْص بن عَاصِم - وَهُوَ أجل من نَافِع -) "أَنه قصر إِلَى ثَمَانِيَة عشر ميلًا" . وَرَوَى عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس : "الْقصر إِلَى عسفان (وَهِي) اثْنَان وَثَلَاثُونَ ميلًا - وَإِذا (ورد) عَلَى أهلٍ أَو مَاشِيَة (فَيتم) وَلَا يقصر إِلَى عَرَفَة وَلَا منى" . وَرَوَى مُجَاهِد عَنهُ : "لَا (قصر) فِي يَوْم إِلَى الْعَتَمَة لَكِن (فِيمَا) زَاد عَلَى ذَلِك" .
وَرَوَى أَبُو حَمْزَة الضبعِي عَنهُ : "لَا قصر إِلَّا فِي يَوْم مُبَاح" . (وَرَوَى عَنهُ) : "لَا قصر إِلَّا فِي خَمْسَة وَأَرْبَعين ميلًا فَصَاعِدا" . وَعنهُ : "لَا قصر إِلَّا [ فِي ] اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين ميلًا فَصَاعِدا" .
وَعنهُ : "(لَا) قصر إِلَّا فِي أَرْبَعِينَ ميلًا فَصَاعِدا) " . وَعنهُ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس : "لَا قصر إِلَّا فِي سِتَّة وَثَلَاثِينَ (ميلًا) فَصَاعِدا" . ج٤ / ص٥٥٣ذكر هَذِه الرِّوَايَات عَنهُ ابْن حزم فِي "محلاه" وَغَيره .
وَقَول الرَّافِعِيّ : "و (غَيرهمَا) من الصَّحَابَة" قد (أسلفناه) عَن عمر ، وَالشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لم (يذكرهُ) إِلَّا عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر ، (وَكرر) ذَلِك مَرَّات ، وَكَذَا الْمَاوَرْدِيّ فِي "حاويه" و(الْمُوفق) الْحَنْبَلِيّ فِي (مغنيه) قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن ابْن عُمر وَابْن عَبَّاس خلاف ذَلِك . قلت : وَقد أسلفنا ذَلِك (عَنْهُمَا) وَقد يجمع بَينهمَا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ عَن عُثْمَان وَابْن (مَسْعُود) تعلق الْقصر بِالسَّفرِ ، لَكِن لَيْسَ فِيهِ التَّحْدِيد بِالْحَدِّ الْمَذْكُور .