الحَدِيث الْحَادِي بعد السّبْعين إِذا رميتم وحلقتم حل لكم كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء
الحَدِيث الْحَادِي بعد السّبْعين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا رميتم وحلقتم حل لكم كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث حجاج عَن أبي بكر [ بن ] مُحَمَّد ، عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطّيب وَالثيَاب وكل شَيْء إِلَّا النِّسَاء . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فَقَالَ : (ثَنَا) مُسَدّد ، نَا (عبد الْوَاحِد) بن زِيَاد ، نَا الْحجَّاج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن ، عَن عَائِشَة قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا رَمَى أحدكُم جَمْرَة الْعقبَة فقد حل لَهُ كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم ، عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا رَمَى (و) حلق وَذبح فقد حل لَهُ كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء ، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم ، عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا رميتم (وحلقتم وذبحتم) [ فقد ] حل لكم كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء وَعَن الْحجَّاج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مثله . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن (عَمْرو بن) حزم ، عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطّيب وَالثيَاب وكل شَيْء إِلَّا النِّسَاء قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن أبي (بكر) - يَعْنِي : ابْن حزم - عَن يزِيد بن هَارُون ؛ وَزَاد فِيهِ : وذبحتم فقد حل لكم كل شَيْء الطّيب وَالثيَاب إِلَّا النِّسَاء . هَذِه أَلْفَاظ رِوَايَة هَذَا الحَدِيث ، ومدارها عَلَى الْحجَّاج ، وَهُوَ ابْن أَرْطَاة كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي الدَّارَقُطْنِيّ و الْبَيْهَقِيّ كَمَا مَرَّ ، وَهُوَ مِمَّن اخْتلف فِيهِ ، ثمَّ فِيهِ عِلّة أُخْرَى و (هِيَ) الِانْقِطَاع ؛ فَإِن الْحجَّاج لم يَرَ الزُّهْرِيّ وَلَا سمع مِنْهُ كَمَا نَص عَلَيْهِ غير وَاحِد من الْحفاظ ، وَقد ضعف أَبُو دَاوُد فِي سنَنه هَذَا الحَدِيث من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ ؛ فَقَالَ : هَذَا حَدِيث ضَعِيف ، وَالْحجاج لم يَرَ الزُّهْرِيّ وَلم يسمع مِنْهُ .
وَقَالَ المنذريُّ فِي مُخْتَصر السّنَن : ذكر عباد بن الْعَوام وَيَحْيَى بن معِين وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة الرازيان أَن الْحجَّاج لم يسمع من الزُّهْرِيّ شَيْئا ، وَذكر عَن الْحجَّاج نَفسه أَنه لم يسمع مِنْهُ شَيْئا . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هَذَا الحَدِيث من تخليطات الْحجَّاج بن أَرْطَاة . قَالَ : وَإِنَّمَا الحَدِيث عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، كَمَا رَوَاهُ سَائِر النَّاس عَن عَائِشَة ، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ عَن الضَّحَّاك ، عَن أبي الرِّجَال ، عَن أمه ، عَن عَائِشَة قَالَت : طيبت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (لحرمه) حِين أحرم ، ولحله قبل أَن يفِيض بأطيب مَا وجدت .
رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه ، وَأم [ أبي ] الرِّجَال هِيَ عمْرَة قَالَ - أَعنِي : الْبَيْهَقِيّ - : وَقد رويتُ (تِلْكَ اللَّفْظَة) فِي حَدِيث أُمِّ سَلمَة مَعَ حكم (آخر) ، لَا أعلم أحدا من الْفُقَهَاء قَالَ بذلك . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى أُمِّ سَلمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : كَانَت (اللَّيْلَة) الَّتِي يَدُور فِيهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مسَاء لَيْلَة النَّحْر ، فَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عِنْدِي ؛ فَدخل عليَّ وهبُ ابن زَمعَة وَرجل من (آل) أبي أُميَّة (متقمصين) ، فَقَالَ لَهما رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أفضتما ؟ (قَالَا) : لَا . قَالَ : فانزعا قميصكما .
(فنزعاهما) ، قَالَ وهب : ولِمَ يَا رَسُول الله ؟ فَقَالَ : هَذَا يَوْم أرخص لكم فِيهِ إِذا رميتم الْجَمْرَة ، ونحرتم هَديا إِن كَانَ لكم فقد حللتم من كل شيءٍ حُرِمْتُم مِنْهُ إِلَّا النِّسَاء حَتَّى تطوفوا بِالْبَيْتِ ، فَإِذا أمسيتم وَلم تفيضوا صرتم حرما كَمَا كُنْتُم أوَّل مرةٍ ، حَتَّى تفيضوا بِالْبَيْتِ . وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِن هَذَا يَوْم (رخَّص) لكم إِذا رميتم الْجَمْرَة أَن تَحِلُّوا من كل مَا حرمتم مِنْهُ إِلَّا النِّسَاء ، فَإِذا أمسيتم قبل أَن تطوفوا بِهَذَا الْبَيْت (صرتم) حُرُمًا كهيئتكم قبل أَن ترموا الْجَمْرَة حَتَّى تطوفوا . وَهَذَا الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، ثمَّ الحاكمُ فِي مُسْتَدْركه فِي كتاب الْحَج بِاللَّفْظِ الأول ، وَفِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق ، (و) لَكِن صرَّح (بِالتَّحْدِيثِ) فَقَالَ : ثَنَا أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن زَمعَة .
وَفِي صَحِيح الْحَاكِم وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ عَن عبد الله بن الزبير (أَنه) قَالَ : ( مِنْ سُنَّة الْحَج أَن يُصَلِّي الإِمَام الظهرَ والعصرَ ، والمغربَ والعشاءَ الآخرةَ ، والصبحَ بمنى ، ثمَّ يَغْدُو إِلَى عَرَفَة فيقيل حَيْثُ قضي لَهُ ، حَتَّى إِذا زَالَت الشَّمْس خطب الناسَ ، ثمَّ صلَّى الظّهْر وَالْعصر (جَمِيعًا) ، ثمَّ وقف بِعَرَفَات حَتَّى تغيب الشَّمْس ، ثمَّ يفِيض فيصلِّي بِالْمُزْدَلِفَةِ أَو حَيْثُ قَضَى الله ، ثمَّ يقف بِجمع حَتَّى (أَسْفر دفع) قبل طُلُوع الشَّمْس ، فَإِذا رَمَى الْجَمْرَة الْكُبْرَى حلَّ لَهُ كلُّ شَيْء حرم عَلَيْهِ إِلَّا النِّسَاء وَالطّيب ، حَتَّى يزور الْبَيْت . وَفِي مُسْند أَحْمد و سنَن النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : إِذا رميتم الْجَمْرَة فقد حلّ لكم كلُّ شيءٍ إِلَّا النِّسَاء ، فَقَالَ (لَهُ) (رجل) : يَا ابْن عَبَّاس ، وَالطّيب ؟ فَقَالَ : أما أَنا فقد رأيتُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يضمح رَأسه بالطيب ، (فَلَا أَدْرِي) أطيب ذَلِك أم لَا . إِسْنَاده حسن كَمَا قَالَه الْمُنْذِرِيّ وَغَيره ، إِلَّا أَن يَحْيَى بْنَ معِين وَغَيره قَالُوا : يُقَال : إِن الْحسن العرني لم يسمع من ابْن عَبَّاس نعم فِي مُسْند أَحْمد عَنهُ قَالَ : ذُكِرَ عِنْد ابْن عَبَّاس : يقطع الصلاةَ المرأةُ والكلبُ والحمارُ ؟ قَالَ : بئس مَا (عدلتم) بامرأةٍ مسلمة كَلْبا وَحِمَارًا .
(و) ذكر الحَدِيث بِطُولِهِ ، وَظَاهر هَذَا سَمَاعه مِنْهُ . ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك كُله أَن الرافعيَّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَن الْحلق نسك ، قَالَ : فعلق الْحل بِالْحلقِ كَمَا علقه بِالرَّمْي . وَقد علمتَ ضعف الحَدِيث ، فَإِن فِي بعض الرِّوَايَات علقه بِالذبْحِ ، وَلَا قَائِل بِأَن التَّحَلُّل يقف عَلَيْهِ ، وَلَو اسْتدلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الآتي الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ من طَرِيق عبد الله بن عَمرو : أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : حلقتُ قبل أَن أرمي ؟ فَقَالَ : ارْمِ وَلَا حرج .
وَجه الدّلَالَة مِنْهُ أَنه لَو لم يكن نُسكًا لما جَازَ تَقْدِيمه عَلَى الرَّمْي ، وَفِي صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان (فِي) حَدِيث طَوِيل : أَن للحالق بِكُل شَعْرَة سَقَطت من رَأسه نورا يَوْم الْقِيَامَة وَوَقع لِابْنِ الرّفْعَة فِي هَذَا الحَدِيث شَيْء غَرِيب ، فَإِنَّهُ لما ذكر قولَ صَاحب التَّنْبِيه : فَإِن قُلْنَا إِن الْحلق نسك ، حصل لَهُ التَّحَلُّل الأول بِاثْنَيْنِ من ثَلَاثَة وَهِي : الرَّمْي وَالْحلق وَالطّواف . ثمَّ اسْتدلَّ بِلَفْظ أبي دَاوُد السالف ، ثمَّ قَالَ : وَفِي كتب الْفُقَهَاء : (إِذا) رميتم وحلقتم . الحَدِيث ، وَهُوَ غَرِيب ؛ (فَإِنَّهُ عزاهُ) إِلَى كتب الْفُقَهَاء ، ونفيه عَن كتب الحَدِيث هُوَ مَا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وغيرُه كَمَا عَرفته ، فتنبَّهْ (لذَلِك) ؛ فَإِنَّهُ من الْغَرِيب .