الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين هَل مِنْكُم أحد أمره أَن يحمل عَلَيْهَا أَو أَشَارَ إِلَيْهَا
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين عَن أبي قَتَادَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه خرج مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَتخلف مَعَ بعض أَصْحَابه ، وَهُوَ حَلَال وهم محرمون ، فَرَأَوْا حمر وَحش ، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسه ثمَّ سَأَلَ أصحابَه أَن يناولوه سَوْطًا فَأَبَوا فسألَهُم رمْحَه ، فَأَبَوا ، فَأَخذه وَحمل عَلَى الْحمر فعقر مِنْهَا أَتَانَا ، فَأكل مِنْهَا بَعضهم وأَبَى بَعضهم ، فلمَّا أَتَوا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَأَلُوهُ ، فَقَالَ : هَل مِنْكُم أحد أمره أَن يحمل عَلَيْهَا أَو أَشَارَ إِلَيْهَا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَكُلُوا مَا بَقِي من لَحمهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنهُ ، قَالَ : كُنْتُ يَوْمًا جَالِسا مَعَ رجالٍ من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي منزلٍ فِي طَرِيق مَكَّة ، وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ نَازل ] أمامنا ، وَالْقَوْم مُحْرِمُون وَأَنا غيرُ مُحْرِم ، عَام الْحُدَيْبِيَة ، فأبْصَرُوا حمارا وحشيًّا وَأَنا مَشْغُول أَخْصِفُ نَعْلي ، فَلم (يُؤْذِنُوني) وأحبوا لَو أَنِّي (أبصرته) ، فقمتُ إِلَى الفرسِ فأسرجته (ثمَّ) ركبتُ ونسيتُ السَّوْطَ والرُّمْحَ ؛ فَقلت لَهُم : نَاوِلُوني السَّوْطَ والرُّمْحَ ، قَالُوا : لَا واللهِ لَا نُعِينكَ عَلَيْهِ [ بِشَيْء ] ، فغضبتُ فنزلتُ (فأخذتُهما) ، ثمَّ ركبتُ ، فشددتُ عَلَى الْحمار فعقرتُه ، ثمَّ جئتُ بِهِ وَقد مَاتَ ، فوقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ ، ثمَّ إنَّهُمْ شكُّوا فِي أكْلِهم إِيَّاه وهم حُرُم ، فرحنا وخبَّأتُ العضدَ (معي) فأدركْنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فسألنَْاهُ) عَن ذَلِك ، فَقَالَ : هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء ؟ فَقلت : نَعَمْ .
فناولْتُه العَضُدَ ، فَأكلهَا [ حَتَّى نَفَّدَها ] وَهُوَ مُحْرِم . وَفِي رِوَايَة لَهما : إِنَّمَا هِيَ طعمة أطعمكموها اللَّهُ . وَفِي أُخْرَى لَهما : فَهُوَ حَلَال ، فَكُلُوا .
وَفِي رِوَايَة لَهما من حَدِيث أبي قَتَادَة : فَقَالَ لَهُم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل مِنْكُم أحد أمره أَن يَحْمِل عَلَيْهَا ، أَو أَشَارَ إِلَيْهَا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فكُلُوا مَا بَقِي مِنْ لَحمهَا وَفِي رِوَايَة لمُسلم : (هَل) أَعنتم أَو أَشرتم أَو أصدتم . وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ : هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء ؟ قَالَ : مَعنا رِجله .
فَأَخذه النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأكلهَا . وَفِي رِوَايَة للطحاويِّ فِي شرح الْآثَار : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بعث أَبَا قَتَادَة (عَلَى) الصَّدَقَة ، وَخرج عَلَيْهِ السَّلَام وأصحابُه وهُمْ مُحْرِمُون ، حَتَّى نزلُوا عسفانَ ، وَجَاء أَبُو قَتَادَة وَهُوَ حل . الحَدِيث .
وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَالْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث أبي قَتَادَة أَنه قَالَ حِين اصطاد الْحمار الوحشي : ( فذكرتُ) شَأْنه لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، (وذكرتُ) أَنِّي لم أَكُن أحرمتُ ، وَأَنِّي إِنَّمَا اصطدته لَك ، فَأمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَصْحَابه ، فأكَلُوا وَلم يأكُلْ حِين أخبرتُه أَنِّي اصطدتُه لَهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَالَ أَبُو (بكر) النيسابوريُّ : قَوْله : إِنَّمَا اصطدتُه لَك وَقَوله : (و) لم يأكلْ مِنْهُ لَا أعلم أحدا ذكَرَه فِي هَذَا الحَدِيث غير معمر ، وَهُوَ مُوَافق لِمَا رُوي عَن عُثْمَان . قَالَ ابْن حزم فِي مُحَلَّاه : وَلم يذكر سماعَه من عبد الله ابن أبي قَتَادَة . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذِه الزِّيَادَة غَرِيبَة ، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أكل مِنْهُ ، وَإِن كَانَ الإسنادان (صَحِيحَيْنِ) ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح المهذَّب : ويُحْتمل أَنه جَرَى لأبي قَتَادَة فِي تِلْكَ (السفرة) قضيتان للجَمْع (بَين) الرِّوَايَتَيْنِ .
وَقَالَ ابْن حزم : إِنَّهَا قَضِيَّة وَاحِدَة فِي وَقت وَاحِد فِي مَكَان وَاحِد ، فِي صيدٍ واحدٍ . قَالَ : وَلَا يشك أحد فِي أَن أَبَا قَتَادَة لم يصد الْحمار إِلَّا لنَفسِهِ ولأصحابه وهم محرمون ، فَلم يمنعهُم رَسُول الله من أكله . وَخَالفهُ ابْن عبد الْبر فَقَالَ : كَانَ اصطياده الْحمار لنَفسِهِ لَا لأَصْحَابه ، وَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وجَّه أَبَا قَتَادَة عَلَى طَرِيق الْبَحْر مَخَافَة العدوِّ ، فَلذَلِك لم يكن محرما إِذْ اجْتمع مَعَ أَصْحَابه ؛ لِأَن مخرجهم لم يكن وَاحِدًا .
قَالَ : وَكَانَ ذَلِك عَام الْحُدَيْبِيَة أَو بعده بعام عَام الْقَضِيَّة . آخر الْجُزْء الرَّابِع ، بحَمْدِ الله وعونه