حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

الحَدِيث التَّاسِع لَا وَصِيَّة لوَارث

الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا وَصِيَّة لوَارث ، وَذَكَرَهُ الرَّافِعِيّ بعد بِلَفْظ آخر ، وَهُوَ : إِن الله قد أعْطى كل ذِي حقٍ حَقَّهُ ، أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث . هَذَا الحَدِيث يُرْوَى من طرق : أَحدهَا : من حَدِيث أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول فِي خطبَته عَام حجَّة الْوَدَاع : إِن الله قد أعْطى كلَّ ذِي حقٍّ حقَّه ، فَلَا وَصِيَّة لوَارث . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه فِي سنَنه وَالتِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ثمَّ قَالَ : حَدِيث حسن .

وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن شُرَحْبِيل بن مُسلم ، وَهُوَ حِمْصيّ من أهل الشَّام ، وَقد أسلفنا ذَلِك فِي بَاب الضَّمَان وَغَيره . ثَانِيهَا : من حَدِيث عَمرو بن خَارِجَة قَالَ : خطب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نَاقَته وَأَنا تَحت جِرَانهَا وَهِي تَقْصَعُ بجرتها وَإِن لُعَابهَا يسيل بَين كَتِفي ، فَسَمعته يَقُول : إِن الله قد أعْطى كل ذِي حق حقَّه ، فَلَا وَصِيَّة لوَارث . رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن صَحِيح .

قلت : و شهر بن حَوْشَب هَذَا تَرَكُوهُ - أَي : طعنوا فِيهِ - وَمن جملَة مَا أُنكر عَلَيْهِ مَا قَالَه فِي هَذَا الحَدِيث عَن عَمرو بن خَارِجَة : أَنه كَانَ تَحت جران نَاقَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . والجران : بطن الْعُنُق مِمَّا يَلِي الأَرْض ، وَأَيْنَ يصل عَمرو إِلَى ذَلِك ؟ وَهَذَا مُجَرّد استبعاد ، وَهُوَ مُمكن . وَرَوَاهُ لَيْث بن أبي سليم ، عَن مُجَاهِد ، عَن عَمرو بن خَارِجَة هَذَا : فَلَا تجوز وَصِيَّة لوَارث .

قلت : وَرَوَاهُ همام وَالْحجاج بن أَرْطَاة وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الله المَسْعُودِيّ وَالْحسن بن دِينَار وغيرُهم عَن قَتَادَة ، فَلم يذكرُوا ابْنَ غُنْم . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن الْمُبَارك ، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ، عَن قَتَادَة ، عَن عَمرو ، فأسقط شهْرًا وابْنَ غنم ، لَكِن الظَّاهِر إرْسَاله ؛ فَإِن أَحْمد بن حنبل قَالَ : مَا أعلم قتادةَ سمع مِنْ أحدٍ من الصَّحَابَة إِلَّا من أنس . ثَالِثهَا : من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : إِنِّي لتحْت نَاقَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسيل عليَّ لُعَابهَا ؛ فَسَمعته يَقُول : إِن الله أعْطى كلَّ ذِي حق حَقه ، أَلا لَا وصيةَ لوَارث .

رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار ، عَن مُحَمَّد بن شُعَيْب ، عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر ، عَن سعيد بن أبي سعيد ، عَن أنس بِهِ . وَهَذَا إِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات ، وَالظَّاهِر أَن سعيد بن أبي سعيد هُوَ المَقْبُري المُجْمع عَلَى ثقته ، وَبِه صرَّح ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه وَكَذَا الْمزي . وَالْبَيْهَقِيّ رَوَاهُ من طَرِيق عمر [ عَن ] عبد الرَّحْمَن بن يزِيد ، ثمَّ قَالَ : رَوَاهُ الْوَلِيد بن مزِيد ، عَن ابْن جَابر ، عَن سعيد بن أبي سعيد - شيخ بالسَّاحل - قَالَ : حدَّثني رجل من أهل الْمَدِينَة قَالَ : إِنِّي لتَحْت نَاقَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .. .

فَذكره . قال الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوي من أوجه ضَعِيفَة ، فَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى ضعف الطَّرِيق الْمَذْكُور ، وَلَعَلَّه يرَى أَن سعيد بن أبي سعيد الشاميَّ لَا المَقْبُري . وَقد ذكر ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه فِي تَرْجَمَة المَقْبُري : أَنه قَدِمَ الشامَ مرابطًا ، وحدَّث ببيروت ، وَسمع [ مِنْهُ ] بهَا عَبْدَ الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر .

وفرَّق الخطيبُ فِي كِتَابه الْمُتَّفق والمفترق بَين المقبريِّ المدنيِّ وَبَين الَّذِي حدَّث ببيروت وَلَيْسَ بجَيِّد ، فعلَى مَا قَالَه ابْن عَسَاكِر عِلّة الحَدِيث جَهَالَة الرجل من أهل الْمَدِينَة ، وَبِه صرَّح الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله وَالظَّاهِر أَنه من تَقْصِير بعض الروَاة ، وَإِنَّمَا هُوَ أنس . وَذكر الْخَطِيب فِي هَذَا الْكتاب أَن الشاميَّ يروي عَن أنس ، وَخَالف ابْن الْجَوْزِيّ فَذكر فِي تَحْقِيقه مَا أسلفناه عَن البيهقيِّ ، ثمَّ قَالَ : الساحليُّ مَجْهُول . وَقد علمتَ مَا فِيهِ .

ولمَّا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من طَرِيق الشَّافِعِي عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن سُلَيْمَان الْأَحول ، عَن مُجَاهِد أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا وَصِيَّة لوَارث قَالَ : قَالَ الشَّافِعِي : وَرَوَى بعض الشاميين حَدِيثا لَيْسَ مِمَّا يُثْبته أهلُ الحَدِيث ، فَإِن بعض رِجَاله مَجْهُولُونَ ، فَروينَاهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْقَطِعًا ، واعتمدنا عَلَى حَدِيث الْمَغَازِي (عَامَّة) أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَام الْفَتْح : لَا وَصِيَّة لوَارث . وَإِجْمَاع (الْعلمَاء) عَلَى القَوْل بِهِ . ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي دَاوُد حديثَ أبي أُمَامَة السالف ، ثمَّ ذكر عَن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ : مَا رَوَى إِسْمَاعِيل عَن الشاميين صحيحٌ .

قال : وَكَذَا قَالَ البُخَارِيّ وَجَمَاعَة من الحُفَّاظ ، وَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل عَن شاميّ . قلت : ظهر بِهَذَا أَن هَذَا (هُوَ) الحَدِيث الَّذِي عناه الشافعيُّ بقوله : وَرَوَى بعض الشاميين حَدِيثا .. . إِلَى آخِره ، وَقد صرَّح الْبَيْهَقِيّ بذلك فِي كتاب الْمعرفَة وَلَيْسَ فِي رِجَاله مَجْهُول ، وَابْن عَيَّاش مَعْرُوف ، وَرَوَاهُ عَن شاميّ ، ورِوَايَته صَحِيحَة عَنْهُم كَمَا سلف ؛ وَلِهَذَا حسَّنه التِّرْمِذِيّ كَمَا قدّمناه عَنهُ .

قال الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُويَ من وَجه آخر من حَدِيث الشاميين . ثُمَّ رَوَى حديثَ عَمرو بن خَارِجَة من وَجْهَيْن : (صَحِيح) - كَمَا تقدم عَن التِّرْمِذِيّ وَمن وَافقه - ، وضعيفٌ ، ثمَّ قَالَ : والاعتماد عَلَى مَا ذكره الشَّافِعِي عَن أهل الْمَغَازِي مَعَ إِجْمَاع الْعَامَّة عَلَى القَوْل بِهِ . قلت : قد تقرر لَك من ثَلَاثَة أوجه قوته ، وَعبارَة الشَّافِعِي فِي الْأُم : ورأيتُ متظاهرًا عِنْد عَامَّة مَنْ لقيتُ مِنْ أهل الْعلم بالمغازي أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي خطبَته عَام الْفَتْح : أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث وَلم أر بَين النَّاس فِي ذَلِك اخْتِلَافا .

وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : فَوَجَدنَا أهل الْفتيا وَمن حفظنا عَنهُ من أهل الْعلم بالمغازي من قُرَيْش وَغَيرهم ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ يَوْم الْفَتْح : لَا وَصِيَّة لوَارث وَلَا يُقْتل مُسلم بِكَافِر ويأمرون بِهِ عَمَّن حفظوه عَنهُ مِمَّن لقوه من أهل الْعلم بالمغازي . فكَأَن هَذَا قَول عَامَّة [ عَن ] عَامَّة ، وَكَانَ أَقْوَى فِي بعض الْأَمريْنِ نقل وَاحِد ، وَكَذَلِكَ وجدنَا عَلَيْهِ أهل الْعلم مُجْمِعِينَ . قلت : وَله طرق أُخْرَى : أَحدهَا : من رِوَايَة جَابر رَفعه : وَلَا وَصِيَّة لوَارث .

رواه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْهَرَوِيّ ، ثَنَا سُفْيَان ، عَن عَمْرو ، عَن جَابر بِهِ ، ثمَّ قَالَ : الصَّوَاب مُرْسل . ( وَقَالَ عبد الله بن عَلي الْمَدِينِيّ : سَمِعت أبي يَقُول : أَبُو مُوسَى الْهَرَوِيّ أَي وَهُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم) وَرَوَى عَن سُفْيَان عَن عَمرو عَن جَابر : لَا وَصِيَّة لوَارث (و) ثَنَا بِهِ سفيانْ ، عَن عَمرو مُرْسلا . ثَانِيهَا : من رِوَايَة عليّ بن أبي طَالب رَفعه : الدَّين قَبْلَ الْوَصِيَّة ، وَلَيْسَ لوَارث وَصِيَّة .

رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي أُنيسة الْجَزرِي ، عَن أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي ، عَن عَاصِم بن ضَمرَة ، عَن عليٍّ بِهِ ، وَيَحْيَى هَذَا مَتْرُوك ، كَمَا قَالَه أَحْمد وغيرُه ، وَعَاصِم فِيهِ مقَال . ثَالِثهَا : من رِوَايَة ابْن عَبَّاس رَفعه : لَا وَصِيَّة لوَارث . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث يُوسُف بن سعيد ، ثَنَا عبد الله بن ربيعَة (نَا) مُحَمَّد بن مُسلم (عَن) ابْن طَاوس ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ .

وَهَذَا إِسْنَاد جيد ، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث يُوسُف هَذَا ، ثَنَا حجاج - هُوَ الْأَعْوَر - ثَنَا ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : لَا تجوز الْوَصِيَّة لوَارث ، إِلَّا أَن يَشَاء الْوَرَثَة وَهَذَا مُنْقَطع كَمَا سَيَأْتِي . وَبالجُمْلة فالضعف فِي بعض طرقه يجْبر مَا فِيهَا الصحيحةُ والحسنةُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق .

ورد في أحاديث17 حديثًا
يُخرِّج هذا المحتوى18 حديثًا
موقع حَـدِيث