الحَدِيث الثَّامِن لَا تنْكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة وَلَا نَفسهَا
الحَدِيث الثَّامِن رُوِيَ أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تنْكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة وَلَا نَفسهَا ؛ إِنَّمَا الزَّانِيَة الَّتِي تنْكح نَفسهَا . هذَا الحَدِيث مَدَاره عَلَى أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَله عَنهُ طرق مِنْهَا : طَرِيق عبيد بن يعِيش ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمحَاربي ، عَن عبد السَّلَام بن حَرْب ، عَن هِشَام بن حسَّان ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أَبَى هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا تزوج الْمَرْأَة الْمَرْأَة ، وَلَا تزوج الْمَرْأَة نَفسهَا ، وكنّا نقُول إِن الَّتِي تزوج نَفسهَا هِيَ الزَّانِيَة . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَهَذَا الطَّرِيق عَلَى شَرط مُسلم ، والمحاربي وَإِن كَانَ قد قَالَ ابْن معِين فِيهِ إِنَّه (يروي الْمَنَاكِير عَن المجاهيل ؛ فقد وَثَّقَهُ مرّة أُخْرَى ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَدُوق) يروي عَن مجهولين أَحَادِيث (مُنكرَة) فَيفْسد حَدِيثه بذلك .
قلت : لم يرو هُنَا عَن مَجْهُول ، فَحَدِيثه هَذَا جيد عَلَى أَن الْمحَاربي هَذَا قد أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فَجَاز القنطرة ، وَلم ينْفَرد بِهِ ؛ بل توبع ، رَوَاهُ مُحَمَّد بن سعيد بن الْأَصْبَهَانِيّ ، عَن عبد السَّلَام بِهِ ، وَمُحَمّد ثِقَة كَمَا قَالَ النَّسَائِيّ وَيَعْقُوب بن شيبَة ، وَخرج لَهُ البُخَارِيّ ، وَقد أخرج هَذِه الْمُتَابَعَة الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا بِلَفْظ : لَا تُنكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة ، وَلَا تنْكح الْمَرْأَة نَفسهَا ثمَّ قَالَ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : (كَانَ) يُقَال : الزَّانِيَة تنْكح نَفسهَا . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة مُسلم بن أبي مُسلم ، عَن مخلد بن الْحُسَيْن (عَن) هِشَام بن حسَّان بِهِ : لَا تنْكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة ، وَلَا تنْكح الْمَرْأَة نَفسهَا ، إِن الَّتِي تنْكح نَفسهَا هِيَ الْبَغي قَالَ ابْن سِيرِين : وَرُبمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : هِيَ الزَّانِيَة وَمُسلم هَذَا (جُرْمِي) (ووالده) عبد الرَّحْمَن ، ( و) مخلد (وَثَّقَهُ) الْعجلِيّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَرَوَى عَن مُسلم هَذَا الحَدِيث الْحسن بن سُفْيَان أَيْضا ، (وَقَالَ) : سَأَلت يَحْيَى بن معِين عَن رِوَايَة مخلد بن الْحُسَيْن ، عَن هِشَام بن حسّان ، فَقَالَ : ثِقَة . فذكرت لَهُ هَذَا الحَدِيث قَالَ : نعم قد كَانَ (شيخ) عندنَا يرفعهُ عَن مخلد .
قلت : وَتَابعه عبد السَّلَام بن حَرْب كَمَا سلف ، وَمُحَمّد بن مَرْوَان كَمَا سَيَأْتِي . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : وَمُسلم بن (عبد الرَّحْمَن) الْجرْمِي من (شيخ) الْغُزَاة ، رَوَى عَن مخلد بن الْحُسَيْن ، رَوَى عَنهُ الْمُنْذر بن شَاذان الرَّازِيّ الصَّادِق ، قَالَ : إِنَّه قَتل من الرّوم مائَة ألف . وَمِنْهَا : طَرِيق جميل بن الْحسن الْعَتكِي ، ثَنَا مُحَمَّد بن (مَرْوَان) الْعقيلِيّ ، ثَنَا هِشَام بن حسان ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا تزوج الْمَرْأَة الْمَرْأَة ، وَلَا تزوج الْمَرْأَة نَفسهَا ؛ فَإِن الزَّانِيَة هِيَ الَّتِي تزوج نَفسهَا .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَجَمِيل هَذَا قَالَ فِي حَقه عَبْدَانِ : كَاذِب فَاسق فَاجر . وَقال ابْن عدي : لَا أعلم لَهُ حَدِيثا مُنْكرا ، وَإِنَّمَا عَبْدَانِ نسبه إِلَى الْفسق . وأمّا ابْن حبَان : فَذكره فِي ثقاته وَرَوَى عَنهُ ابْن خُزَيْمَة هَذَا الحَدِيث .
وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي تَحْقِيقه إِنَّه لَا يعرف فأغرب ، وَقد نَاقض هَذِه الْمقَالة فِي كِتَابه (الضُّعَفَاء) فَنقل فِيهِ مَا قدمْنَاهُ أَولا ، وَشَيْخه مُحَمَّد بن مَرْوَان ، قَالَ أَبُو زرْعَة : لَيْسَ بِذَاكَ عِنْدِي . وَقال أَحْمد : رَأَيْته وَقد حدث بِأَحَادِيث فَلم أَكتبهَا عَلَى عمد . وَأما أَبُو دَاوُد ، فَقَالَ : صَدُوق .
وَقال ابْن معِين : صَالح . وَأخرجه من هَذِه الطَّرِيق أَيْضا الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَلم يعقبه بِشَيْء ، وَنقل عبد الْحق فِي الْأَحْكَام عَنهُ أَنه قَالَ (فِيهِ : إِنَّه) حَدِيث صَحِيح . ثُمَّ قَالَ - كالمعترض عَلَيْهِ - : كَذَا قَالَه ! وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا .
وَلم أر أَنا هَذِه القولة (لَهُ) فِي سنَنه بل وَلَا فِي علله فِيمَا يغلب عَلَى ظَنِّي ، وَلم يعقبه ابْن الْقطَّان وَلَا من تبعه ؛ فَتنبه لَهُ . ثمَّ اعْلَم أَن الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي ذكر الطَّرِيق الأول فِي الْجُزْء الْخَامِس من الْأَعْيَان الْجِيَاد من مشيخة بَغْدَاد ثمَّ ذكر طَرِيق ابْن مَاجَه هَذَا وَعَزاهُ إِلَيْهِ ، ثمَّ قَالَ : وَإِسْنَاده كلهم ثِقَات مُتَّفق عَلَيْهِم إِلَّا عبيدا ؛ فَإِنَّهُ من أَفْرَاد مُسلم . وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ ؛ فَإِن الِاتِّفَاق عَلَى ثِقَة الْحسن بن جميل الْوَاقِع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه ، وَالظَّاهِر أَن مُرَاده الطَّرِيق الأول ، و [ لهَذَا ] اسْتثْنى عبيدا .
وَمِنْهَا : طَرِيق النَّضر بن شُمَيْل ، أبنا ابْن حسّان ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة قَوْله ، وَلم يرفعهُ . وَمِنْهَا : طَرِيق حَفْص بن غياث ، عَن هِشَام ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : كنّا نتحدث أَن الَّتِي تنْكح نَفسهَا هِيَ الزَّانِيَة . أخرجهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من طَرِيق مَرْفُوعا . وَمن طَرِيق مَوْقُوفا عَلَى أبي هُرَيْرَة ، ثمَّ قَالَ : كَذَا قَالَ ابْن عُيَيْنَة ، عَن هِشَام بن حسّان ، عَن ابْن سِيرِين مَرْفُوعا ، وَعبد السَّلَام بن حَرْب قد ميّز الْمسند من الْمَوْقُوف ، فَيُشبه أَن يكون قد حفظه . وَالشَّافِعِيّ فِي الْأُم أخرجه مَوْقُوفا ، فَقَالَ : أبنا ابْن عُيَيْنَة ، عَن هِشَام بن حسان .. .
فَذَكَرَهُ كَمَا سلف . فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : لَا تُنكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة (المُرَاد) مِنْهُ النَّهْي ، وصيغته الْخَبَر (لوروده) مضموم الْحَاء ؛ إِذْ لَو كَانَ نهيا لَكَانَ مَجْزُومًا مكسورًا عَلَى أصل التقاء الساكنين . هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب من الْأَحَادِيث ، وَذكر فِيهِ أثرين : أَحدهمَا : أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يجوّز نِكَاح الْمُتْعَة ، ثمَّ رَجَعَ عَنهُ .
وَهَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ ، قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه : رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس شَيْء من الرُّخْصَة فِي الْمُتْعَة ، ثمَّ رَجَعَ عَن قَوْله حَيْثُ أخبر عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمَّ قَالَ : (بَاب رُجُوع ابْن عَبَّاس عَن نِكَاح الْمُتْعَة) ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُوسَى بن عُبَيْدَة [ عَن مُحَمَّد بن كَعْب ] قَالَ ابْن عَبَّاس : إِنَّمَا كَانَت الْمُتْعَة فِي أول الْإِسْلَام ؛ كَانَ الرجل يقدم الْبَلدة لَيْسَ (لَهُ) بهَا معرفَة فَيَتَزَوَّج (الْمَرْأَة) بِقدر مَا يرَى أَنه يُقيم لتحفظ لَهُ مَتَاعه وَتصْلح لَهُ شَأْنه ، حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة : ( إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) قَالَ ابْن عَبَّاس : فَكل فرج (سواهُمَا) حرَام . قال الْحَازِمِي : إِسْنَاده صَحِيح لَوْلَا مُوسَى بن عُبَيْدَة - وَهُوَ الربذي - كَانَ يسكن الربذَة - وَعزا الْمجد ابْن تَيْمِية فِي أَحْكَامه إِلَى البُخَارِيّ أَنه رَوَى عَن أبي جَمْرَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن مُتْعَة النِّسَاء ، فَرخص فِيهِ فَقَالَ مولَى لَهُ : إِنَّمَا ذَلِك فِي الْحَال الشَّديد وَفِي النِّسَاء قلَّة - أَو نَحوه - ؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس : نعم . وَلم أر هَذَا فِي البُخَارِيّ وَلَا أعلم من رَوَاهُ أَيْضا ، وَقد استغربه ابْن الْأَثِير فَعَزاهُ فِي جَامعه إِلَى رزين وَحده .