حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

الحَدِيث الثَّانِي أعْتِقْ رَقَبَة

الحَدِيث الثَّانِي قَالَ الرَّافِعِي : تَعْلِيق الظِّهَار صَحِيح ، وَاحْتج لَهُ بِمَا رُوي : أَن سَلمَة بن صَخْر - رضي الله عنه - جعل امْرَأَته عَلَى نَفسه كظهْر أُمِّه إِن غشيها حَتَّى ينْصَرف رمضانُ ، فَذكر ذَلِكَ لرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : أعْتِقْ رَقَبَة . هَذَا الحَدِيث كَذَا ذكره الرَّافِعِي هُنَا ، وَرَوَاهُ بعد ذَلِكَ بِلَفْظ : أَن سَلمَة بن صَخْر ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ حَتَّى يَنْسَلِخ رمضانُ ، ثمَّ وَطئهَا فِي المدَّةِ ، فَأمره النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - بتحرير رقبةٍ وَهُوَ حَدِيث جيدٌ مذكورٌ باللفظين المذكورَيْن : أما الأوَّل : فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِي من حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان ، وَأبي سَلمَة : أَن سَلمَة بن صَخْر البياضي جعل امْرَأَته عَلَيْهِ كظهْر أُمِّه إِن غشيها حَتَّى يمْضِي رمضانُ ، فلمَّا مَضَى النِّصْفُ من رَمَضَان سمنت المرأةُ وتربعت ، فأعْجَبَتْهُ ، فغشيها لَيْلًا ، ثمَّ أَتَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَذكر ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : أعْتِقْ رَقَبَة . فَقَالَ : لَا أجد .

فَقَالَ : صُمْ شَهْرَيْن مُتَتَابعين . قَالَ : لَا أَسْتَطِيع . قَالَ : أطعِمْ سِتِّينَ مِسْكينا قَالَ : لَا أجد .

قَالَ : فأُتي النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا أَو سِتَّة عشر صَاعا ، فَقَالَ : تصدَّقْ بِهَذَا عَلَى سِتِّينَ مِسْكينا . وَأما اللَّفْظ الثَّانِي : فَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار ، عَن سَلمَة بن صَخْر البياضي قَالَ : كنتُ امْرَءًا أُصيبُ من النِّسَاء مَا لَا يُصيب غَيْرِي ، فلمَّا دخل شهرُ رَمَضَان خِفْتُ أَن أُصيبَ مِنِ امْرَأَتي شَيْئا تتايع بِي حَتَّى أصبح ، فظاهرتُ مِنْهَا حَتَّى يَنْسَلِخ شَهْرُ رَمَضَان ، فَبينا هِي تخدمني ذَات لَيْلَة إِذا تكشف لي مِنْهَا شَيْء ، فَمَا لَبِثت أَن نزوتُ عَلَيْهَا ، فَلَمَّا أصبحتُ خرجتُ إِلَى قومِي فأخبرتُهُم الخَبَرَ ، قَالَ : فقلتُ : امْشُوا معي إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - . قَالُوا : لَا واللهِ .

فانطلقتُ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتُه . فَقَالَ : أَنْت بِذَاكَ يَا سَلمَة ؟ قلت : أَنا بِذَاكَ يَا رَسُول الله - مرَّتَيْنِ - وَأَنا صابرٌ لأمْر الله ، فاحْكُمْ في بِمَا أَرَاك الله . قَالَ : حَرِّرْ رَقَبَة .

قلت : وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ ؛ مَا أَمْلُكُ رَقَبَة غَيرهَا ، وضربتُ صفحةَ رقبتي . قَالَ : فَصُمْ شَهْرَيْن مُتَتَابعين . قَالَ : وَهل أصبتُ الَّذِي أصبتُ إِلَّا من الصّيام .

قَالَ : فأطعمْ وَسْقاً من تمرٍ بَين سِتِّينَ مِسْكينا . قلت : وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ ؛ لقد بتنا وحشين ، مَا أمْلِكُ لنا طَعَاما . قَالَ : فانْطَِقْ إِلَى صَاحب صَدَقَة بني زُرَيْق ، فليدفَعْهَا إِلَيْك .

قَالَ : فأطعمْ سِتِّينَ مِسْكينا وَسْقًا من تمرٍ ، وكُلْ أَنْت وعيالُك بَقِيَّتَهَا . فرجعتُ إِلَى قومِي فقلتُ : وجدتُ عنْدكُمْ الضيقَ وسوءَ الرَّأْي ، ووجدتُ عِنْد النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - السعَة وحُسْنَ الرَّأْي ، وقد أَمرنِي - أَو - أَمر لي بصدقتكم . قَالَ ابْن إِدْرِيس : وَبَنُو بياضة بطن من بني زُرَيْق .

هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَهُوَ من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن مُحَمَّد بن عَمرو بن عَطاء ، عَن سُلَيْمَان بن يسَار ، عَن سَلمَة بن صَخْر بِهِ ، وَلَفظ التِّرْمِذِي ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن سلمَان بن صَخْر أَنه جعل امْرَأَته عَلَيْهِ كَظهر أمه حَتَّى يمْضِي رَمَضَان ، فَلَمَّا مَضَى نصف من رَمَضَان وَقع عَلَيْهَا لَيْلًا ، فَأَتَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَذكر ذَلِكَ لَهُ .. . ثمَّ ذكر الْبَاقِي نَحوه ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن . وَلَفظ ابْن مَاجَه كطريق أبي دَاوُد : لما دخل رَمَضَان ظَاهَرت من امْرَأَتي حَتَّى يَنْسَلِخ رَمَضَان .. .

وَالْبَاقِي نَحوه . وَرِوَايَة أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه مُنْقَطِعَة ، قَالَ البُخَارِي فِيمَا نَقله التِّرْمِذِي : سُلَيْمَان بن يسَار لم يسمع عِنْدِي من سَلمَة بن صَخْر . وَكَذَا نقل غَيره عَنهُ أَن سُلَيْمَان لم يدْرك سلمةَ ، لَا جرم قَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : إِنَّه مُنْقَطع .

وَأما الْحَاكِم فَأخْرجهُ فِي مُسْتَدْركه من طَرِيق أبي دَاوُد وابْنِ مَاجَه ، وَفِيه عنعنة ابْن إِسْحَاق أَيْضا ، وَلم يذكر تأقِيْتَ الظِّهَار ، بل قَالَ : فلمَّا دخل رَمَضَان ظاهَرَ من امْرَأَته ؛ مَخَافَة أَن يُصِيب مِنْهَا شَيْئا من اللَّيْل .. . الحَدِيث إِلَى آخِره . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم .

أَي : فِي الشواهد لَا فِي الْأُصُول ؛ لِأَن مُسلما لم يحْتَج بابْنِ إِسْحَاق ، وَإِنَّمَا ذكره مُتَابعَة ، كَمَا نَبَّهنا عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ . قَالَ الْحَاكِم : وَله شَاهد من حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بِهِ . ثمَّ رَوَاهُ عَن ابْن خُزَيْمَة ، أبنا هِشَام بن علي ، ثَنَا عبد الله بن رَجَاء ، ثَنَا حَرْب بن شَدَّاد ، عَن ابْن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن : أَن سَلْمان بن صَخْر الْأنْصَارِي جعل امْرَأَته كظهْر أُمِّه .. .

فَذكر الحديثَ بِنَحْوِهِ مِنْهُ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : سلمَان بن صَخْر هُوَ سَلمَة بن صَخْر ، يُقَال فِيهِ هَذَا وَهَذَا ، كَمَا سلف ، وَقد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ التِّرْمِذِي وغيرُه ، و سَلمَة أصح وَأشهر ، كَمَا قَالَه ابْن الْأَثِير وَالنَّوَوِي فِي تهذيبه وغَيْرُهما ، وَهُوَ أَيْضا أنصاري خزرجي ، وَيُقَال لَهُ : بياضي لِأَنَّهُ حَلِيف بني بياضة . ثَانِيهَا : فِي أَلْفَاظه : قَوْله : تتايع هُوَ بمثناة تَحت قبل الْعين ، فَقَالَ : تتايع فِي الْخَيْر وتتايع فِي الشَّرّ ، قَالَ صَاحب التنقيب فِي كَلَامه عَلَى المهذَّب بعد أَن ضبط تتايع بِمَا ضبطته التتايع عبارَة عَن المسارعة إِلَى الشَّيْء والتهافت عَلَيْهِ .

قَالَ : وَلم تسْتَعْمل هَذِه اللَّفْظَة فِي المسارعة إِلَى الْخَيْر إِلَّا عَلَى وجْه شَاذ . وَأما التَّتَابُع بباء مُوَحدَة قبل الْعين ، فَلَا يُسْتعمل عِنْد الْجُمْهُور إِلَّا فِي الْمُتَابَعَة إِلَى الْخَيْر . وَقَوله : نزوتُ : هُوَ بِفَتْح النُّون ، ثمَّ زَاي مُعْجمَة ، ثمَّ وَاو سَاكِنة ، أَي : وَثَبْتُ عَلَيْهَا أَرَادَ الْجِمَاع .

وَقَوله : أَنْت بِذَاكَ مَعْنَاهُ : أَنْت الملم بِذَاكَ ، والمرتكب لَهُ . وَقَوله : وَحْشين : هُوَ بِفَتْح الْوَاو ، ثمَّ حاء مُهْملَة سَاكِنة ، ثمَّ شين مُعْجمَة ، ثمَّ يَاء مثناة تَحت ، ثمَّ نون ، أَي : مقفرين لَا طَعَام لنا ، يُقَال : رجل وَحْش - بِسُكُون الْحَاء - وَقوم أوحاش . وَبَنُو زُريق : بِضَم الزَّاي ، ثمَّ رَاء مُهْملَة مَفْتُوحَة ، ثمَّ مثناة تَحت ثمَّ قَاف ، وَكَذَا ضَبطه النَّوَوِي فِي تهذيبه ، وهُمْ بطن من الْأَنْصَار .

ثَالِثهَا : اعْترض ابْن الرّفْعَة عَلَى الرَّافِعِي فِي استدلاله بِهَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : اسْتدلَّ الرَّافِعِي عَلَى صِحَة تَعْلِيق الظِّهَار بِمَا ذكره من حَدِيث سَلمَة ، وَالَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي : أَنه ظاهَرَ حَتَّى يَنْسَلِخ رمضانُ : فَهُوَ ظِهَار مُؤَقّت لَا معلَّق ، قَالَ : فَلَعَلَّ تِلْكَ رِوَايَة أُخْرَى . وَقَالَ فِي مطلبه : الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة فِيهِ غير هَذِه ، وَلَا حُجَّة فِيهَا عَلَى جَوَاز التَّعْلِيق . هَذَا مَا ذكره فِي كِتَابيه ، وَرِوَايَة الْبَيْهَقِي السالفة طبْقَ مَا ذكره الرَّافِعِي ، فَلَا اعْتِرَاض إِذن .

ورد في أحاديث2 حديثان
يُخرِّج هذا المحتوى3 أحاديث
موقع حَـدِيث