الحديث الأول أَن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مَسْعُود خرجا إِلَى خَيْبَر
كتاب دَعْوَى الدَّم والقسامة كتاب دَعْوَى الدَّم والقسامة ذكر فِيهِ - رحمه الله - حديثين : أَحدهمَا : عَن سهل بن أبي حثْمَة : أَن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مَسْعُود خرجا إِلَى خَيْبَر ، فتفرقا لحاجتهما ، فَقتل عبد الله ، فَقَالَ محيصة للْيَهُود : أَنْتُم قَتَلْتُمُوهُ ، قَالُوا مَا قَتَلْنَاهُ ، فَانْطَلق هُوَ وَأَخُوهُ حويصة وعبد الرَّحْمَن بن سهل أَخُو الْمَقْتُول - رضي الله عنه - إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَذكرُوا لَهُ قتل عبد الله بن سهل ، فَقَالَ : تحلفون خمسين يَمِينا وتستحقون دم صَاحبكُم فَقَالُوا : يَا رَسُول الله لم نشْهد وَلم نحضر . فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : فتحلف لكم الْيَهُود ، فَقَالُوا : كَيفَ نقبل أَيْمَان قوم كفار ؟ فَذكر أَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فدَاه من عِنْده ، فَبعث إِلَيْهِم بمائة نَاقَة ، قَالَ سهل : لقد ركضتني مِنْهَا نَاقَة حَمْرَاء . وَيروَى : يقسم مِنْكُم خَمْسُونَ عَلَى رجل مِنْهُم فَيدْفَع برمتِهِ وَفِي رِوَايَة إِمَّا أَن تدوا صَاحبكُم ، وَإِمَّا أَن تأذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة ، قَالَ : انْطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مَسْعُود إِلَى خَيْبَر وَهِي يَوْمئِذٍ صلح فتفرقا ، فَأَتَى محيصة إِلَى عبد الله بن سهل وَهُوَ يَتَشَحَّط فِي دَمه قَتِيلا فدفنه ، ثمَّ قدم الْمَدِينَة فَانْطَلق عبد الرَّحْمَن بن سهل ومحيصة وحويصة ابْنا مَسْعُود إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَذهب عبد الرَّحْمَن يتَكَلَّم ، فَقَالَ : كبر كبر . وَهُوَ أحدث الْقَوْم فَسكت ، فتكلما ، فَقَالَ : أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أَو صَاحبكُم . قَالُوا : وَكَيف نحلف وَلم نشْهد وَلم نر ؟ قَالَ : فتبرئكم يهود بِخَمْسِينَ .
قَالُوا : كَيفَ نَأْخُذ أَيْمَان قوم كفار ؟ فعقله النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - من عِنْده ، وَفِي رِوَايَة لَهما قَالَ - عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - : يقسم خَمْسُونَ مِنْكُم عَلَى رجل مِنْهُم فَيدْفَع برمتِهِ . قَالُوا : أمرٌ لم نشهده كَيفَ نحلف ؟ قَالَ : فتبرئكم يهود بأيمان خمسين مِنْهُم . قَالُوا : يَا رَسُول الله ، قوم كفار ! .
قَالَ : فوداه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبله . قَالَ سهل : فَدخلت مربدًا لَهُم يَوْمًا ، فركضتني نَاقَة من تِلْكَ الْإِبِل ركضة برجلها وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة ، عَن رجل من كبراء قومه أَن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إِلَى خَيْبَر من جهد أَصَابَهُم فَأَتَى محيصة فَأخْبر أَن عبد الله بن سهل قد قتل وَطرح فِي عين أَو فَقير فَأَتَى يهود فَقَالَ : أَنْتُم وَالله قَتَلْتُمُوهُ . فَقَالُوا : وَالله مَا قَتَلْنَاهُ .
ثمَّ أقبل حَتَّى قدم عَلَى قومه فَذكر ذَلِك لَهُم ، ثمَّ أقبل هُوَ وَأَخُوهُ حويصة - وَهُوَ أكبر مِنْهُ - وَعبد الرَّحْمَن بن سهل ، فَذهب محيصة ليَتَكَلَّم - وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَر - فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - لمحيصة : كَبِّر ، كَبِّر - يُرِيد السِّنَّ - فَتكلم حويصة ثمَّ تكلم محيصة ، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : إِمَّا أَن تدوا صَاحبكُم وَإِمَّا أَن تؤذنوا بِحَرب . فَكتب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَيْهِم فِي ذَلِك ، فَكَتَبُوا : إِنَّا وَالله مَا قَتَلْنَاهُ . فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لحويصة ومحيصة : فتحلفون وتستحقون دم صَاحبكُم ؟ قَالُوا : لَا .
قَالَ : فتحلف لكم يهود ؟ قَالُوا : لَيْسُوا مُسلمين . فوداه النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - من عِنْده ، فَبعث إِلَيْهِم رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة نَاقَة حَتَّى أدخلت عَلَيْهِم الدَّار . فَقَالَ سهل : فَلَقَد ركضتني مِنْهَا نَاقَة حَمْرَاء .
هَذَا كُله لفظ مُسلم ، وَلَفظ البُخَارِي عَن سهل بن أبي حثْمَة هُوَ وَرِجَال من كبراء قومه .. . الحَدِيث ، وَفِيه : فَذهب محيصة ليَتَكَلَّم . وَفِي آخِره فوداه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من عِنْده بمائة نَاقَة حَتَّى أدخلت الدَّار ، قَالَ سهل : فركضتني مِنْهَا نَاقَة وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِي : تَأْتُونِي بِالْبَيِّنَةِ عَلَى من قَتله .
قَالُوا : مَا لنا بَيِّنَة . قَالَ : فَيحلفُونَ . قَالُوا : لَا نرضى بأيمان الْيَهُود .
فكره رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن يبطل دَمه فوداه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة نَاقَة من إبل الصَّدَقَة وَذكر مُسلم إِسْنَاده وَذكر بعضه وسَاق الحَدِيث ، وَقَالَ فِيهِ : فكره .. . إِلَى آخِره . فَائِدَة : حويصة ومحيصة : بتَشْديد الْيَاء عَلَى الْأَشْهر وَحكي تخفيفها .
وَقَوله : فوداه هُوَ بتَخْفِيف الدَّال أَي دفع دِيَته وَقَوله : من عِنْده يحْتَمل أَنه من خَالص مَاله ، وَيحْتَمل أَنه من مَال بَيت المَال . وَقَوله : من إبل الصَّدَقَة قَالَ بَعضهم : إِنَّهَا غلط من الروَاة ؛ لِأَن الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة لَا تصرف هَذَا الْمصرف ، إِنَّمَا تصرف لأصناف سماهم الله . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي من أَصْحَابنَا : ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنه يجوز صرفهَا من إبل الصَّدَقَة .
وتأوله جمهورهم عَلَى أَنه اشْتَرَاهَا من إبل الصَّدَقَة بعد أَن ملكوها ، ثمَّ دَفعهَا تَبَرعا إِلَى أهل الْقَتِيل . والرُّمه الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث ، المُرَاد بهَا : الْحَبل الَّذِي فِي رَقَبَة الْقَاتِل ، فَيسلم فِيهِ إِلَى ولي الْمَقْتُول . والمربد بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْبَاء ، الْموضع الَّذِي تجمع فِيهِ الْإِبِل وتجلس .
وَالْفَقِير الْبِئْر الْقَرِيب القعر الواسعة الْفَم ، وَقيل : هُوَ الحفرة الَّتِي تكون حول الْمحل . فَائِدَة : فِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق أَنه أول من كَانَت فِيهِ الْقسَامَة فِي الْإِسْلَام . تَنْبِيهُ : قَالَ الرَّافِعِي : فَإِن كَانَ الْوَارِث جمَاعَة فَقَوْلَانِ : أَحدهمَا أَن كل وَاحِد مِنْهُم يحلف خمسين يَمِينا ، وأصحهما أَن الْأَيْمَان توزع عَلَيْهِم عَلَى قدر مواريثهم ؛ لِأَنَّهُ - عليه السلام - قَالَ : يحلفُونَ خمسين يَمِينا فَلم يُوجب عَلَى الْجَمَاعَة إِلَّا الْخمسين .
هَذَا آخر كَلَامه وَالِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث عَجِيب ؛ لِأَن الْوَارِث إِنَّمَا هُوَ أَخُو الْقَتِيل وَهُوَ أَخُو عبد الرَّحْمَن بن سهل ، وحويصة ومحيصة أَعْمَامه ، والحالف إِنَّمَا هُوَ الْوَارِث ، إِنَّمَا عبر - عليه السلام - بقوله تحلفون لِأَن الْحلف وَإِن صدر من وَاحِد لَكِن بعد اتِّفَاق العمين فِي الْعَادة فَإِنَّهُمَا حضرا مَعَهُمَا فِي الْقِصَّة فَعبر عَن اتِّفَاقهم عَلَى الْحلف وَأَن صدر من وَاحِد مجَازًا ، وَهُوَ مجَاز شَائِع ، والغريب أَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ قد نبه عَلَى هَذَا كُله وَقد كَانَ يكثر من نَظِير كَلَامه .