الحَدِيث الثَّانِي الْبَيِّنَة عَلَى من ادَّعَى وَالْيَمِين عَلَى من أنكر
الحَدِيث الثَّانِي رُوِي أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : الْبَيِّنَة عَلَى من ادَّعَى وَالْيَمِين عَلَى من أنكر إِلَّا فِي الْقسَامَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي ، ثمَّ الْبَيْهَقِي من حَدِيث مُسلم بن خَالِد الزنْجِي ، عَن ابْن جريج ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء . وَلم يضعفاه ، وَمُسلم هَذَا فِيهِ مقَال .
وَثَّقَهُ قوم وضعَّفه آخَرُونَ ، لَا جرم قَالَ ابْن عبد الْبر فِي تمهيده بعد أَن أخرجه من هَذِه الطَّرِيق : فِي إِسْنَاده لين . قلت : وَثمّ عِلّة أُخْرَى وَهِي أَن ابْن جريج لم يسمع من عَمْرو بن شُعَيْب كَمَا قَالَه البُخَارِي فِيمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِي عَنهُ فِي سنَنه فِي بَاب وجوب الْفطْرَة عَلَى أهل الْبَادِيَة . وَعلة أُخْرَى وَهِي أَن مُسلم بن خَالِد قد خُولِفَ فِيهِ ، فَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق وحجاج ، عَن ابْن جريج ، عَن عَمْرو مُرْسلا ، ذكره الدَّارَقُطْنِي فِي سنَنه أَيْضا وَاخْتلف فِيهِ عَلَى مُسلم أَيْضا ، فَرَوَاهُ عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الرَّازِي عَنهُ ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن أبي هُرَيْرَة ، مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء ، أخرجه الدَّارَقُطْنِي أَيْضا فِي سنَنه وَابْن عدي من هَذِه الطَّرِيق ، ثمَّ قَالَ : هَذَانِ الإسنادان - يَعْنِي هَذَا وَالَّذِي قبله - يعرفان بِمُسلم بن خَالِد .
وَذكر الرَّافِعِي أَيْضا فِي الْبَاب عَن التَّتِمَّة : أَنه لَو وجد قَتِيل بَين قريتين أَو قبيلتين وَلم يعرف بَينه وَبَين وَاحِد مِنْهُم عَدَاوَة فَلَا يَجْعَل قربه من إِحْدَاهمَا لوثًا ؛ لِأَن الْعَادة جرت بِأَن يبعد الْقَاتِل الْقَتِيل عَن فنائه وينقله إِلَى بقْعَة أُخْرَى دفعا للتُّهمَةِ عَن نَفسه وَمَا رُوِي فِي الْخَبَر والأثر عَلَى خلاف مَا ذَكرْنَاهُ ، فَإِن الشَّافِعِي لم يثبت إِسْنَاده . هَذَا كَلَامه ، وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى حَدِيث أبي إِسْرَائِيل ، عَن عَطِيَّة الْعَوْفِي ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِي قَالَ : وجد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَتِيلا بَين قريتين فَأمر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فذرع مَا بَينهمَا قَالَ : فَكَأَنِّي انْظُر إِلَى شبر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِي بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَفظه : أَن قَتِيلا وجد بَين حيَّين ، فَأمر النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أَن يُقَاس إِلَى أَيَّتهمَا أقرب ، فَوجدَ أقرب إِلَى أحد الْحَيَّيْنِ بشبر ، فَقَالَ أَبُو سعيد : فَكَأَنِّي أنظر إِلَى شبر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَألْقَى دِيَته عَلَيْهِم .
ترْجم عَلَيْهِ الْبَيْهَقِي فِي سنَنه بَاب مَا رُوِي فِي الْقَتِيل يُوجد بَين قريتين وَلَا يَصح . ثمَّ قَالَ بعد إِيرَاده : تفرد بِهِ أَبُو إِسْرَائِيل ، عَن عَطِيَّة الْعَوْفِي ، وَكِلَاهُمَا لَا يحْتَج بروايته . وَأما الْأَثر فَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِي من طَرِيق الشَّافِعِي ، ثَنَا سُفْيَان ، عَن مَنْصُور ، عَن الشّعبِي ، أَن عمر بن الْخطاب : كتب فِي قَتِيل وجد بَين قريتين - خيوان ووداعة - أَن يُقَاس مَا بَين القريتين فَإلَى أَيَّتهمَا كَانَ أقرب أخرج إِلَيْهِ مِنْهُم خمسين رجلا حَتَّى يوافونه مَكَّة فأدخلهم الحِجْر فأحلفهم ، ثمَّ قَضَى عَلَيْهِم بِالدِّيَةِ ، وَقَالُوا : مَا وَقت أَمْوَالنَا أَيْمَاننَا وَلَا أَيْمَاننَا أَمْوَالنَا .
قَالَ عمر : كَذَلِك الْأَمر . قَالَ الشَّافِعِي : لَيْسَ بِثَابِت ، إِنَّمَا رَوَاهُ الشّعبِي ، عَن الْحَارِث الْأَعْوَر وَهُوَ مَجْهُول . قلت : عَجِيب هُوَ مَعْرُوف ، لكنه مِمَّن اخْتلف فِيهِ .
وَقَالَ الشّعبِي : كَانَ الْحَارِث كذابا . قَالَ الْبَيْهَقِي : وَرُوِي عَن مجَالد ، عَن الشّعبِي ، عَن مَسْرُوق ، عَن عمر ، ومجالد غير مُحْتَج بِهِ . وَرُوِي عَن مطرف ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن الْحَارِث بن الأزمع ، عَن عمر ، وَأَبُو إِسْحَاق لم يسمعهُ من الْحَارِث .
قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِي ، عَن أبي زيد ، عَن شُعْبَة قَالَ : سَمِعت أَبَا إِسْحَاق يحدث حَدِيث الْحَارِث بن الأزمع : أَن قَتِيلا وجد بَين ودَاعَة وخيوان فَقلت : يَا أَبَا إِسْحَاق من حَدثَك ؟ قَالَ : حَدثنِي مجَالد ، عَن الشّعبِي ، عَن الْحَارِث بن الأزمع فَعَادَت رِوَايَة أبي إِسْحَاق إِلَى حَدِيث مجَالد ، وَاخْتلف فِيهِ عَلَى مجَالد فِي إِسْنَاده ، ومجالد غير مُحْتَج بِهِ . قلت : وَعَن الْعقيلِي الْحَافِظ : أَن حَدِيث إِذا وجد الْقَتِيل بَين قريتين ضمن أقربهما لَيْسَ لَهُ أصل .