الحَدِيث السَّادِس الْأَئِمَّة من قُرَيْش
الحَدِيث السَّادِس أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : الْأَئِمَّة من قُرَيْش . هَذَا الحَدِيث مَرْوِي من طرق : أَحدهَا : من حَدِيث أنس - رضي الله عنه - رَوَاهُ النَّسَائِي فِي كتاب الْقَضَاء من سنَنه من رِوَايَة شُعْبَة ، عَن عَلّي أبي الْأسد ، عَن بكير بن وهب الْجَزرِي ، عَن أنس مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء ، قَالَ : هَكَذَا يَقُول شُعْبَة : عَن عَلّي أبي الْأسد . وَرَوَى عَنهُ الْأَعْمَش فَقَالَ : عَن سهل أبي الْأسد .
قلت : وَبُكَيْر هَذَا ، قَالَ الْأَزْدِي : لَيْسَ بِذَاكَ . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : لَا يعرف حَاله . وَتَبعهُ الذَّهَبِي فِي الْمِيزَان فَقَالَ : يجهل .
وَهَذَا عَجِيب مِنْهُمَا فَهُوَ مَعْرُوف الْعين وَالْحَال ، فقد رَوَى عَنهُ عَلّي أَبُو الْأسد الثِّقَة ، كَمَا قَالَ ابْن معِين ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ شُعْبَة وَرَوَى عَنهُ أَبُو صَالح الْحَنَفِي . كَمَا أخرجه الطَّبَرَانِي فِي كتاب الدُّعَاء من رِوَايَة الْأَعْمَش عَنهُ ، عَن بكير ، عَن أنس وَأَبُو صَالح هَذَا اسْمه عبد الرَّحْمَن بن قيس ثِقَة أخرج لَهُ مُسلم وَوَثَّقَهُ ابْن معِين . وَرَوَى عَنهُ أَيْضا سهل أَبُو الْأسد .
أخرجه الطَّبَرَانِي أَيْضا من رِوَايَة مسعر بن كدام ، عَنهُ ، عَن بكير بِهِ . وَسَهل هَذَا ذكره أَبُو حَاتِم فِي كِتَابه وَنقل توثيقه عَن ابْن معِين وَأبي زرْعَة ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثِقَات التَّابِعين ، وَكَلَام مُسلم فِي كِتَابه يَقْتَضِي أَن سهلاً أَبَا الْأسد وعليًّا أَبَا الْأسود وَاحِد ، فقد عرفت أَن ثَلَاثَة رووا عَنهُ ، وَأما حَاله فَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته عَلَى أَنه لم ينْفَرد بل تَابعه عَلَيْهِ خلق أَوَّلهمْ سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَنهُ . رَوَاهُ الْبَيْهَقِي وَإِسْنَاده عَلَى شَرط البُخَارِي ، وَلما رَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن مُحَمَّد بن معمر ، ثَنَا أَبُو دَاوُد ، ثَنَا إِبْرَاهِيم بن سعد ، عَن أَبِيه ، عَن أنس بن مَالك أَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : الْأَئِمَّة من قُرَيْش مَا عمِلُوا بِثَلَاث : إِذا استرحموا رحموا ، وَإِذا عَاهَدُوا وفوا ، وَإِذا حكمُوا عدلوا .
قَالَ : لَا نعلم أسْند سعد بن إِبْرَاهِيم ، عَن أنس إِلَّا هَذَا الحَدِيث . قلت : وَرِجَاله رجال الصَّحِيح أَبُو دَاوُد احْتج بِهِ مُسلم ، وَعلي احْتج بِهِ البُخَارِي ، وَالْبَاقُونَ احتجا بهم . لَكِن رَوَى ابْن عدي ، عَن سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث قَالَ : سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يُسأل عَن حَدِيث إِبْرَاهِيم هَذَا فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا فِي كتب إِبْرَاهِيم ، لَا يَنْبَغِي أَن يكون لَهُ أصل .
ثانيهم : حبيب بن أبي ثَابت وَهُوَ ثِقَة أخرج لَهُ البُخَارِي . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي كتاب الدُّعَاء من رِوَايَة عبد الله بن فروخ الْخُرَاسَانِي ، وَفِيه مقَال ، قَالَ البُخَارِي : تعرف وتنكر . وَقَالَ الْجوزجَاني : أَحَادِيثه مَنَاكِير ، لَكِن أَثْنَى عَلَيْهِ سعيد بن أبي مَرْيَم ، وَهُوَ رَاوِي هَذَا الحَدِيث عَنهُ ، فَقَالَ : هُوَ أَرْضَى أهل الأَرْض عِنْدِي ، عَن ابْن جريج ، عَن حبيب .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِي من حَدِيث حبيب من وَجه آخر عَن أنس ، وَفِيه يَحْيَى بن عِيسَى الرَّمْلِي ، أخرج لَهُ مُسلم ، وَوَثَّقَهُ الْعجلِي ، وَتكلم فِيهِ غَيرهمَا ، وَأخرج لَهُ البُخَارِي تَعْلِيقا . ثالثهم : قَتَادَة ، عَن أنس ، لَكِن بِلَفْظ : إِن الْملك فِي قُرَيْش . وَفِيه : سعيد بن بشير وَفِيه مقَال .
وَقَالَ الْبَيْهَقِي بعد أَن أخرجه من حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن سهل ، عَن بكير الْجَزرِي ، عَن أنس قَالَ : دخل علينا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَنحن فِي بَيت فِي نفر من الْمُهَاجِرين قَالَ : فَجعل كل رجل منا يوسِّع لَهُ يَرْجُو أَن يجلس إِلَى جنبه ، فَقَامَ عَلَى بَاب الْبَيْت فَقَالَ : الْأَئِمَّة من قُرَيْش ، ولي عَلَيْكُم حق عَظِيم ، وَلَهُم مثله ، مَا فعلوا ثَلَاثًا : إِذا استرحموا رحموا ، وحكموا فعدلوا ، وعاهدوا فوفوا ؛ فَمن لم يفعل ذَلِك مِنْهُم فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ . كَذَا رَوَاهُ الْأَعْمَش ، عَن سهل ، عَن بكير ، عَن أنس ، وَكَذَا رَوَاهُ جمَاعَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن سهل يكنى أَبَا الْأسد ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مسعر بن كدام ، عَن سهل وَرَوَاهُ شُعْبَة ، عَن عَلّي بن أبي الْأسد وَقيل عَنهُ ، عَن عَلّي أبي الْأسد وَهُوَ واهم فِيهِ . قَالَ : وَالصَّحِيح مَا رَوَاهُ الْأَعْمَش ومسعر .
ثمَّ سَاقه من طَرِيق أُخْرَى إِلَى أنس . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث عَلّي - رضي الله عنه - أخرجه الْبَيْهَقِي فِي سنَنه ، وَكَذَا الطَّبَرَانِي فِي أكبر معاجمه لَكِن فِي سَنَد الْبَيْهَقِي وَأَظنهُ فِي الآخر ربيعَة بن ناجد ، وَقد ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته . لَكِن تفرد عَنهُ بالرواية أَبُو صَادِق ، وَبَاقِي رِجَاله ثِقَات ، وَأما الْحَاكِم فَأخْرجهُ فِي مُسْتَدْركه من هَذَا الْوَجْه من هَذِه الطَّرِيق فِي آخر فَضَائِل الْقَبَائِل بِزِيَادَة عَلَيْهِ وَلم يُضعفهُ .
وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ وَقد سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عَلّي مَرْفُوعا : الْأَئِمَّة من قُرَيْش فَقَالَ : يرويهِ مسعر وَاخْتلف عَنهُ فرفعه فيض بن الْفضل ، عَن مسعر عَن سَلمَة بن كهيل ، عَن أبي صَادِق ، عَن ربيعَة بن ناجد ، عَن عَلّي مَرْفُوعا . وَخَالفهُ دَاوُد بن عبد الحميد فَرَوَاهُ عَن مسعر ، عَن عُثْمَان ابن الْمُغيرَة ، عَن أبي صَادِق ، وَرَفعه أَيْضا وَغَيرهمَا يرويهِ عَن مسعر مَوْقُوفا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عوَانَة ، عَن عُثْمَان بن الْمُغيرَة مَوْقُوفا ، وَالْمَوْقُوف أشبه بالصَّواب . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث أبي بَرزَة الْأَسْلَمِي ، عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : الْأَئِمَّة من قُرَيْش .
رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي عَاصِم ، عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، عَن سكين بن عبد الْعَزِيز ، عَن أبي الْمنْهَال سيَّار بن سَلامَة عَن أبي بَرزَة بِهِ . وسكين هَذَا بَصرِي ، وَثَّقَهُ وَكِيع وَابْن معِين ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته من أَتبَاع التَّابِعين ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : ضَعِيف . وَقَالَ النَّسَائِي : لَيْسَ بِالْقَوِي وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَا بَأْس بِهِ .
قلت : ويعضد هَذِه الطّرق أَحَادِيث فِي الصَّحِيح دَالَّة عَلَى أَن الْأَئِمَّة من قُرَيْش . أَحدهَا : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - مَرْفُوعا : النَّاس تبع لقريش فِي هَذَا الشَّأْن ، مسلمهم تبع لمسلمهم ، وكافرهم تبع لكافرهم . أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا .
ثَانِيهَا : من حَدِيث ابْن عمر ، مَرْفُوعا : لَا يزَال هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش مَا بَقِي مِنْهُم اثْنَان أخرجه البُخَارِي وَمُسلم أَيْضا . ثَالِثهَا : من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا : النَّاس تبع لقريش فِي الْخَيْر وَالشَّر . أخرجه مُسلم .
رَابِعهَا : من حَدِيث مُعَاوِيَة ، مَرْفُوعا : إِن هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش لَا يعاديهم أحد إِلَّا أكبه الله عَلَى وَجهه أخرجه البُخَارِي . خَامِسهَا : من حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ - رضي الله عنه - مَرْفُوعا : قُرَيْش وُلَاة النَّاس فِي الْخَيْر وَالشَّر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَرَوَى الشَّافِعِي عَن ابْن أبي فديك عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن الزُّهْرِي ، أَنه بلغه ، أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : قدمُوا قُريْشًا وَلَا تقدموها ، وتعلموا من قُرَيْش وَلَا تُعالِمُوها .
وَرَوَى ابْن حبَّان فِي صَحِيحه من حَدِيث جُبَير بن مطعم - رضي الله عنه - أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : للقرشي قُوَّة الرجلَيْن من غير قُرَيْش . فَسَأَلَ سَائل ابْن شهَاب : مَا مَعْنَى ذَلِك ؟ قَالَ : نبل الرَّأْي . قَالَ الرَّافِعِي : وَقد احْتج بِهَذَا - يَعْنِي الْأَئِمَّة من قُرَيْش - أَبُو بكر - رضي الله عنه - عَلَى الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة فتركوا مَا توهموه .
قلت : هَذِه الْقِصَّة أخرجهَا البُخَارِي فِي صَحِيحه عَن عمر - رضي الله عنه - فِي جملَة حَدِيث طَوِيل إِلَى أَن قَالَ : إِنَّه بَلغنِي أَن قَائِلا مِنْكُم يَقُول : إِنَّمَا كَانَت بيعَة أبي بكر فلتة وتمت . أَلا وَإِنَّهَا قد كَانَت كَذَلِك ، وَلَكِن الله وقى شَرها ، وَلَيْسَ فِيكُم من تقطع إِلَيْهِ الْأَعْنَاق مثل أبي بكر وَإنَّهُ كَانَ من خبرنَا حِين توفّي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن الْأَنْصَار خالفونا واجتمعوا بأسرهم فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة ، وَخَالف عَنَّا علي وَالزبير وَمن مَعَهُمَا ، وَاجْتمعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أبي بكر ، فَقلت لأبي بكر : انْطلق بِنَا إِلَى إِخْوَاننَا هَؤُلَاءِ من الْأَنْصَار ، فَانْطَلَقْنَا نريدهم ، فَلَمَّا دنونا مِنْهُم لَقينَا مِنْهُم رجلَانِ صالحان فذكرا مَا تمالأ عَلَيْهِ الْقَوْم ، فَقَالَا : أَيْن تُرِيدُونَ يَا معشر الْمُهَاجِرين ؟ فَقُلْنَا : نُرِيد إِخْوَاننَا هَؤُلَاءِ من الْأَنْصَار ، فَقَالَا : لَا عَلَيْكُم لَا تقربوهم ، اقضوا أَمركُم ، فَقلت : وَالله لنأتينهم ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أتيناهم فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة ، فَإِذا رجل مزمل بَين ظهرانيهم فَقلت : من هَذَا ؟ فَقَالُوا : هَذَا سعد بن عبَادَة . فَقلت : مَا لَهُ ؟ قَالُوا : يوعك .
فَلَمَّا جلسنا قَلِيلا تشهد خطيبهم فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهله ، ثمَّ قَالَ : أمَّا بعد ، فَنحْن أنصار الله وكتيبة الْإِسْلَام ، وَأَنْتُم يَا معشر الْمُهَاجِرين رَهْط منا ، وَقد دفَّت دافة من قومكم ، فَإِذا هم أَرَادوا أَن يختزلونا من أصلنَا وَإِن يحضنونا من الْأَمر . فَلَمَّا سكت أردْت أَن أَتكَلّم وَكنت زورت مقَالَة أعجبتني أُرِيد أَن أقدمها بَين يَدي أبي بكر وَكنت أداري مِنْهُ بعض الْحَد فَلَمَّا أردْت أَن أَتكَلّم قَالَ أَبُو بكر : عَلَى رسلك ، فَكرِهت أَن أغضبهُ فَتكلم أَبُو بكر ، فَكَانَ أحكم مني وأوقر ، وَالله مَا ترك من كلمة أعجبتني إِلَّا قَالَ فِي بديهته مثلهَا أَو أفضل مِنْهَا حَتَّى سكت ، فَقَالَ : مَا ذكرْتُمْ فِيكُم من خير فَأنْتم لَهُ أهل ، وَلنْ يعرف الْعَرَب هَذَا الْأَمر إِلَّا لهَذَا الْحَي من قُرَيْش هم أَوسط الْعَرَب نسبا ودارًا ، وَقد رضيت لكم أحد هذَيْن الرجلَيْن فَبَايعُوا أَيهمَا شِئْتُم . فَأخذ بيَدي وبيد أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ، وَهُوَ جَالس بَيْننَا ، فَلم أكره مِمَّا قَالَ غَيرهَا ، كَانَ وَالله لِأَن أقدم فَتضْرب عنقِي لَا يُقرِّبني ذَلِك من إِثْم أحب إِلَي من أَن أتأمر عَلَى قوم فيهم أَبُو بكر ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تسول نَفسِي عِنْد الْمَوْت شَيْئا لَا أَجِدهُ الْآن ، فَقَالَ قَائِل من الْأَنْصَار : أَنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجَّب ، منا أَمِير ومنكم أَمِير يَا معشر قُرَيْش .
فَكثر اللَّغط وَارْتَفَعت الْأَصْوَات حَتَّى فرقت من الِاخْتِلَاف ، فَقلت : ابسُط يدك يَا أَبَا بكر فَبَايَعته وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثمَّ بَايعه الْأَنْصَار ونزونا عَلَى سعد بن عبَادَة ، فَقَالَ قَائِل مِنْهُم : قتلتم سعد بن عبَادَة . وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث عَائِشَة : فَقَالَ أَبُو بكر : نَحن الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء . فَقَالَ الْحباب بن الْمُنْذر : لَا وَالله لَا نَفْعل ذَلِك أبدا ، منا أَمِير ومنكم أَمِير ، فَقَالَ أَبُو بكر : لَا وَلَكنَّا الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء ، هم أَوسط الْعَرَب دَارا وأعرفهم أحسابًا فبايِعُوا عمر بن الْخطاب أَو أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح ، فَقَالَ عمر : بل نُبَايِعك ، أَنْت خيرنا وَأحب إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَأخذ عمر بِيَدِهِ فَبَايعهُ وَبَايَعَهُ النَّاس .
فَقَالَ قَائِل : قتلتم سعد بن عبَادَة . فَقَالَ عمر : قَتله الله . وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَن مُحَمَّد بن يسَار فِي خطْبَة أبي بكر قَالَ : وَإِن هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش مَا أطاعوا الله واستقاموا عَلَى أمره ، قد بَلغَكُمْ ذَلِك أَو سمعتموه عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم – وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم واصبروا إنَّ الله مَعَ الصابرين فَنحْن الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء ، إِخْوَاننَا فِي الدَّين وأنصارنا عَلَيْهِ .
فَائِدَة : فِي ضبط مَا وَقع فِي هَذَا الْأَثر من الْأَلْفَاظ الَّتِي قد تُصحف ، وسنبين مَعَانِيهَا . الفلت الْفجأَة ، وَذَلِكَ أَنهم لم ينتظروا بيعَة أبي بكر عَامَّة الصَّحَابَة وَإِنَّمَا ابتدرها عمر وَمن تَابعه . وَقَوله : لَكِن وقى الله شَرها يُرِيد الشَّرّ المتوقع فِي الفلتات لَا أَن بيعَة أبي بكر كَانَ فِيهَا شَرّ .
قَالَه ابْن حبَان فِي صَحِيحه . و السَّقِيفَة الصّفة فِي الْبَيْت . و بَنو سَاعِدَة بطن من الْأَنْصَار .
و المزمل المدثر بِثَوْب وَنَحْوه ، وظهرانيهم أَي : بَينهم . و الوعك : الحمَّى . و الكتيبة الْجَيْش .
و الدافة الْجَمَاعَة من النَّاس من أهل الْبَادِيَة يقصدون الْمصر ، أَي : جَاءَت جمَاعَة وَمَعْنى يختزلونا : يقتطفونا عَن مرادنا . وَمَعْنى تحضنوننا : تفردونا . وَمَعْنى زورت هيأت وزينت فِي نَفسِي كلَاما لأذكره .
و الْحَد و الحدة سَوَاء من الْغَضَب . و المدارأة بِالْهَمْز : المدافعة بلين ، وَسُكُون وَبِغير همز : الخديعة وَالْمَكْر ، وَقيل : هما لُغَتَانِ بِمَعْنى وَاحِد . وَقَوله : عَلَى رسلك هُوَ بِكَسْر الرَّاء أَي عَلَى هنيتك .
و البديهة ضد التروي والتفكر . وَقَوله : إِلَّا أَن تسول لي نَفسِي أَي تُحسنهُ . و الجذيل تَصْغِير الجذل وَهُوَ عود ينصب لِلْإِبِلِ الجربى تَحْتك بِهِ فتشتفي ، و المحكك : الَّذِي يكثر بِهِ الاحتكاك حَتَّى صَار أملس ، و العذيق بِضَم الْعين تَصْغِير العذق وبِفَتْحِهَا النَّخْلَة .
و المرجَّب بِالْجِيم الْمسند بالرجبة وَهِي خَشَبَة ذَات شعبتين ، وَذَلِكَ إِذا طَالَتْ وَكثر حملهَا اتَّخذُوا ذَلِك لِضعْفِهَا من كَثْرَة حملهَا ، وَالْمعْنَى : أَنِّي ذُو رَأْي يستشفى بِهِ فِي الْحَوَادِث ، لَا سِيمَا فِي مثل هَذِه الْحَادِثَة ، وَأَنِّي فِي ذَلِك كالعود الَّذِي يشفي الجربى وكالنخلة الْكَثِيرَة الْحمل ؛ من توفر مواد الآراء عِنْدِي ، ثمَّ إِنَّه أَشَارَ بِالرَّأْي الصائب عِنْده فَقَالَ : منا أَمِير ومنكم أَمِير و الْفرق : الْخَوْف والفزع . اللَّغط : كَثْرَة الْأَصْوَات واختلاطها . و النزو الْوُثُوب ، وَمِنْه نزى التيس عَلَى الشَّاة .
وَقَول عمر لسعد : قَتله الله ، قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه يُرِيد فِي سَبِيل الله ، قَالَ ابْن حبَان : قَالَ مَالك : أَخْبرنِي الزُّهْرِي ، أَن عُرْوَة بن الزبير أخبرهُ : أَن الرجلَيْن الأنصاريين اللَّذين لقيا الْمُهَاجِرين هما عويم بن سَاعِدَة ومعن بن عدي . وَزعم مَالك أَن الزُّهْرِي سمع سعيد بن الْمسيب يزْعم أَن الَّذِي قَالَ يَوْمئِذٍ : أَنا جذيلها المحكك رجل من بني سَلمَة يُقَال لَهُ : حباب بن الْمُنْذر . وَحَكَى ابْن الْجَوْزِي فِي جَامع المسانيد قولا : أَنه سعد بن عبَادَة .