الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين من أَتَى من هَذِه القاذورات شَيْئا فليستتر بستر الله
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : من أَتَى من هَذِه القاذورات شَيْئا فليستتر بستر الله ، فَإِن من أبدى لنا صفحته ، أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَد وَفِي رِوَايَة : حد الله . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن زيد بن أسْلم : أَن رجلا اعْترف عَلَى نَفسه بِالزِّنَا عَلَى عهد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَدَعَا لَهُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بِسَوْط ، فَأتي بِسَوْط مكسور ، فَقَالَ : فَوق هَذَا . فَأتي بِسَوْط جَدِيد لم تقطع ثَمَرَته ، فَقَالَ : دون هَذَا .
فَأتي بِسَوْط قد ركب بِهِ ولان ، فَأمر بِهِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلد ، ثمَّ قَالَ : أَيهَا النَّاس ، قد آن لكم أَن تنتهوا عَن حُدُود الله ، فَمن أصَاب من هَذِه القاذورات شَيْئا فليستتر بستر الله ، فَإِنَّهُ من يُبدْ لنا صفحته نقم عَلَيْهِ كتاب الله . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن مَالك بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث مُنْقَطع ، لَيْسَ مِمَّا تثبت بِهِ - هُوَ نَفسه - حجَّة ، وَقد رَأَيْت من أهل الْعلم عندنَا من يعرفهُ وَيَقُول بِهِ ، فَنحْن نقُول بِهِ وقَالَ ابْن الصَّلاح : كَانَ الشَّافِعِي يَقُول : إِسْنَاده ضَعِيف وَمَتنه حجَّة ، بِأَمْر من خَارج . وَقَالَ الشَّافِعِي - فِي مَوضِع آخر - : هَذَا الحَدِيث مَعْرُوف عندنَا ، وَهُوَ غير مُتَّصِل الْإِسْنَاد فِيمَا أعرفهُ ونقل عبد الْحق ، عَن ابْن عبد الْبر ، أَنه قَالَ : هَذَا الحَدِيث لَا أعلم أسْند بِهَذَا اللَّفْظ من وَجه من الْوُجُوه .
قلت : قد أسْند بعضه من طَرِيق ابْن عمر رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، عَن الْأَصَم ، عَن الرّبيع - وناهيك بهما - عَن أَسد بن مُوسَى - وَهُوَ أَسد السّنة ، قَالَ النَّسَائِي : ثِقَة - عَن أنس بن عِيَاض - وَهُوَ ثِقَة من رجال الصَّحِيحَيْنِ - عَن يَحْيَى بن سعيد ، وعبد الله ابن دِينَار - وناهيك بهما - عَن ابْن عمر - رضي الله عنهما - أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَامَ بعد أَن رجم الْأَسْلَمِي ، فَقَالَ : اجتنبوا هَذِه القاذورات الَّتِي نهَى الله عَنْهَا فَمن ألمَّ فليستتر بستر الله ، وليتب إِلَى الله ، فَإِنَّهُ من يبد لنا صفحته نقم عَلَيْهِ كتاب الله - عز وجل - . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِي وَمُسلم . وأسنده الْبَيْهَقِي أَيْضا ، عَن أبي الْفَتْح هِلَال بن مُحَمَّد الحفار الْحَافِظ ، عَن الْحُسَيْن بن يَحْيَى بن عَيَّاش الْقطَّان ، عَن حَفْص بن عَمْرو الربالي ، عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِي ، عَن يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِي ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أَن رجم الْأَسْلَمِي قَالَ : اجتنبوا هَذِه القاذورات الَّتِي نهَى الله عَنْهَا ، فَمن ألمَّ فليستتر بستر الله - تعالى - وأسنده أَيْضا ، عَن أبي الْحسن بن عَبْدَانِ ، عَن أَحْمد بن عبيد ، عَن عمر بن أَحْمد بن بشر ، عَن هَارُون بن مُوسَى الْفَروِي ، عَن أبي ضَمرَة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن عبد الله بن دِينَار .. .
فَذكره بِمثلِهِ ، وَزَاد : وليتب إِلَى الله ، فَإِنَّهُ من أبدى لنا صفحته نقم عَلَيْهِ كتاب الله . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِي فِي علله : هَذَا الحَدِيث رُوِي ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَعَن عبد الله بن دِينَار ، عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مُرْسلا ، وَهُوَ أشبه . وَقَالَ ابْن الصّباغ من أَصْحَابنَا : قد رُوي هَذَا الحَدِيث مُسْندًا عَن أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - وَأغْرب الإِمَام ، فَقَالَ فِي نهايته : وَقَول رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أَتَى من هَذِه القاذورات شَيْئا فليستتر بستر الله فَهُوَ حَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته .
هَذَا لَفظه ، وَحط عَلَيْهِ ابْن الصَّلاح ، وَقَالَ : هَذَا مِمَّا يتعجب مِنْهُ الْعَارِف بِالْحَدِيثِ . قَالَ : وَله أشباه بذلك كثير أوقعه فِيهَا إطراحه صناعَة الحَدِيث الَّذِي يفْتَقر إِلَيْهَا كل فَقِيه وعالم . قلت : لم يرد الإِمَام بقوله : مُتَّفق عَلَى صِحَّته مِمَّا اصْطلحَ عَلَيْهِ من اصْطلحَ عَلَى إِطْلَاق هَذِه الْعبارَة عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بل مُرَاده إِن سَنَده صَحِيح ، وَقد أسلفت عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ فِيهِ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
وَذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصّحاح إِلَى قَوْله بستر الله . فَائِدَة : القاذورات : بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة . مَا يُوجب الْعقُوبَة وَتطلق القاذورة أَيْضا عَلَى الَّذِي يمْتَنع من تعَاطِي المستقذر ، وَعَلَى الرجل الَّذِي لَا يُبَالِي بِمَا قَالَ ، وَبِمَا صَنع .
قَالَه ابْن الْأَثِير .