الحَدِيث التَّاسِع أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم صارع ركَانَة عَلَى شِيَاه
الحَدِيث التَّاسِع أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صارع ركَانَة عَلَى شِيَاه . هَذَا الحَدِيث [ رَوَاهُ ] أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي كتاب اللبَاس من سُنَنهمَا عَن قُتَيْبَة بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن ربيعَة ، عَن أبي الْحسن الْعَسْقَلَانِي ، عَن أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد بن ركَانَة ، عَن أَبِيه أَن ركَانَة صارع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فصرعه ، قَالَ ركَانَة : وَسمعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : فرق مَا بَيْننَا وَبَين الْمُشْركين العمائم عَلَى القلانس ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، وَلَيْسَ إِسْنَاده بالقائم ، وَلَا نَعْرِف أَبَا الْحسن وَلَا ابْن ركَانَة . وَقَالَ النَّوَوِيّ : مُرْسل ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف : لَا يَصح .
قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي الْأَطْرَاف : هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الْحسن بن العَبْد ، وَغير وَاحِد عَن أبي دَاوُد بِمثل رِوَايَة التِّرْمِذِيّ ، وَذكر أَبُو الْقَاسِم - يَعْنِي : ابْن عَسَاكِر - أَن أَبَا دَاوُد قَالَه عَن أبي جَعْفَر [ بن ] مُحَمَّد بن ركَانَة قَالَ : وَرَوَاهُ أَبُو الْحُسَيْن بن قَانِع فِي مُعْجَمه عَن أَحْمد ابن عبد الرَّحْمَن بن بشار النَّسَائِيّ ، ومُوسَى بن هَارُون ، عَن قُتَيْبَة ، عَن مُحَمَّد بن ربيعَة ، عَن أبي الْحسن ، عَن مُحَمَّد بن يزِيد بن ركَانَة ، عَن أَبِيه أَن ركَانَة صارع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَلم يذكر أَبَا جَعْفَر . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ بالبطحاء فَأَتَى عَلَيْهِ يزِيد بن ركَانَة - أَو ركَانَة بن يزِيد - وَمَعَهُ أعنز لَهُ ، فَقَالَ لَهُ : يَا مُحَمَّد ، هَل لَك أَن تصارعني ؟ فَقَالَ : مَا تسبقني ؟ قَالَ : شَاة من غنمي .
فصارعه [ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] فصرعه ، فَأخذ شَاة ، فَقَالَ ركَانَة : هَل لَك فِي الْعود ؟ قَالَ : مَا تسبقني . قَالَ : أُخْرَى . ذكر ذَلِك مرَارًا فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، وَالله مَا وضع أحد جَنْبي إِلَى الأَرْض وَمَا أَنْت الَّذِي تصرعني ! يَعْنِي : فَأسلم ، فَرد عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غنمه ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : (هَذَا مُرْسل) قَالَ : وَقد رُوِيَ بِإِسْنَاد آخر مَوْصُولا إِلَّا أَنه ضَعِيف .
وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى رِوَايَة أبي دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ الَّتِي قدمناها ، أَو إِلَى رِوَايَة أبي بكر الشَّافِعِي ؛ فَإِنَّهُ رَوَاهُ من رِوَايَة ابْن عَبَّاس قَالَ : جَاءَ زيد بن ركَانَة إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَة من الْغنم ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، هَل لَك أَن تصارعني [ قَالَ ] وَمَا تجْعَل لي إِن صرعتك ؟ قَالَ : مائَة من غنمي . قَالَ : فصارعه النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فصرعه ، ثمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّد ، هَل لَك فِي الْعود ؟ قَالَ : وَمَا تجْعَل لي إِن صرعتك ؟ قَالَ : مائَة أُخْرَى . قَالَ فصارعه فصرعه ، ثمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّد ، هَل لَك فِي الْعود ؟ قَالَ : وَمَا تجْعَل لي ؟ قَالَ : مائَة من الْغنم .
قَالَ : فصارعه فصرعه ، قَالَ : يَا مُحَمَّد ، وَمَا وضع ظَهْري أحد عَلَى الأَرْض فَتلك ، وَمَا كَانَ أحد أبْغض إِلَيّ مِنْك ؛ فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله . فَقَامَ عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ورد عَلَيْهِ غنمه . وَأخرجه أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة من حَدِيث الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة مطولا ، وَفِيه : أَن واديه أجم يُقَال لَهُ : إضم ، وَأَنه صارعه عَلَى عشرَة فصرعه ، ثمَّ مثلهَا فصرعه .
ثمَّ مثلهَا فصرعه . وَفِيه : أَنه دَعَا الشَّجَرَة ثمَّ ردهَا . وَفِي آخِره فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِنِّي دَعَوْت رَبِّي فَأَعَانَنِي عَلَيْهِ ، وَإِن رَبِّي أعانني عَلَيْهِ ببضع عشرَة وبقوة عشرَة .
فَائِدَتَانِ : أَحدهمَا : ركَانَة - بتَخْفِيف الْكَاف ، وَضم الرَّاء ، وبالنون - هُوَ ابْن عبد يزِيد بن هَاشم بن الْمطلب بن عبد منَاف بن قصي قرشي حجازي مكي مدنِي ، أسلم يَوْم فتح مَكَّة هَذَا الَّذِي نعرفه ، وَإِن كَانَ ظَاهر رِوَايَة أبي دَاوُد ، وَأبي بكر الشَّافِعِي يُخَالف ذَلِك ، لَا جرم قَالَ الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي فِي كتاب الْخَيل - بعد أَن سَاق مثل رِوَايَة أبي دَاوُد عَن العسكري وَالصَّحِيح أَنه من مسلمة الْفَتْح - : وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء ركَانَة غَيره . هَكَذَا قَالَه البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَغَيرهمَا ، قَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ : وَهَذَا الحَدِيث أمثل مَا رُوِيَ فِي مصارعة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ فَأَما مَا رُوِيَ فِي مصارعته - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] أَبَا جهل فَلَا أصل لَهُ ، وركانة هَذَا هُوَ الَّذِي طلق امْرَأَته سهيمة أَلْبَتَّة ، وَلَا أعرف لَهُ غير هذَيْن الْحَدِيثين . الثَّانِيَة : وَقع فِي الْمُهَذّب للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي هَذَا الْبَاب أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صارع يزِيد بن ركَانَة وَهُوَ مُوَافق لرِوَايَة أبي بكر السالفة ، وَكَذَا رِوَايَة أبي دَاوُد ، فَإِن فِيهَا يزِيد بن ركَانَة - أَو ركَانَة بن يزِيد - بِالشَّكِّ ، لَكِن ركَانَة بن يزِيد هُوَ الْمَشْهُور ؛ فَاشْتَدَّ إِنْكَار النَّوَوِيّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ فِي التَّهْذِيب : إِن هَذَا مِنْهُ غلط لَا شكّ فِيهِ ، وَلم يطلع عَلَى رِوَايَة أبي دَاوُد الَّتِي ذكرهَا فِي الْمَرَاسِيل .
فَائِدَة ثَالِثَة : هَذَا الحَدِيث يسْتَدلّ بِهِ من يجوز الْمُسَابقَة بالمصارعة بعوض ، وَالْأَظْهَر عدم جَوَاز هَذَا ؛ لحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمُتَقَدّم ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيُجَاب عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ كَانَ الْغَرَض فِي الْقِصَّة أَن يرِيه شدته ليسلم ، فَلَمَّا أسلم رد عَلَيْهِ غنمه .