الحَدِيث الرَّابِع عشر من حكم بَين اثْنَيْنِ تَرَاضيا بِهِ فَلم يعدل فَعَلَيهِ لعنة الله
الحَدِيث الرَّابِع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من حكم بَين اثْنَيْنِ تَرَاضيا بِهِ فَلم يعدل فَعَلَيهِ لعنة الله . هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا يحضرني من خرَّجه من أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمدَة وَلَا غَيرهَا ، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه عَن بعض أَصْحَابهم فَقَالَ : مَسْأَلَة يَصح التَّحْكِيم خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي ، ثمَّ لنا مَا رَوَى أَبُو بكر بن عبد الْعَزِيز من أَصْحَابنَا من حَدِيث عبد الله بن جَراد قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من حكم بَين اثْنَيْنِ تحاكما إِلَيْهِ وارتضيا بِهِ فَلم يقل بَينهمَا بِالْحَقِّ فَعَلَيهِ لعنة الله . قلت : هَذَا الحَدِيث لَا يَصح للاحتجاج بِهِ ؛ لِأَنَّهُ من نُسْخَة ابْن جَراد وَهِي نُسْخَة بَاطِلَة - وَقد ذكر ابْن الْجَوْزِيّ مرّة أَنَّهَا نُسْخَة مَوْضُوعَة ، وَبَالغ فِي الْحَط عَلَى الْخَطِيب الْحَافِظ لما احْتج بِحَدِيث مِنْهَا .
وَلما ترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه مَا جَاءَ فِي التَّحْكِيم لم يذكر فِيهِ هَذَا الحَدِيث ، وَإِنَّمَا ذكر فِيهِ حَدِيثا وَاحِدًا وَهُوَ حَدِيث أبي دَاوُد ، عَن الرّبيع بن نَافِع ، عَن يزِيد بن الْمِقْدَام بن شُرَيْح ، عَن أَبِيه ، عَن جده (شُرَيْح) عَن أَبِيه هَانِئ أَنه لما وَفد إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَتَى الْمَدِينَة فسمعهم يكنونه بِأبي الحكم ، فَدَعَاهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِن الله هُوَ الحكم ، وَإِلَيْهِ يرجع الحكم فَلم تكنى أَبَا الحكم ؟ قَالَ : إِن قومِي إِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء أَتَوْنِي فحكمت بَينهم فَرضِي كلا الْفَرِيقَيْنِ . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فَمَا أحسن هَذَا ! فَمَا لَك من الْوَلَد ؟ قَالَ : لي شُرَيْح ، وَمُسلم ، وَعبد الله . قَالَ : فَمن أكبرهم ؟ قَالَ : قلت : شُرَيْح .
قَالَ : فَأَنت أَبُو شُرَيْح . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَن عمر ، وَأبي بن كَعْب تحاكما إِلَى زيد بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم . وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل عَن عَامر قَالَ : كَانَ بَين عمر وَأبي خُصُومَة فِي حَائِط فَقَالَ عمر : بيني وَبَيْنك زيد بن ثَابت .
فَانْطَلقَا ، فطرق عمر الْبَاب ، فَعرف زيد صَوته [ فَفتح الْبَاب ] فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، أَوَلا بعثت إِلَيّ حَتَّى آتِيك . قَالَ فِي بَيته يُؤْتَى الحكم . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى أَن عُثْمَان وَطَلْحَة تحاكما إِلَى جُبَير بن مطعم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم .
وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه أَيْضا فِي الْبيُوع فِي بَاب : من قَالَ يجوز بيع الْغَائِب ، من حَدِيث عبيد الله بن عبد الْمجِيد ، نَا رَبَاح بن أبي مَعْرُوف ، عَن ابْن أبي مليكَة أَن عُثْمَان ابْتَاعَ من طَلْحَة بن عبيد الله أَرضًا بِالْمَدِينَةِ ناقله بِأَرْض لَهُ بِالْكُوفَةِ ، فَلَمَّا تباينا نَدم عُثْمَان ، ثمَّ قَالَ : بِعْتُك مَا لم أره . فَقَالَ طَلْحَة : إِنَّمَا النّظر لي ، إِنَّمَا ابتعت مغيبًا ، وَأما أَنْت فقد رَأَيْت مَا ابتعت .
فَجعلَا بَينهمَا حكما جُبَير [ بن ] مطعم ، فَقَضَى عَلَى عُثْمَان أَن البيع جَائِز ، وَأَن النّظر لطلْحَة أَن ابْتَاعَ مغيبًا . وَلما ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة حَدِيث : من اشْتَرَى مَا لم يره فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا رَآهُ . وَضَعفه قَالَ : لَا أصل فِي هَذَا .
ثمَّ سَاق الْأَثر الْمَذْكُور . فَائِدَة : مَعْنَى ناقله : بادله . ومُغَيبًا : بِضَم الْمِيم وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة ، وَفتح الْمُثَنَّاة تَحت المتعددة .
وَذكر الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب حَدِيث معَاذ السالف حَيْثُ قَالَ فِي إثْبَاته : إِنَّه عَلَيْهِ السَّلَام اختبر معَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . وَقد سلف بَيَانه وَاضحا ، هَذَا آخر أَحَادِيث الْبَاب .