232 حَدِيثٌ سَابِعٌ وَأَرْبَعُونَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، فَقَدْ لَغَوْتَ . هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ . وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : يُرِيدُ بِذَلِكَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادَانِ ، أَحَدُهُمَا هَذَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالثَّانِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا قُلْتَ أَنْصِتْ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، فَقَدْ لَغَوْتَ . وَلَمْ يَرْوِ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ غَيْرَ إِسْنَادِ أَبِي الزِّنَادِ ، وَجَمَعَهُمَا الْقَعْنَبِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ . ذَكَرَ الْقَعْنَبِيُّ حَدِيثَ أَبِي الزِّنَادِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ فِي الزِّيَادَاتِ ، وَقَدْ رَوَاهُمَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ مَالِكٍ جَمِيعًا كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ . وَرَوَى اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَدْ لَغَوْتَ . وَقَالَ ابْنُ عَجْلَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ - وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - فَقَدْ لَغَوْتَ ، عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ : أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَدْ لَغَوْتَ ، عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ قَالَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ : أَنْصِتْ ، فَقَدْ لَغَا . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ ، فَقَدْ لَغَا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ ، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ : أَنْصِتْ - وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - فَقَدْ لَغَوْتَ . وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا رَوَاهُ اللَّيْثُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ : أَنْصِتْ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَدْ لَغَوْتَ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِظٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا قُلْتَ لِلنَّاسِ أَنْصِتُوا ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُمْ يَنْطِقُونَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، فَقَدْ لَغَوْتَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فَقَدْ لَغَوْتَ فَإِنَّهُ يُرِيدُ : فَقَدْ جِئْتَ بِالْبَاطِلِ ، وَجِئْتَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَاللَّغْوُ : الْبَاطِلُ . قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قَالَ : الْكَذِبَ ، وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا قَالَ : لَا يُسَاعِدُونَ أَهْلَ الْبَاطِلِ عَلَى بَاطِلِهِمْ ، وَلَا يُمَالِئُونَهُمْ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : اللَّغْوُ : كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ لَيْسَ بِحَسَنٍ ، وَالْفُحْشُ أَشَدُّ مِنَ اللَّغْوِ ، وَاللَّغْوُ وَالْهُجْرُ فِي الْقَوْلِ سَوَاءٌ ، وَاللَّغْوُ وَاللَّغَا لُغَتَانِ ، يُقَالُ مِنَ اللَّغَا : لَغِيتَ تَلْغَى ، مِثْلَ لَقِيتَ تَلْقَى ، وَهُوَ التَّكَلُّمُ بِمَا لَا يَنْبَغِي وَبِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ . وَقَالَ الْأَخْفَشُ : اللَّغْوُ : الْكَلَامُ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ مِنَ الْبَاطِلِ وَشَبَهِهِ . قَالَ الْعَجَّاجُ : عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا فِي الْجُمُعَةِ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِمَنْ سَمِعَهُ مِنَ الْجُهَّالِ يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ : أَنْصِتْ ، أَوْ : صَهْ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ؛ أَخْذًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتِعْمَالًا لَهُ وَتَقَبُّلًا لِمَا فِيهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الْخُطْبَةِ ، إِلَّا حِينَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ الْقُرْآنَ فِي الْخُطْبَةِ خَاصَّةً ، كُلُّهُمْ ذَهَبُوا أَلَّا إِنْصَاتَ إِلَّا لِلْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَلَا عِلْمَ لِمُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْعِرَاقِ بِهِ ، وَالْحُجَّةُ فِي السُّنَّةِ لَا فِيمَا خَالَفَهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ إِذَا لَمْ يَسْمَعْهَا لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِمَامِ : فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ سَمِعَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ ، وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : اسْتَمِعُوا وَأَنْصِتُوا ، فَإِنَّ لِلْمُسْتَمِعِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا لِلْمُسْتَمِعِ السَّامِعِ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ الْكَلَامَ وَالصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ ، وَلَا مُخَالِفَ لِهَؤُلَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَسَقَطَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْكَلَامِ إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ وَيَذْكُرَ اللَّهَ مَنْ لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : إِنِّي لَأَقْرَأُ جُزْئِي إِذَا لَمْ أَسْمَعِ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ الْخُطْبَةَ لَمْ يَقْرَأْ ، وَهَذَا أَصَحُّ عَنْهُ مِنَ الَّذِي تَقَدَّمَ ، وَإِذَا لَمْ يَقْرَأْ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : يَحْرُمُ الْكَلَامُ مَا كَانَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ ، قِيلَ لِعَطَاءٍ : أَيَذْكُرُ الْإِنْسَانُ اللَّهَ - وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ يَوْمَ الْفِطْرِ ، وَهُوَ يَعْقِلُ قَوْلَ الْإِمَامِ ؟ قَالَ : لَا ، كُلُّ ذَلِكَ عِيدٌ ، فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا أَنْ يَذْهَبَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ . قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : إِذَا اسْتَقَى الْإِمَامُ فَادْعُ ، هُوَ يَأْمُرُكَ حِينَئِذٍ بِهِ ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أُسَبِّحُ وَأُهَلِّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَأَنَا أَعْقِلُ الْخُطْبَةَ ؟ قَالَ : لَا إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ ، وَاجْعَلْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ . قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَإِذَا كُنْتُ لَا أَسْمَعُ الْإِمَامَ أُسَبِّحُ وَأُهَلِّلُ وَأَدْعُو اللَّهَ لِنَفْسِي وَلِأَهْلِي وَأُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَاسْمِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : أَوَاجِبٌ الْإِنْصَاتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ؟ قَالَ : كَذَلِكَ زَعَمُوا . عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنِ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ؟ قَالَ : كَانَ يُؤْمَرُ بِالصَّمْتِ قَالَ : قُلْتُ : ذَهَبَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ : تَكَلَّمْ إِنْ شِئْتَ . قَالَ مَعْمَرٌ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : إِنْ أَحْدَثُوا فَلَا تُحْدِثْ . عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ طَاوُسًا يَقُولُ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَا يَدْعُو أَحَدٌ بِشَيْءٍ ، وَلَا يَذْكُرُ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ الْإِمَامُ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : شَهِدْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ، وَمُوسَى بْنُ مُصْعَبٍ يَخْطُبُهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ : فِي خُطْبَتِهِ : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا فَسَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ لَا تَمْقُتْنَا . وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْقَاضِي قَالَ : أَخْبَرَنَا مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ مَشْيَخَتِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ ، فَيَخْرُجُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِي فَيَخْطُبُ ، فَيَسْتَقْبِلُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ ، وَيُنْصِتُ لَهُ فَإِذَا شَتَمَ خَالِدٌ عَلِيًّا تَكَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ ، وَأَقْبَلَ عَلَى أَدْنَى إِنْسَانٍ إِلَى جَنْبِهِ ، فَيُقَالُ لَهُ : إِنَّ الْإِمَامَ يَخْطُبُ ، فَيَقُولُ : إِنَّا لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُنْصِتَ لِهَذَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ أَنْ لَا يَدْعُوَ أَحَدٌ وَلَا يَذْكُرَ اللَّهَ غَيْرَ الْإِمَامِ فِي خُطْبَتِهِ ، وَأَمَّا الْمُسْتَمِعُ فَلَا يَنْطِقُ بِشَيْءٍ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ وَالِاسْتِمَاعُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُمَا قَالَا : مَنْ قَالَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ : صَهٍ ، فَقَدْ لَغَا ، وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ جُمُعَةٍ فَذَكَرَ سُورَةً ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : مَتَى نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ : مَا لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إِلَّا مَا لَغَوْتَ ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَدَقَ . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ مُرْاسَلَاتِ الْحَسَنِ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَرَضَتْ لِابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ لِأَبِي مَسْعُودٍ مَعَ أُبَيٍّ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : صَدَقَ أُبَيٌّ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَرَضَتْ لِأَبِي ذَرٍّ مَعَ أُبَيٍّ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ الْمُتَّصِلِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَا لَكَ مِنْ جُمُعَتِكَ إِلَّا مَا لَغَوْتَ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : لَا جُمُعَةَ لَهُ ، فَهَذَا مَحْمَلُهُ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ وَأَنْصَتَ ، لَا أَنَّهُ أَفْسَدَ الْكَلَامُ صَلَاتَهُ وَأَبْطَلَهَا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَ التَّكْبِيرِ لَا يُفْسِدُهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ ، فَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو ، وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا فَهِيَ كَفَّارَةٌ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : فَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو فَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ : ( أَخْبَرَنَا ) مُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ، وَهَذَا مِثْلُهُ أَيْضًا لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : هَلْ تَعْلَمُ مِنْ شَيْءٍ يَقْطَعُ جُمُعَةَ الْإِنْسَانِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا مِنْ كَلَامٍ ، أَوْ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ ، أَوْ شيء غَيْرِ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا . وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : يُقَالُ : مَنْ تَكَلَّمَ فَكَلَامُهُ حَظُّهُ مِنَ الْجُمُعَةِ ، يَقُولُ : مِنْ أَجْلِ الْجُمُعَةِ ، فَأَمَّا أَنْ يُوَفِّيَ أَرْبَعًا فَلَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْأَثَرِ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ النَّظَرِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا أَصْلًا وَإِجْمَاعًا . وَاخْتَلَفُوا فِي رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ فِي الْخُطْبَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : لَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ ; إِلَّا إِنْ رَدَّهُ إِشَارَةً كَمَا يَرُدُّ فِي الصَّلَاةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَرُدُّ السَّلَامَ ، وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا بَأْسَ بِرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْقَدِيمِ بِالْعِرَاقِ : يَسْتَقْبِلُونَ الْإِمَامَ بِوُجُوهِهِمْ وَيُنْصِتُونَ ، وَلَا يُشَمِّتُوا عَاطِسًا ، وَلَا يَرُدُّوا سَلَامًا إِلَّا بِالْإِشَارَةِ ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ بمصر : وَلَوْ سَلَّمَ رَجُلٌ كَرِهْتُهُ لَهُ ، وَرَأَيْتُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ ; لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ فَرْضٌ . قَالَ : وَلَوْ عَطَسَ رَجُلٌ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فِي الْجُمُعَةِ ، فَشَمَّتَهُ رَجُلٌ ، رَجَوْتُ أَنْ يَسَعَهُ ; لِأَنَّ التَّشْمِيتَ سُنَّةٌ ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ، وَحَكَى الْبُوَيْطِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا ، وَكَذَلِكَ حَكَى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا : إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الْخُطْبَةَ شَمَّتَ وَرَدَّ . وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : هَلْ يُرَدُّ السَّلَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ لَهُ : وَيُشَمَّتُ الْعَاطِسُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : لَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِالْإِنْصَاتِ كَالصَّلَاةِ لَمْ يُشَمِّتْ ، كَمَا لَا يُشَمِّتُ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنْ قِيلَ : رَدُّ السَّلَامِ فَرْضٌ وَالصَّمْتُ سُنَّةٌ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : الصَّمْتُ فَرْضٌ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ فَرْضٌ ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ بِالْخَاطِبِ وَالْمَخْطُوبِ عليهم ، فكما يَفْعَلُهَا الْخَاطِبُ فَرْضًا كَذَلِكَ الْمُسْتَمِعُ فُرِضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا نَظَرٌ ، وَالصَّمْتُ وَاجِبٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ · ص 29 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصَتَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْتَ · ص 40 232 ( 2 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ 202 - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ : أَنْصَتَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَدْ لَغَوْتَ . 5779 - وَبَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ يَقُولُ فِيهِ : وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . 5780 - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَلْفَاظُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ . 5781 - وَلِمَالِكٍ فِيهِ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 5782 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ : قَدْ لَغَوْتَ : أَيْ جِئْتَ بِالْبَاطِلِ ، وَمَا لَيْسَ بِحَقٍّ ، وَاللَّغْوُ : الْبَاطِلُ . 5783 - قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( الْآيَةُ ( 72 ) مِنْ سُورَةِ الْفُرْقَانِ ) قَالَ : لَا يُسَاعِدُونَ أَهْلَ الْبَاطِلِ عَلَى بَاطِلِهِمْ . 5784 - قَالَ : وَالزُّورُ : الْكَذِبُ . 5785 - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : اللَّغْوُ : كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ لَيْسَ بِحَسَنٍ ، وَالْفُحْشُ أَشَدُّ مِنَ اللَّغْوِ ، وَاللَّغْوُ وَالْهَجْرُ فِي الْقَوْلِ سَوَاءٌ ، وَاللَّغْوُ وَاللَّغَا لُغَتَانِ . 5786 قَالَ الْعَجَّاجُ : عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ 5787 - وَلَا خِلَافَ عَلَيْهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا . 5788 - وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ، وَجَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى خِلَافٌ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ : 5789 - فَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَأَبِي بُرْدَةَ : أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ إِلَّا فِي حِينِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْخُطْبَةِ خَاصَّةً . 5790 - وَفِعْلُهُمْ هَذَا مَرْدُودٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَلَا عِلْمَ لِمُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْعِرَاقِ بِهِ . 5791 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ إِذَا لَمْ يَسْمَعْهَا لِبُعْدِهِ مِنَ الْإِمَامِ : 5792 - فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ سَمِعَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ . 5792 م - وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : اسْتَمِعُوا وَأَنْصِتُوا . 5793 - فَإِنَّ الْمُنْصِتَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا لِلْمُسْتَمِعِ الصَّامِتِ . 5794 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ الْكَلَامَ وَالصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ ، وَلَا مُخَالِفَ لِهَؤُلَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ . 5795 - فَسَقَطَ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ . 5796 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : إِنِّي لَأَقْرَأُ حِزْبِي إِذَا لَمْ أَسْمِعِ الْإِمَامَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . 5797 - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : يَحْرُمُ الْكَلَامُ مَا كَانَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ ، قَالَ : وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَالْعِيدَيْنِ كَذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ . 5798 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أُسَبِّحُ وَأُهَلِّلُ وَأَدْعُو اللَّهَ فِي نَفْسَيْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَنَا أَعْقِلُ الْخُطْبَةَ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ ، وَاجْعَلْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ . 5799 - قُلْتُ لِعَطَاءٍ : كُنْتُ لَا أَسْمَعُ الْإِمَامَ أُسَبِّحُ وَأُهَلِّلُ وَأَدْعُو اللَّهَ لِنَفْسِي وَلِأَهْلِي وَأُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ . قَالَ : نَعَمْ . 5800 - وَعَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنِ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ قَالَ : كَانَ يُؤْمَرُ بِالصَّمْتِ . 5801 - قُلْتُ : فَإِنْ ذَهَبَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ : تَكَلَّمْ إِنْ شِئْتَ . 5802 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَقَالَ قَتَادَةُ : إِنْ حَدَّثُوا فَلَا تُحَدِّثْ . 5803 - وَقَدْ مَضَى فِي التَّمْهِيدِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ . 5804 - وَمِمَّنْ يَرَى أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْمَوْعِظَةِ أَنْ يَتَكَلَّمَ : اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ . 5805 - وَالْأَسَانِيدُ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ . 5806 - وَأَمَّا عِكْرِمَةُ وَعَطَاءُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيُّ فَقَالَا : مَنْ قَالَ : صَهٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَا ، وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ . 5807 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرِيدُ فِي تَمَامِ أَجْرِ الَّذِي شَاهَدَ الْخُطْبَةَ صَامِتًا ، أَيْ لَا جُمُعَةَ لَهُ مِثْلَ جُمُعَةِ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ يَقُولُونَ : إِنَّ جُمُعَتَهُ مُجْزِيَةٌ عَنْهُ ، وَلَا يُصَلِّي أَرْبَعًا . 5808 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَنْ لَغَا كَانَتْ صَلَاتُهُ ظُهْرًا ، يَعْنِي فِي الْفَضْلِ . 5809 - قَالَ : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ جُمُعَةٌ ، وَحُرِمَ فَضْلَهَا . 5810 - وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : هَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا يَقْطَعُ جُمُعَةَ الْإِنْسَانِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا مِنْ كَلَامٍ ، أَوْ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا . 5811 - وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَتْ قَصُرَتْ لِلْخُطْبَةِ - كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - فَإِنَّهَا لَا يُفْسِدُهَا مَا كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنْهَا ; فَقَدْ يُدْرِكُ الْمُصَلِّي مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً ، وَتَفُوتُهُ الْخُطْبَةُ ، فَتُجْزِيهِ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ . 5812 - وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ : لَوْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . 5813 - وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 5814 - وَاخْتَلَفُوا فِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَرَدِّ السَّلَامِ فِي الْخُطْبَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَرُدُّ السَّلَامَ ، وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ إِشَارَةً كَمَا يَرُدُّهُ فِي الصَّلَاةِ . 5815 - وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ . 5816 - وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ قَالُوا : لَا يَرُدُّ السَّلَامَ ، وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ . 5817 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا : لَا بَأْسَ بِرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ . 5818 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ . 5819 - وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، فَقَالَ بِالْعِرَاقِ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَقَالَ بِمِصْرَ : وَلَوْ سَلَّمَ رَجُلٌ لَمْ يَسْمَعِ الْخُطْبَةَ كَرِهْتُ ذَلِكَ ، وَرَأَيْتُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ ؛ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ فَرْضٌ . 5820 - قَالَ : وَلَوْ شَمَّتَ عَاطِسًا قَدْ حَمِدَ اللَّهَ رَجَوْتُ أَنْ يَسَعَهُ فَضْلُهُ ؛ لِأَنَّ التَّشْمِيتَ سُنَّةٌ . 5821 - وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ، وَحَكَى الْبُوَيْطِيُّ عَنْهُ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا . 5822 - وَكَذَلِكَ حَكَى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ . 5823 - وَكَذَلِكَ حَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا . 5824 وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا : إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الْخُطْبَةَ شَمَّتَ وَرَدَّ السَّلَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ . 5825 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِالْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ كَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُشَمِّتْ كَمَا لَا يُشَمِّتُ فِي الصَّلَاةِ . 5826 - قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : رَدُّ السَّلَامِ فَرْضٌ ، وَالصَّمْتُ لِلْخُطْبَةِ سُنَّةٌ ، قِيلَ لَهُ : الصَّمْتُ فَرْضٌ ; لِأَنَّ الْخُطْبَةَ فَرْضٌ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِالْخَاطِبِ وَالْمَخْطُوبِ عَلَيْهِمْ . 5827 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّ الصَّمْتَ فَرْضٌ وَاجِبٌ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهِيَ سُنَّةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا ، مَعْمُولٌ بِهَا . 5828 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ وَلَغَا لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ لِلْجُمُعَةِ ، وَلَا يُقَالُ لَهُ : صَلِّهَا ظُهْرًا ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى مَا وَصَفْنَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِنْصَاتَ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِهَا ; لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَنْ يَفْسَدَ الْعَمَلُ بِتَرْكِهَا ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْإِنْصَاتَ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ · ص 381 2 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ 230 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْتَ . 2 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ جَعَلَ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ مِنْ خُرُوجِ الْإِمَامِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ : وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تُخْرِجُ مَا قَبْلَ خُطْبَتِهِ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ وَمَا بَعْدَهُ إِلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي الْخُطْبَةِ ، نَعَمِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُنْصِتَ لِمَا وَرَدَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِيهِ . 232 230 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَخِفَّةِ النُّونِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى وَجَمَاعَةٌ مِنَ الرُّوَاةِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَمَعْنٌ سَعْدُ بْنُ عُفَيْرٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مِنَ الْوَجْهَيْنِ وَكُلٌّ مِنْ سَعِيدٍ ، وَالْأَعْرَجِ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ أَوْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ ) الَّذِي تُخَاطِبُهُ إِذْ ذَاكَ أَوْ جَلِيسِكَ سُمِّيَ صَاحِبًا لِأَنَّهُ صَاحَبَهُ فِي الْخِطَابِ أَوْ لِكَوْنِهِ الْأَغْلَبَ ( أَنْصِتْ ) اسْكُتْ عَنِ الْكَلَامِ مُطْلَقًا وَاسْتَمِعِ الْخُطْبَةَ ، وَقَوْلُ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ مُكَالَمَةِ النَّاسَ دُونَ ذِكْرِ اللَّهِ تُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ حَالَ الْخُطْبَةِ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ التَّحِيَّةِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَا لِدَلِيلِهَا الْخَاصِّ جَوَازُ الذِّكْرِ مُطْلَقًا . ( وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تُفِيدُ أَنَّ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ مِنَ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ لَا مِنْ خُرُوجِ الْإِمَامِ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . ( يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) ظَرْفٌ لِقُلْتَ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ( فَقَدْ لَغَوْتَ ) بِالْوَاوِ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَهِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا هِيَ فَقَدْ لَغَوْتَ ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ وَتَبِعَهُ الْكِرْمَانِيُّ : ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِيهَا إِذْ قَالَ : وَالْغَوْا ( سُورَةُ فُصِّلَتْ : الْآيَةَ 26 ) وَهِيَ مِنْ لَغَى يَلْغَى وَلَوْ كَانَ يَلْغُوا لَقَالَ الْغُوا بِضَمِّ الْغَيْنِ ، اهـ . قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : مَعْنَى لَغَوْتَ خِبْتَ مِنَ الْأَجْرِ ، وَقِيلَ بَطَلَتْ فضيلة جُمُعَتُكَ ، وَقِيلَ صَارَتْ جُمُعَتُكَ ظُهْرًا . قَالَ الْحَافِظُ : وَيَشْهَدُ لِلثَّالِثِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا : وَمَنْ لَغَى وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ : مَعْنَاهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَحُرِمَ فَضِيلَةَ الْجُمُعَةِ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : وَمَنْ قَالَ صَهٍ فَقَدْ تَكَلَّمَ ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ وَنَحْوُهُ لِأَحْمَدَ ، وَالْبَزَّارِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمْعَةٌ ، وَلَهُ شَاهِدٌ قَوِيٌّ فِي جَامِعِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَى لَا جُمُعَةَ لَهُ كَامِلَةً لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِسْقَاطِ فَرْضِ الْوَقْتِ عَنْهُ . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ مَنْ جَوَّزَ الْكَلَامَ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : فَقَدْ لَغَوْتَ ، أَيْ أَمَرْتَ بِالْإِنْصَاتِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ جُمُودٌ شَدِيدٌ ، لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي مَطْلُوبِيَّتِهِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ أَمَرَ بِمَا طَلَبَهُ الشَّرْعُ لَاغِيًا ، بَلِ النَّهْيُ عَنِ الْكَلَامِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَدِيثِ بِدَلَالَةِ الْمُوَافَقَةِ ; لِأَنَّهُ إِذَا جَعَلَ قَوْلَهُ أَنْصِتْ مَعَ كَوْنِهِ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ لَغْوًا فَغَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ أَوْلَى أَنْ يُسَمَّى لَغْوًا . وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَقَدْ لَغَوْتَ : عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ ، اهـ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : مَعْنَاهُ الْمَنْعُ مِنَ الْكَلَامِ ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالصَّمْتِ حِينَئِذٍ فَهُوَ لَاغٍ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى مِنَ الْكَلَامِ بِمَا يَنْهَى عَنْهُ ، كَمَا أَنَّ مَنْ نَهَى فِي الصَّلَاةِ مُصَلِّيًا عَنِ الْكَلَامِ فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ صَلَاتَهُ ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّمْتِ لَاغٍ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُكَلِّمٍ غَيْرَهُ لَاغٍ وَاللَّغْوُ رَدِيءُ الْكَلَامِ وَمَا لَا خَيْرَ فِيهِ ، اهـ . وَقَالَ الْأَخْفَشُ : اللَّغْوُ الْكَلَامُ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ مِنَ الْبَاطِلِ وَشِبْهُهُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ : السَّقْطُ مِنَ الْقَوْلِ ، وَقِيلَ الْمَيْلُ عَنِ الصَّوَابِ ، وَقِيلَ الْإِثْمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( سُورَةُ الْفُرْقَانِ : الْآيَةَ 72 ) ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ اتَّفَقَتْ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ اللَّغْوَ مَا لَا يَحْسُنُ مِنَ الْكَلَامِ ، وَأَغْرَبَ أَبُو عُبْيِدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبِ فَقَالَ : مَعْنَى لَغَى تَكَلَّمَ كَذَا أَطْلَقَ وَالصَّوَابُ التَّقْيِيدُ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَقْوَالُ أَهْلِ اللُّغَةِ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى ، وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ حَالَ الْخُطْبَةِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ فِي حَقِّ مَنْ يَسْمَعُهَا ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَسْمَعُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ قَالُوا : وَإِذَا أَرَادَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ فَلْيَجْعَلْهُ بِالْإِشَارَةِ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا إِلَّا عَنْ قَلِيلٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَلَفْظُهُ لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا فِي الْجُمُعَةِ وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ سَمِعَهُ مِنَ الْجُهَّالِ يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ وَنَحْوَهَا آخِذًا بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَنَاسٍ قَلِيلٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِي حِينِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ ، خَاصَّةً وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْحَدِيثُ ، اهـ . وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَبَنَاهُمَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ بَدَلٌ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ أَمْ لَا ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْرُمُ لَا عَلَى الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ ، فَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ مَنْ أَطْلَقَ مِنْهُمْ إِبَاحَةَ الْكَلَامِ حَتَّى شَنَّعَ عَلَيْهِمْ مَنْ شَنَّعَ مِنَ الْمُخَالِفِينَ . وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا رِوَايَتَانِ ، وَعَنْهُمَا أَيْضًا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ وَمَنْ لَا يَسْمَعُهَا ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ نَفَى وُجُوبَهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، اهـ . وَفِيهِ نَظَرٌ إِذِ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لَا يَجْعَلُونَهُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ هُوَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا عِنْدَ أَحْمَدَ : وَمَنْ قَالَ صَهٍ فَقَدْ تَكَلَّمَ وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا جُمْعَةَ لَهُ مَا نَصُّهُ : قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ لَا جُمُعَةَ لَهُ كَامِلَةً لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِسْقَاطِ فَرْضِ الْوَقْتِ عَنْهُ ، اهـ . ثُمَّ قَالَ : أَعْنِي الْحَافِظَ : وَيَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّ السَّامِعِ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُشَارِ إِلَيْهِ آنِفًا ، وَمَنْ دَنَا فَلَمْ يُنْصِتْ فَإِنَّ عَلَيْهِ كِفْلَيْنِ مِنَ الْوِزْرِ لِأَنَّ الْوِزْرَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْ فَعَلَ مُبَاحًا وَلَوْ كُرِهَ تَنْزِيهًا . وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَجَازَ مُطْلَقًا مِنْ قِصَّةِ السَّائِلِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ عُمُومَ الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَأَمْرٍ عَارِضٍ فِي مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ ، وَقَدِ اسْتَثْنَى مِنَ الْإِنْصَاتِ فِي الْخُطْبَةِ مَا إِذَا انْتَهَى الْخَطِيبُ إِلَى كُلِّ مَا لَمْ يُشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ مِثْلَ الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ مَثَلًا ، بَلْ جَزَمَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَحَلُّهُ إِذَا جَازَفَ وَإِلَّا فَالدُّعَاءُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ مَطْلُوبٌ ، اهـ ، وَمَحَلُّ التَّرْكِ إِذَا لَمْ يَخَفِ الضَّرَرَ وَإِلَّا فَيُبَاحُ لِلْخَطِيبِ إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ ، اهـ .