475 حَدِيثٌ رَابِعٌ وَخَمْسُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : نَزَلَتْ : عَبَسَ وَتَوَلَّى فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ؛ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، اسْتَدْنِنِي ، وَعِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ وَيَقُولُ : يَا فُلَانُ ، هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا ؟ فَيَقُولُ : لَا وَالدُّمَى مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا ، فَأُنْزِلَتْ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ ، وَيَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ الزَّهَاوِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَمَالِكٌ أَثْبَتُ مِنْ هَؤُلَاءِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ( بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَرَوَى وَكِيعٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ) ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى قَالَ : نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ . وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُكَلِّمُ يَوْمَئِذٍ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ : عَبَسَ وَتَوَلَّى فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ . وَأَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : مِمَّا عَرَضْنَا عَلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أُنْزِلَتْ : عَبَسَ وَتَوَلَّى فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ يَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اسْتَدْنِنِي ، وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ وَيَقُولُ : أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا ؟ فَيَقُولُ : لَا ، فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ : عَبَسَ وَتَوَلَّى وَأَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى فَذَكَرَهُ . وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَصِيبُ الْقَاضِي بِمِصْرَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُجَاهِدٍ الْغُطُوطِيُّ الدُّورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْبِلَادِ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صَحِيحٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا رَجُلٌ مَكْفُوفٌ تَقْطَعُ لَهُ الْأُتْرُجَّ وَتُطْعِمُهُ إِيَّاهُ بِالْعَسَلِ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَتْ : ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الَّذِي عَاتَبَ اللَّهُ فِيهِ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَهُ عُقْبَةُ وَشَيْبَةُ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَذَكَرَ حَجَّاجٌ ، ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : جَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ لَهُ : عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَأُنْزِلَتْ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُقْبِلًا ، بَسَطَ رِدَاءَهُ حَتَّى يُجْلِسَهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ اسْتَخْلَفَهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ حَتَّى يَرْجِعَ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى قَالَ : عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ : فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَذْكِرَةُ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ . قَالَ سُنَيْدٌ : وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى قَالَ : تُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِكَ ، وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى قَالَ : أَلَّا يُصْلَحَ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى بِعَمَلٍ مِنَ الْخَيْرِ ( وَهُوَ يَخْشَى ) اللَّهَ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى قَالَ : تُعْرِضُ ، ثُمَّ وَعَظَهُ فَقَالَ : كَلَّا لَا تُقْبِلْ عَلَى مَنِ اسْتَغْنَى وَتُعْرِضْ عَنْ مَنْ يَخْشَى إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ قَالَ : مَوْعِظَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ قَالَ : الْقُرْآنُ ، مَنْ شَاءَ فَهِمَ الْقُرْآنَ وَتَدَبَّرَهُ وَاتَّعَظَ بِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيمَا أَوْرَدْنَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مَا يُفَسِّرُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَيُغْنِينَا عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا وَالدُّمَى - بِضَمِّ الدَّالِ - فَالْمَعْنَى : الْأَصْنَامُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ وَيُعَظِّمُونَ ، وَاحِدَتُهَا الدُّمْيَةُ ، وَطَائِفَةٌ رَوَتْ عَنْهُ : لَا وَالدِّمَاءُ - بِكَسْرِ الدَّالِ - وَالْمَعْنَى : دِمَاءُ الْهَدَايَا الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَ بِمِنًى لِآلِهَتِهِمْ . قَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ تَوْبَةُ بْنُ الْحُمَيِّرِ : عَلَيَّ دِمَاءُ الْبُدْنِ إِنْ كَانَ بَعْلُهَا يَرَى لِي ذَنْبًا غَيْرَ أَنِّي أَزُورُهَا وَقَالَ آخَرُ : أَمَا وَدِمَاءِ الْمُزْجَيَاتِ إِلَى مِنًى لَقَدْ كَفَرَتْ أَسْمَاءُ غَيْرَ كَفُورٍ
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ نَزَلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ · ص 324 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث نزول سورة عبس وتولى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى · ص 69 475 450 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ : أُنْزِلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقُولُ يَا مُحَمَّدُ ، اسْتَدْنِينِي وَعِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ . فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ وَيَقُولُ : يَا أبا فُلَانُ ، هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا ؟ فَيَقُولُ : لَا وَالدِّمَاءِ مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا ، فَأُنْزِلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى . 10513 - فَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ أَسْنَدَهُ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ . 10514 - ذَكَرْنَا ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَالِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَرَفَعْنَا هُنَاكَ فِي نَسَبِهِ ، وَذَكَرْنَا عُيُونًا مِنْ خَبَرِهِ ، وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَامِرِيٌّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ . 10515 - وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً . 10516 - فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِلْمَ السِّيرَةِ وَمَا ارْتَبَطَ بِهَا مِنْ عِلْمِ نُزُولِ الْقُرْآنِ مَتَى نَزَلَ وَفِيمَنْ نَزَلَ ، وَالْمَكِّيُّ مِنْهُ وَالْمَدَنِيُّ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ التَّارِيخِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عِلْمٌ حَسَنٌ يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَالْعِنَايَةُ بِهِ وَالْمَيْلُ بِالْهِمَّةِ إِلَيْهِ . 10517 - وَفِيهِ أَيْضًا مَا كَانَ عَلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الْقُرْبِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالسَّمَاعِ مِنْهُ وَالْأَخْذِ عَنْهُ . 10518 - وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي قِيلَ فِيهِ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَقِيلَ : هُوَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ وَقِيلَ : عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ . 10519 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُكَلِّمُ يَوْمَئِذٍ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، فَنَزَلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى سُورَةُ عَبَسَ 1 ، 2 ؛ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ . 10520 - وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي ( التَّمْهِيدِ ) حَدِيثًا مُسْنَدًا عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا رَجُلٌ مَكْفُوفٌ تَقْطَعُ لَهُ الْأُتْرُجَّ وَتُطْعِمُهُ إِيَّاهَا بِالْعَسَلِ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَتْ : هَذَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، الَّذِي عَاتَبَ اللَّهُ فِيهِ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَعِنْدَهُ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمَا فَنَزَلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَوْ كَتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ شَيْئًا لَكَتَمَ هَذَا . 10521 - وَذَكَرَ حَجَّاجٌ عَنْ ( ابْنِ ) جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : جَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ : فَقَالَ لَهُ : عَلِّمْنِي مَا عَلَّمَكَ اللَّهُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَنَزَلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى سُورَةُ عَبَسَ 1 ، 2 ؛ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُقْبِلًا بَسَطَ رِدَاءَهُ حَتَّى يُجْلِسَهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ اسْتَخْلَفَهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ حَتَّى يَرْجِعَ . 10522 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْبَابَ بَيَانًا فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 10523 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا : لَا وَالدِّمَاءِ ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ اخْتَلَفَتْ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْهُ : وَالدِّمَاءِ بِكَسْرِ الدَّالِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ بِضَمِّهَا ، فَمَنْ ضَمَّهَا أَرَادَ الْأَصْنَامَ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ وَيُعَظِّمُونَ وَاحِدَتُهَا دُمْيَةٌ ، وَمَنْ رَوَاهَا بِكَسْرِ الدَّالِ أَرَادَ دِمَاءَ الْهَدَايَا الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَ لِآلِهَتِهِمْ . 10524 - قَالَ الشَّاعِرُ ( وَهُوَ تَوْبَةُ بْنُ الْحُمَيِّرِ ) : عَلَيَّ دِمَاءُ الْبُدْنِ إِنْ كَانَ بَعْلُهَا يَرَى لِي ذَنْبًا غَيْرَ أَنِّي أَزُورُهَا 10525 - وَقَالَ آخَرُ : أَمَا وَدِمَاءِ الْمُزْجَيَاتِ إِلَى مِنًى لَقَدْ كَفَّرَتْ أَسْمَاءُ غَيْرَ كَفُورِ
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ · ص 15 477 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : أُنْزِلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ اسْتَدْنِينِي ، وَعِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ وَيَقُولُ : يَا أَبَا فُلَانٍ هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا ؟ فَيَقُولُ : لَا وَالدِّمَاءِ مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا فَأُنْزِلَتْ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى . 475 477 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ ) لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ( أُنْزِلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ) الْقُرَشِيِّ الْعَامِرِيِّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ ، وَهُوَ ابْنُ قَيْسِ بْنِ زَائِدَةَ بْنِ الْأَصَمِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : عَمْرُو بْنُ زَائِدَةَ نِسْبَةً لِجَدِّهِ ، وَيُقَالُ : كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ ، حَكَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ : اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ : اسْمُهُ عَمْرٌو ، وَاسْمُ أُمِّهِ أُمُّ مَكْتُومٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّةُ ، أَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ ، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بِقَلِيلٍ . وَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ وَالسِّيَرِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَخْلَفَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، وَلَهُ حَدِيثٌ فِي السُّنَنِ ، وَخَرَجَ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ فَشَهِدَ الْقِتَالَ فَاسْتُشْهِدَ ، وَقِيلَ : بَلْ شَهِدَهَا وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَاتَ بِهَا ، وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ ذِكْرٌ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَفِيهِ نَزَلَ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 95 ) كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَ عَبَسَ وَتَوَلَّى ( سُورَةُ عَبَسَ : الْآيَةُ 1 ) ( جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بِمَكَّةَ ( فَجَعَلَ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ) قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ نِدَائِهِ بِاسْمِهِ ; لِأَنَّهُ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ ( اسْتَدْنِينِي ) بِيَاءٍ بَيْنَ النُّونَيْنِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ : اسْتَدْنِنِي بِحَذْفِهَا ، أَيْ أَشِرْ لِي إِلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْكَ أَجْلِسُ فِيهِ ( وَعِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ ) جَمْعُ عَظِيمٍ ( الْمُشْرِكِينَ ) وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى ، عَنْ أَنَسٍ ، وَلِابْنِ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَأَبَا جَهِلَ ، وَالْعَبَّاسَ . وَلَهُ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ : وَهُوَ يُنَاجِي أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ، وَحَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْبَاجِيُّ خِلَافًا فِي تَفْسِيرِ الْمُبْهَمِ ، وَزَادَ قَوْلًا أَنَّهُ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ( فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنْهُ ) ثِقَةً بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ ، لَا سِيَّمَا وَالَّذِي طَلَبَهُ مِنَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ لَا يَفُوتُ . فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَقَالَ : عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ( وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ ) رَجَاءَ إِسْلَامِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ إِسْلَامَ الْخَلْقِ ، إِذْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالْإِنْذَارِ وَبِالدُّعَاءِ إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ( وَيَقُولُ : يَا أَبَا فُلَانٍ ) خَاطَبَهُ بِالْكُنْيَةِ اسْتِئْلَافًا ( هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا ؟ فَيَقُولُ : لَا وَالدِّمَاءِ ) بِالْمَدِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رِوَايَةُ طَائِفَةٍ عَنْ مَالِكٍ بِضَمِّ الدَّالِّ أَيِ الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ وَيُعَظِّمُونَ وَاحِدَتُهَا دُمْيَةٌ ، وَطَائِفَةٍ بِكَسْرِ الدَّالِّ أَيْ دِمَاءُ الْهَدَايَا الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَهَا بِمِنًى لِآلِهَتِهِمْ ، قَالَ تَوْبَةُ بْنُ الْحَيْرِ : عَلَيَّ دِمَاءُ الْبُدْنِ إِنْ كَانَ بَعْلُهَا يَرَى لِي ذَنَبًا غَيْرَ أَنِّي أَزُورُهَا وَقَالَ آخَرُ : أَمَا وَدِمَاءِ الْمُزْجِيَاتِ إِلَى مِنًى لَقَدْ كَفَرَتْ أَسْمَاءُ غَيْرَ كَفُورِ ( مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا ) شِدَّةً ، بَلْ هُوَ رُوحُ الْأَرْوَاحِ ( فَأُنْزِلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى ) أَعْرَضَ ( أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ) زَادَ أَبُو يَعْلَى ، عَنْ أَنَسٍ : فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَكَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُقْبِلًا بَسَطَ إِلَيْهِ رِدَاءَهُ حَتَّى يُجْلِسَهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ اسْتَخْلَفَهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ حَتَّى يَرْجِعَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : عَاتَبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فِي سُورَةِ عَبَسَ قَالَتْ : وَلَوْ كَتَمَ مِنَ الْوَحْيِ شَيْئًا لَكَتَمَ هَذَا . وَإِنَّمَا حَصَلَتْ صُورَةُ الْعِتَابِ مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ طَاعَةً لِرَبِّهِ وَتَبْلِيغًا عَنْهُ وَاسْتِئْلَافًا لَهُ كَمَا شَرَعَهُ لَهُ ; لِأَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِسَبَبِ عَمَاهُ اسْتَحَقَّ مَزِيدَ الرِّفْقِ ، وَالْمُسْتَفَادُ مِنَ الْآيَةِ إِعْلَامُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ ذَلِكَ الْمُتَصَدِّيَ لَهُ لَا يَتَزَكَّى ، وَأَنَّهُ لَوْ كُشِفَ لَهُ حَالُ الرَّجُلَيْنِ لَاخْتَارَ الْإِقْبَالَ عَلَى الْأَعْمَى ، فَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى التَّرْحِيبِ بِالْفُقَرَاءِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَعَدَمِ إِيثَارِ الْأَغْنِيَاءِ عَلَيْهِمْ ، وَفِي الْحَدِيثِ : الِاعْتِنَاءُ بِعِلْمِ السِّيَرِ وَمَا ارْتَبَطَ بِهَا مِنْ عِلْمِ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَمَتَى نَزَلَ وَفِي مَنْ نَزَلَ ، وَإِنَّهُ لَحَسَنٌ .