604 حَدِيثٌ خَامِسٌ وَثَلَاثُونَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ : لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، أَوْ لِغَارِمٍ ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ ، فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ . هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا ، وَتَابَعَهُ عَلَى إِرْسَالِهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَذَكَرَهُ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، فَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ : رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، أَوْ رَجُلٍ أُهْدِيَتْ لَهُ ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، أَوْ لِغَارِمٍ ، أَوْ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَرَوَاهَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ حَرْفًا بِحَرْفٍ . وَأَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ ، فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَيَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ يَعْنِي الْكُوفِيَّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ يَعْنِي الْمِصْرِيَّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ : لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، أَوْ غَارِمٍ ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ مَا يَدْخُلُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الْآيَةَ ، وَتَفْسِيرٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ ، وَقَوْلُهُ هَذَا عُمُومٌ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِلَّا لِخَمْسَةٍ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ ، غَيْرِ مَنْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْخَمْسَةِ الْمَوْصُوفِينَ فِيهِ ، وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ لِغَنِيٍّ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْجِهَادِ ، وَيُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْفَقِيرِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْغَارِمُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يَفِي بِهَا مَالَهُ ، وَيُؤَدِّي مِنْهَا دَيْنَهُ ، وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ ، قَالَ : وَإِذَا احْتَاجَ الْغَازِي فِي غَزْوَتِهِ ، وَهُوَ غَنِيٌّ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ عَنْهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا ، وَاسْتَقْرَضَ ، فَإِذَا بَلَغَ بَلَدَهُ أَدَّى ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ . هَذَا كُلُّهُ ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَزَعَمَ أَنَّ ابْنَ نَافِعٍ ، وَغَيْرَهُ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ فِي الزَّكَاةِ : يُعْطَى مِنْهَا الْغَازِي ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي غَزَاتِهِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَالِهِ ، وَهُوَ غَنِيٌّ فِي بَلَدِهِ . رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعْطَى مِنْهَا الْغُزَاةُ ، وَمَنْ لَزِمَ مَوَاضِعَ الرِّبَاطِ ، فُقَرَاءَ كَانُوا ، أَوْ أَغْنِيَاءَ ، وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَدِ احْتَاجَ فِي غَزْوَتِهِ ، وَغَابَ عَنْهُ غِنَاهُ ، وَوَفْرُهُ ، قَالَ : وَلَا تَحِلُّ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ مَالُهُ مِنَ الْغُزَاةِ ، إِنَّمَا تَحِلُّ لِمَنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا عَنْهُ مِنْهُمْ ، قَالَ عِيسَى : وَتَحِلُّ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُهَا لِلْمَسَاكِينِ مِنْ عِنْدِ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي ، وَالْأَمْوَالِ فَهَذَا يُعْطَى مِنْهَا عَلَى قَدْرِ سَعْيِهِ لَا عَلَى قَدْرِ مَا جَمَعَ مِنَ الصَّدَقَاتِ ، وَالْعُشُورِ ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى الثُّمُنِ ، وَلَيْسَ الثُّمُنُ بِفَرِيضَةٍ ; وَإِنَّمَا لَهُ قَدْرُ اجْتِهَادِهِ ، وَعَمَلِهِ ، قَالَ : وَتَحِلُّ لِغَارِمٍ غُرْمًا قَدْ فَدَحَهُ ، وَذَهَبَ بِمَالِهِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ غُرْمُهُ فِي فَسَادٍ ، وَلَا دَيْنُهُ فِي فَسَادٍ ، مِثْلُ أَنْ يَسْتَدِينَ فِي نِكَاحٍ ، أَوْ حَجٍّ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الصَّلَاحِ ، وَالْمُبَاحِ ، قَالَ : وَأَمَا غَارِمٌ لَمْ يَفْدَحْهُ الْغُرْمُ ، وَلَمْ يَحْتَجْ ، وَقَدْ بَقِيَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الصَّدَقَاتِ ، قَالَ : وَتَحِلُّ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، وَلِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ - فِيمَا عَلِمْتُ - فَإِنَّهُمْ ، قَالُوا : جَائِزٌ لِلْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِذَا ذَهَبَتْ نَفَقَتُهُ ، وَمَالُهُ غَائِبٌ عَنْهُ ، أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يُبَلِّغُهُ ، قَالُوا : وَالْمُحْتَمِلُ بِحَمَالَةٍ فِي صَلَاحٍ وَبِرٍّ ، وَالْمُتَدَائِنُ فِي غَيْرِ فَسَادٍ كِلَاهُمَا يَجُوزُ لَهُ أَدَاءُ دَيْنِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَمِيلُ غَنِيًّا ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَا تَحَمَّلَ بِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ يُجْحِفُ بِمَالِهِ . وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ ، وَبِظَاهِرِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هَذَا . فَأَمَّا حَدِيثُ قَبِيصَةَ ، فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ قَالَ : تَحَمَّلْتُ بِحَمَالَةٍ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ : أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ : رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَحَلَّتِ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكُ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ : أَصَابَتْ فُلَانًا الْفَاقَةُ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، فَمَا سِوَاهُنَّ يَا قَبِيصَةُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ فَسُحْتٌ . فَقَوْلُهُ : رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَنِيٌّ ; لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ ، عَنِ السُّؤَالِ مَعَ فَقْرِهِ ، وَدَلِيلٌ آخَرُ ، وَهُوَ عَطْفُهُ ذِكْرَ الَّذِي ذَهَبَ مَالُهُ ، وَذِكْرَ الْفَقِيرِ ذِي الْفَاقَةِ عَلَى ذِكْرِ صَاحِبِ الْحَمَالَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مَالُهُ ، وَلَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِمَنْ عَمِلَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا ، وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي لَهَا بِمَالِهِ ، وَالَّذِي تُهْدَى إِلَيْهِ ، عَلَى مَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ ذُكِرَ فِيهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَظَاهِرُ هَذَا الْخَبَرِ يَقْتَضِي أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ فِي حَالِ غِنَاهُمْ ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَخْذُهَا إِلَّا مَعَ الْحَاجَةِ ، وَالْفَقْرِ لَمَا كَانَ لِلِاسْتِثْنَاءِ وَجْهٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبَاحَهَا لِلْفُقَرَاءِ ، وَالْمَسَاكِينِ إِبَاحَةً مُطْلَقَةً ، وَحَقُّ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مُخْرِجًا مِنَ الْجُمْلَةِ مَا دَخَلَ فِي عُمُومِهَا ، هَذَا هُوَ الْوَجْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّ زَوْجِي تُوُفِّيَ ، وَأَوْصَى بِمَالٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَالَ : هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ : قُلْتُ : إِنَّكَ لَمْ تَزِدْهَا إِلَّا غَمًّا ، قَدْ سَأَلَتْكَ فَأَخْبِرْهَا ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَبِي نُعْمٍ ، أَتَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهَا أَنْ تَدْفَعَهُ إِلَى هَذِهِ الْجُيُوشِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ فَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ، وَيَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : فَتَأْمُرُهَا بِمَاذَا ؟ قَالَ : آمُرُهَا أَنْ تُنْفِقَهُ عَلَى أَهْلِ الْخَيْرِ ، وَعَلَى حُجَّاجِ بَيْتِ اللَّهِ ، أُولَئِكَ وَفْدُ الرَّحْمَنِ ، لَيْسُوا كَوَفْدِ الشَّيْطَانِ يُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا ، قُلْتُ : وَمَا وَفْدُ الشَّيْطَانِ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يَأْتُونَ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءَ فَيَمْشُونَ إِلَيْهِمْ بِالنَّمِيمَةِ ، وَالْكَذِبِ فَيُعْطَوْنَ عَلَيْهَا الْعَطَايَا ، وَيُجَازَوْنَ عَلَيْهَا بِالْجَوَائِزِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ ، وَحَلَّتْ لَهُ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهَا ، وَيَمْلِكُهَا ، وَيَصْنَعُ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَحَبَّ ، وَلِذَلِكَ مَا يَطِيبُ أَكْلُهَا لِمَنْ اشتراها ، ولمن أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَدِيَّةِ الْمِسْكِينِ مِنَ الصَّدَقَةِ لِلْغَنِيِّ فِي بَابِ رَبِيعَةَ فِي قِصَّةِ لَحْمِ بَرِيرَةَ ، إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ شَيبُّوَيْهِ السَّجَسْتِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ : أَعْنَدَكِ شَيْءٌ ؟ فَقَالَتْ : لَا ، إِلَّا رِجْلُ شَاةٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى امْرَأَةٍ ، فَأَهْدَتْهُ لَنَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَرِّبِيهِ ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا . وَمَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَيْ قَدْ بَلَغَتْ حَالًا تَحِلُّ لَنَا فِيهَا ، إِذْ هِيَ هَدِيَّةٌ أَهْدَاهَا مَنْ يَمْلِكُهَا ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا صَدَقَةً ، فَلَا تَضُرُّ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ مِنَ الْمُهْدَي . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بَلَغَتْ مَوْضِعَهَا الَّذِي قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ تُؤْكَلَ فِيهِ ، فَهُوَ مَحِلُّهَا ، وَهُوَ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ : أَنَّهَا بَلَغَتْ حَالًا حَلَّ لَهُ فِيهَا أَكْلُهَا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ قَدْ بَلَغَتِ الْحَاجَةُ مَحِلَّهَا ، فَنَحْنُ نَأْكُلُ الرِّجْلَ ، وَغَيْرَ الرِّجْلِ لِحَاجَتِنَا إِلَى ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ ؟ قُلْتُ : لَا ، إِلَّا عَظْمٌ أُعْطِيَتْهُ مَوْلَاةٌ لَنَا مِنَ الصَّدَقَةِ ، قَالَ : قَرِّبِيهِ ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا . وَرَوَى ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ بَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَاةً مِنَ الصَّدَقَةِ ، فَبَعَثْتُ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا بِشَيْءٍ ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عَائِشَةَ ، قَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالَتْ : لَا ، إِلَّا أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ بَعَثَتْ إِلَيْنَا مِنْ شَاتِهَا الَّتِي بَعَثْتُمْ بِهَا إِلَيْهَا فَقَالَ : إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا . كَذَا قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَخَالَفَهُ أَبُو شِهَابٍ ، فَقَالَ فِيهِ : عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ : بَعَثْتُ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ ، وَذَكَرَهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ : بَعَثْتُ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ فَقَالَتْ : لَا ، إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ ، قَالَ : هَاتِ ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ · ص 95 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل عطاء بن يسار لا تحل الصدقة لغنى · ص 195 604 ( 17 ) بَابُ أَخْذِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا 564 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ : لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . أَوْ لِعَامِلٍ عليها أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ ، فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ ، فَأَهْدَى الْمِسْكِيَنُ لَلَغَنِيِّ . 12967 - تَابَعَ مَالِكٌ عَلَى إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ . 12968 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 12969 - وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنَ يَسَارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 12970 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ . 12971 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ مَا يَدْخُلُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا لَا يُحْمَلُ مَدْلُولُهُ عَلَى عُمُومِهِ بِدَلِيلِ الْخَمْسَةِ الْأَغْنِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ . 12972 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ ، وَهِيَ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَلَى الْأَمْوَالِ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ غَيْرَ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَوْصُوفِينَ فِيهِ . 12973 - وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ لِغَنِيٍّ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْجِهَادِ وَيُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْفَقِيرِ . 12974 - قَالَ : وَكَذَلِكَ الْغَارِمُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا بَقِيَ لَهُ مَالُهُ وَيُؤَدِّي مِنْهَا دَيْنَهُ وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ . 12975 - قَالَ : وَإِنِ احْتَاجَ الْغَازِي فِي غَزْوَتِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ لَهُ مَالٌ غَابَ عَنْهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا وَاسْتَقْرَضَ ، فَإِذَا بَلَغَ بَلَدَهُ أَدَّى ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ . 12976 - هَذَا كُلُّهُ ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَزَعَمَ أَنَّ ابْنَ قَانِعٍ وَغَيْرَهُ خَالَفُوهُ فِي ذَلِكَ . 12977 - وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ فِي الزَّكَاةِ : يُعْطَى مِنْهَا الْغَازِي وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي غَزَاتِهِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ فِي بَلَدِهِ . 12978 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعْطَى مِنْهَا الْغُزَاةُ وَمَنْ لَزِمَ مَوَاضِعَ الرِّبَاطِ فُقَرَاءَ كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءَ . 12979 - وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِلْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَوِ احْتَاجَ فِي غَزْوَتِهِ وَغَابَ عَنْهُ غِنَاهُ وَوَبَرُهُ . وَلَا تَحِلُّ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ مَالُهُ مِنَ الْغُزَاةِ . 12980 - قَالَ عِيسَى : وَتَحِلُّ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ مِنْ عِنْدِ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي وَالْأَمْوَالِ ، فَهَذَا يُعْطَى مِنْهَا عَلَى قَدْرِ سَعْيِهِ لَا عَلَى قَدْرِ مَا جَمَعَ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالْعُشُورِ ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى الثَّمَنِ ، وَلَيْسَ الثَّمَنُ بِفَرِيضَةٍ . 12981 - قَالَ : وَتَحِلُّ لِغَارِمٍ غُرْمًا قَدْ فَدَحَهُ وَذَهَبَ بِمَالِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ غُرْمُهُ فِي فَسَادٍ وَلَا دَيْنُهُ فِي فَسَادٍ ، مِثْلُ أَنْ يَسْتَدِينَ فِي نِكَاحٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمُبَاحِ وَالصَّلَاحِ . 12982 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْتُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : جَائِرٌ لِلْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِذَا ذَهَبَ نَفَقَتُهُ ، وَمَالُهُ غَائِبٌ عَنْهُ ، أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يُبْلِغُهُ . 12983 - قَالُوا : وَالْمُحْتَمِلُ بِحَمَالَةٍ فِي بِرٍّ وَإِصْلَاحٍ وَالْمُتَدَايِنُ فِي غَيْرِ فَسَادٍ كِلَاهُمَا يَجُوزُ لَهُ أَدَاءُ دَيْنِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ الْحَمِيلُ غَنِيًّا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَا تَحَمَّلَ بِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ يُجْحِفُ بِهِ . 12984 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ فِيمَا وَصَفْنَا عَنْهُ ظَاهِرُ حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَحَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ وَفِيهِ : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ : رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ - يَعْنِي مَا تَحَمَّلَ بِهِ - ثُمَ يُمْسِكُ . 12985 - فَقَوْلُهُ : ثُمَّ يُمْسِكُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَنِيٌّ ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ عَنِ السُّؤَالِ مَعَ فَقْرِهِ ، وَدَلِيلٌ آخَرُ ؛ وَهُوَ عَطْفُهُ ذِكْرَ الَّذِي ذَهَبَ مَالُهُ ، وَذِكْرَ الْفَقِيرِ ذِي الْفَاقَةِ ، عَلَى ذِكْرِ صَاحِبِ الْحَمَالَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مَالُهُ ، وَلَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يُشْهَدَ لَهُ بِهَا . 12986 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِمَنْ عَمِلَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا ، وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي لَهَا بِمَالِهِ ، والَّذِي تُهْدَى إِلَيْهِ . وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ . وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يُشْبِهُ أَنَّ الْخَمْسَةَ تَحَلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَغْنِيَاءِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل عطاء بن يسار لا تحل الصدقة لغنى · ص 204 12987 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْوَالِي . فَأَيُّ الْأَصْنَافِ كَانَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ وَالْعَدَدُ ، أُوثِرَ ذَلِكَ الصِّنْفُ ، بِقَدْرِ مَا يَرَى الْوَالِي . وَعَسَى أَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ إِلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ بَعْدَ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ أَوْ أَعْوَامٍ . فَيُؤْثَرُ أَهْلُ الْحَاجَةِ وَالْعَدَدِ ، حَيْثُمَا كَانَ ذَلِكَ . وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . 12988 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ ، إِلَّا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ . 12989 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ لَدُنِ التَّابِعِينَ فِي كَيْفِيَّةِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ ، وَهَلْ هِيَ مَقْسُومَةٌ عَلَى مَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ ؟ وَهَلِ الْآيَةُ إِعْلَامٌ مِنْهُ تَعَالَى لِمَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ ؟ 12990 - وَكَانَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُوُنَ : إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُوضَعَ الصَّدَقَةُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ يَضَعُهَا الْإِمَامُ فِيمَنْ شَاءَ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَافِ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ . 12991 - وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا : إِذَا وَضَعْتَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَكَ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ . 12992 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعَامِلَ عَلَيْهَا لَا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَهَا ، وَإِنَّمَا لَهُ بِقَدْرِ عَمَالَتِهِ ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْسُوَمَةً عَلَى الْأَصْنَافِ بِالسَّوِيَّةِ . 12993 - قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : أُحِبُّ أَنْ لَا يُخْلَى مِنْهَا الْأَصْنَافُ كُلُّهَا . 12994 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هِيَ سُهْمَانٌ ثَمَانِيَةٌ لَا يُصَرَفُ مِنْهَا سَهْمٌ وَلَا شَيْءَ عَنْ أَهْلِهِ مَا وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّهُ . 12995 - وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الصَّدَقَاتِ فِي أَصْنَافٍ ثَمَانِيَةٍ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُعْطَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِثَمَانِيَةٍ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِثَمَانِيَةٍ لِوَاحِدٍ . 12996 - وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَوْصَى لِثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ ، فَكَانَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِقَسْمِهِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ أَحْرَى وَأَوْلَى أَلَّا يُجْعَلَ فِي وَاحِدٍ . 12997 - وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا رَضِيَ اللَّهُ بِقِسْمَةِ أَحَدٍ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى قَسَمَهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ . 12998 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَبَدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْإِفْرِيقِيُّ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ . . وَأَمَّا أَهْلُ الْمَغْرِبِ ; مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَّةَ فَيُثْنُونَ عَلَيْهِ بِالدِّينِ وَالْعَقْلِ وَالْفَضْلِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَةِ ، مِنْهُمُ : الثَّوْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ . 12999 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : أَنَّ كُلَّ مَا أُخِذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاةِ مَالٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ حَبٍّ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ مَعْدِنٍ يُقَسَّمُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ أَوْ عَلَى سَبْعَةٍ ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ لِمَنْ قَسَّمَ زَكَاتَهُ عَلَى أَهْلِهَا كَمَا قَسَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَخْتَلِفُ الْقَسْمُ فِيهِ وَلَا يَصْرِفُ سَهْمَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِ ، وَالْوَاحِدُ مَرْدُودٌ إِلَى الْعَامِلِ . 13000 - قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : أَمَّا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَقْسِمُهَا النَّاسُ عَنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُقْسَمَ عَلَى مَا أَمْكَنَ مِمَّنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا الْعَامِلِينَ فَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِذَا قَسَمَهَا رَبُّهَا ، وَإِنْ أَعْطَى الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ بَعْضَ الْأَصْنَافِ رَجَوْتُ أَنْ تَسَعَهَا ، فَأَمَّا مَا صَارَ إِلَى الْإِمَامِ فَلَا يَقْسِمُهُ إِلَّا فِيمَنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 13001 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ اللُّغَةِ فِي الْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ . فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ . قَالُوا : وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ بَعْضُ مَا يُقِيمُهُ ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ . 13002 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الرَّاعِي : أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ . 13003 - قَالُوا : أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ لِهَذَا الْفَقِيرِ حَلُوبَةً . 13004 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا ابْنُ السِّكِّيتِ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ . 13005 - وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ . 13006 - وَاحْتَجَّ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْمَسَاكِينِ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ وَرُبَّمَا سَاوَتْ جُمْلَةً مِنَ الْمَالِ . 13007 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا 13008 - قَالَ : فَهَذِهِ الْحَالُ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا الْفُقَرَاءَ دُونَ الْحَالِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ الْمَسَاكِينِ . 13009 - قَالُوا : وَلَا حُجَّةَ فِي بَيْتِ الرَّاعِي ; لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْفَقِيرَ كَانَتْ لَهُ حَلُوبَةٌ فِي حَالِ مَا قَالُوا . 13010 - وَالْفَقِيرُ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْمَفْقُورُ ، كَأَنَّهُ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةٌ مِنْ ظَهْرِهِ لِشِدَّةِ فَقْرِهِ ، فَلَا حَالَ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ . 13011 - وَاسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : لَمَّا رَأَى لُبَدَ النُّسُورِ تَطَايَرَتْ رَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقِيرِ الْأَعْزَلِ 13012 - أَيْ لَمْ يُطِقِ الطَّيَرَانَ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنِ انْقَطَعَ صُلْبُهُ وَلَصِقَ بِالْأَرْضِ . 13013 - قَالَوا : وَهَذَا هُوَ شَدِيدُ الْمَسْكَنَةِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ يَعْنِي مِسْكِينًا قَدْ لَصِقَ بِالتُّرَابِ مِنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينًا فَلَيْسَ ذَا مَتْرَبَةٍ مِثْلَ الطَّوَّافِ وَشِبْهِهِ مِمَّنْ لَهُ الْبُلْغَةُ ، وَالسَّاعِي فِي الِاكْتِسَابِ بِالسُّؤَالِ . 13014 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ : الْأَصْمَعِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ . 13015 - وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمُ الطَّحَاوِيُّ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ : إِنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ سَوَاءٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى وَإِنِ افْتَرَقَا فِي الِاسْمِ . 13016 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَائِرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ 13017 - وَأَمَّا أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَعَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ فِي هَذَا الْبَابِ . 13018 - وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرْنَا أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ : لَيْسَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ ، وَلَكِنَّ الْفَقِيرَ الْأَخْلَقُ الْكَسْبِ . 13019 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ بَيَّنَّا فِي التَّمْهِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ عَلَيْكُمْ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ حَقَّ الْمِسْكِينِ ، وَأَنَّ مِنَ الْمَسَاكِينِ مَنْ لَيْسَ بِطَوَّافٍ ، وَأَوْضَحْنَا هُنَاكَ هَذَا الْمَعْنَى بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . 13020 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ مِنَ الْفُقَرَاءِ ؟ وَمَا حَدُّ الْغِنِيِّ الَّذِي تَحْرُمُ بِهِ الصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ . 13021 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْلُومٌ . 13022 - وَسَنَذْكُرُ مَذْهَبَهُ فِيمَنْ يَحْرُمُ السُّؤَالُ عَلَيْهِ فِيمَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الْأَسَدِيِّ إِنَّ شَاءَ اللَّهُ ، رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ . 13023 - وَأَمَّا الثَّوْرِيُّ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمَنْ يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 13024 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 13025 - وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى مَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَنَّهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ . 13026 - وَحُجَّتُهُمُ الْحَدِيثُ : أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصدقة مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ . 13027 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ أَقَلَّ اسْمِ الْغِنَى ، وَذَلِكَ حِينَ يَخْرُجُ مِنَ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ . وَعِنْدَهُ أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ وَالْخَادِمِ الَّذِي لَا غِنَى بِهِ عَنْهُمَا وَلَا فَضْلَ فِيهِمَا يُخْرِجُهُ إِلَى حَدِّ الْغِنَى أَنَّهُ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ . 13028 - وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ . 13029 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْكُوفِيُّونَ . 13030 - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : مَنْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مَا يُقِيمُهُ وَيَكْفِيهِ سَنَةً فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ . 13031 - وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا يُعْطَى الْمِسْكِينُ الْوَاحِدُ مِنَ الزَّكَاةِ . 13032 - فَقَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ فِيهِ مَرْدُودٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْطَى مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَوْ عَدْلُهَا ذَهَبًا . 13033 - وَقَالَ اللَّيْثُ : يُعْطَى مِقْدَارَ مَا يَبْتَاعُ بِهِ خَادِمًا إِذَا كَانَ ذَا عِيَالٍ وَكَانَتِ الزَّكَاةُ كَثِيرَةً . 13034 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَمْ يَحِدَّ حَدًّا ، وَاعْتَبَرَ مَا يَرْفَعُ الْحَاجَةَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يُعْطَاهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَمْ لَا ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجِبُ عَلَى مَالِكِ النِّصَابِ إِلَّا بِمُرُورِ الْحَوْلِ . 13035 - وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْرَهُ أَنْ يُعْطَى إِنْسَانٌ وَاحِدٌ مِنَ الزَّكَاةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ . 13036 - قَالَ : وَإِنْ أَعْطَيْتَهُ أَجْزَأَكَ وَلَا بَأْسَ أَنْ تُعْطِيَهُ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ . 13037 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا . 13038 - وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 13039 - وَقَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . 13040 - وَكُلُّ مَنْ حَدَّ فِي أَقَلِّ الْغِنَى حَدًّا وَلَمْ يَجِدْ فَإِنَّمَا هُوَ مَا لَا غِنَى عَنْهُ مِنْ دَارٍ تَحَمِلُهُ لَا تَفْضُلُ عَنْهُ أَوْ خَادِمٍ هُوَ شَدِيدُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ . 13041 - وَكُلُّهُمْ يُجِيزُ لِمَنْ كَانَ لَهُ مَا يُكِنُّهُ مِنَ الْبُيُوتِ وَيَخْدِمُهُ مِنَ الْعَبِيدِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ وَلَا فَضْلَ لَهُ مِنْ مَالٍ يَتَحَرَّفُ بِهِ ، وَيَعْرِضُهُ لِلِاكْتِسَابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَلَا يَكُونُ غَنِيًّا بِهِ . 13042 - فَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ طَائِفَةٍ فِي التَّمْهِيدِ . 13043 - وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا فَلَا خِلَافَ بَيْنِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْعَامِلَ عَلَى الصَّدَقَةِ لَا يَسْتَحِقُّ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْهَا ثُمُنًا أَوْ سُبُعًا أَوْ سُدُسًا ؛ وَإِنَّمَا تعَطَى بِقَدْرِ عَمَالَتِهِ . 13044 - وَأَمَّا أَقَاوِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ : لَيْسَ لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ إِلَّا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ . 13045 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا : الْمُتَوَلُّونَ قَبْضَهَا مِنْ أَهْلِهَا ، فَأَمَّا الْخَلِيفَةُ وَوَالِي الْإِقْلِيمِ الَّذِي يُوَلِّي أَخْذَهَا عَامِلًا دُونَهُ فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَعَانَ وَالِيًا عَلَى قَبْضِهَا مِمَّنْ بِهِ الْغِنَى عَنْ مَعُونَتِهِ فَلَيْسَ لَهُمْ فِي سَهْمِ الْعَامِلِينَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا أَغْنِيَاءَ أَمْ فُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِهَا كَانُوا أَوْ غُرَبَاءَ . 13046 - قَالَ : وَلَا سَهْمَ فِيهَا لِلْعَامِلِينَ مَعْلُومٌ وَيُعْطَوْنَ لِعَمَالَتِهِمْ عَلَيْهَا بِقَدْرِ أُجُورِ مِثْلِهِمْ فِيمَا تَكَلَّفُوا مِنَ الْمَشَقَّةِ وَقَامُوا بِهِ مِنَ الْكِفَايَةِ . 13047 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يُعْطَى الْعَامِلُونَ عَلَى مَا رَأَى الْإِمَامُ . 13048 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُعْطَى الْعَامِلُونَ بِقَدْرِ عَمَالَتِهِمْ كَانَ دُونَ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ . 13049 - وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا مُؤَلَّفَةَ الْيَوْمَ . 13050 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : أَمَّا الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فَكَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 13051 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ قَدْ سَقَطَ سَهْمُهُمْ ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقٌّ . 13052 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ وَلَاءٍ ، وَلَا يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ مُشْرِكٌ لِيُتَأَلَّفَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَلَا يُعْطَى إِنْ كَانَ مُسْلِمًا إِلَّا إِذَا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ لَا تَكُونُ الطَّاعَةُ لِلْوَالِي قَائِمَةً فِيهَا ، وَلَا يَكُونُ مَنْ يَتَوَلَّى الصَّدَقَةَ قَوِيًّا عَلَى اسْتِخْرَاجِهَا إِلَّا بِالْمُؤَلَّفَةِ أَوْ تَكُونُ بِلَادُ الصَّدَقَةِ مُمْتَنِعَةً بِالْبُعْدِ وَكَثْرَةِ الْأَهْلِ فَيَمْتَنِعُونَ عَنِ الْأَذَى وَيَكُونُوا قَوْمًا لَا يُوثَقُ بِثَبَاتِهِمْ فَيُعْطَوْنَ مِنْهَا الشَّيْءَ عَلَى الِاجْتِهَادِ مِنَ الْإِمَامِ لَا يَبْلُغُ اجْتِهَادُهُ فِي حَالٍ أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلْيَنْقُصْهُمْ مِنْهُ إِنْ قَدِرَ حَتَّى يَقْوَى بِهِمْ عَلَى أَخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَهْلِهَا . 13053 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ مِثْلَهَ . 13054 - وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفِي الرِّقَابِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُعْطَى الْمُكَاتَبُ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَالْعَبْدُ لَا يُعْطَى مِنْهَا مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا وَلَا مِنَ الْكَفَّارَاتِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ مِلْكَ الْعَبْدِ عِنْدَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَلِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُهُ ، هَذَا فِي الْكَفَّارَاتِ . وَأَمَّا فِي الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ فَصَارَ عَبْدًا . 13055 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يُعْتَقُ مِنَ الزَّكَاةِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ ، وَمَنِ اشْتَرَى مِنْ زَكَاتِهِ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَأَعْتَقَهَا كَانَ وَلَاؤُهَا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ . 13056 - وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ . 13057 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الرَّقَبَةَ مِنْ زَكَاتِهِ فَيُعْتِقَهَا عَلَى عُمُومِ الْآيَةِ . 13058 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ : لَا يُجْزِئُ الْعِتْقُ مِنَ الزَّكَاةِ . 13059 - وَمَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمْ وَفِي الرِّقَابِ هُمُ الْمُكَاتَبُونَ ، فَإِنْ أَعْطَى الْمُكَاتَبَ فِي أَخْذِ كِتَابتهِ مَا يَتِمُّ بِهِ عِتْقُهُ كَانَ حَسَنًا ، وَإِنْ أَعْطَاهُ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ ثُمَّ عَجَزَ أَجْزَتْهُ . 13060 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعَانُ الْمُكَاتَبُ . 13061 - وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ . 13062 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الرِّقَابُ الْمُكَاتَبُونَ مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ ، فَإِنِ اتَّسَعَ لَهُمُ السَّهْمُ أُعْطُوا حَتَّى يُعْتَقُوا وَإِنْ دَفَعَ ذَلِكَ الْوَالِي إِلَى مَنْ يُعْتِقُهُمْ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ دَفْعَهُ إِلَيْهِمْ أَجْزَأَهُ . 13063 - وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالْغَارِمِينَ فَقَدْ مَضَى قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ . 13064 - قَالَ الشَّافِعِيُّ الْغَارِمُونَ صِنْفَانِ : صِنْفٌ أَدَانُوا فِي مَصْلَحَةٍ وَمَعْرُوفٍ ، وَصِنْفٌ دَانُوا فِي حَمَالَاتٍ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ ; فَيُعْطَوْنَ مِنْهَا مَا تُقْضَى بِهِ دُيُونُهُمْ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُرُوضٌ تُبَاعُ فِي الدُّيُونِ . 13065 - وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَوَاضِعُ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ . 13066 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : هُمُ الْغُزَاةُ . 13067 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْحَاجِّ الْمُنْقَطِعِ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . 13068 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَهُ الْحَجَّاجُ وَالْعُمَّارُ . 13069 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ : يُعْطَى مِنْهُ مَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ مِنْ جِيرَانِ أَهْلِ الصَّدَقَةِ فَقِيرًا كَانَ أَوْ غَنِيًّا وَلَا يُعْطَى مِنْهُ غَيْرُهُمْ إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الدَّفْعِ عَنْهُمْ فَيُعْطَاهُ مَنْ دَفَعَ عَنْهُمُ الْمُشْرِكِينَ ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ . 13070 - وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَابْنَ السَّبِيلِ فَقَالَ مَالِكٌ : ابْنُ السَّبِيلِ الْمُسَافِرُ فِي طَاعَةٍ ، فَفَقَدَ زَادَهُ ، فَلَا يَجِدُ مَا يُبْلِغُهُ . 13071 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ الْغَازِي ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِهِ . 13072 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : ابْنَ السَّبِيلِ مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ السَّفَرَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَيَعْجَزُونَ عَنْ بُلُوغِ سَفَرِهِمْ إِلَّا بِمَعُونَةٍ عَلَيْهِ . 13073 - وَالْمَعْنَى فِيهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ يَتَفَاوَتُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَدَّى مِنَ الزَّكَاةِ دَيْنُ مَيِّتٍ وَلَا يُكَفَّنُ مِنْهَا ، وَلَا يُبْنَى مِنْهَا مَسْجِدٌ ، وَلَا يُشْتَرَى مِنْهَا مُصْحَفٌ ، وَلَا يُعْطَى لِذِمِّيٍّ وَلَا مُسْلِمٍ غَنِيٍّ . 13074 - وَلَهُمْ فِيمَنْ أَعْطَى الْغَنِيَّ وَالْكَافِرَ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُجْزِئُ ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب أَخْذِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا · ص 183 17 - بَاب أَخْذِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا 603 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ : لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، أَوْ لِغَارِمٍ ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ ؛ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْاجْتِهَادِ مِنْ الْوَالِي ، فَأَيُّ الْأَصْنَافِ كَانَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ وَالْعَدَدُ أُوثِرَ ذَلِكَ الصِّنْفُ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْوَالِي ، وَعَسَى أَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ إِلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ بَعْدَ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ أَوْ أَعْوَامٍ فَيُؤْثَرُ أَهْلُ الْحَاجَةِ وَالْعَدَدِ حَيْثُمَا كَانَ ذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ إِلَّا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ . 17 - بَابُ آخذِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا 604 603 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) مُرْسَلٌ ، وَصَلَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 60 ) ( إِلَّا لِخَمْسَةٍ ) فَتَحِلُّ لَهُمْ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهَا بِوَصْفٍ آخَرَ ، ( لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 60 ) ، ( أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 60 ) ، وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَكُونَ هَاشِمِيًّا ، قِيلَ وَلَا مُطَّلِبِيًّا . ( أَوْ لِغَارِمٍ ) أَيْ مَدِينٍ ، قَالَ تَعَالَى : وَالْغَارِمِينَ ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 60 ) بِشُرُوطٍ فِي الْفُرُوعِ . ( أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ) مِنَ الْفَقِيرِ الَّذِي أَخَذَهَا ( أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ ، ( فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى ) أَيْ أَهْدَاهَا ( الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ ) فَتَحِلُّ لَهُ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا فِيهِ وَفِيمَا قَبِلَهُ ، وَلَهُ جَارٌ خَرَجَ عَلَى جِهَةِ التَّمْثِيلِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ ، فَالْمَدَارُ عَلَى إِهْدَاءِ الصَّدَقَةِ الَّتِي مَلَكَهَا الْمِسْكِينُ لِجَارٍ أَوْ لِغَيْرِهِ ، وَيَأْتِي فِي حَدِيثِ إِهْدَاءِ بَرِيرَةَ لَحْمًا تُصِدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا إِلَى عَائِشَةَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ . وَكَذَلِكَ الْإِهْدَاءُ لَيْسَ بِقَيْدٍ ، فَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : أَوْ جَارٌ فَقِيرٌ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَيُهْدِي لَكَ أَوْ يَدْعُوكَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ مُفَسِّرٌ لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ . وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ لَا تَحِلُّ لِغَيْرِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورِينَ . الْبَاجِيُّ : فَإِنْ دَفَعَهَا لِغَنِيٍّ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ عَالِمًا بِغِنَاهُ لَمْ تُجْزِهِ بِلَا خِلَافٍ ، فَإِنِ اعْتَقَدَ فَقْرَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَضْمَنُ إِنْ دَفَعَهَا لِغَنِيٍّ أَوْ كَافِرٍ ، وَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْهَدِيَّةِ تَحِلُّ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْوَالِي ) الْخَلِيفَةِ أَوْ نَائِبِهِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُعْطِي ، وَفِي مَنْ يُعْطِي مِنَ الْأَصْنَافِ ، فَلَا يَلْزَمُ تَعْمِيمُهُمْ . ( فَأَيُّ الْأَصْنَافِ كَانَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ وَالْعَدَدُ أُوثِرَ ذَلِكَ الصِّنْفُ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْوَالِي ) بِاجْتِهَادِهِ ، ( وَعَسَى أَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ إِلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ بَعْدَ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ أَوْ أَعْوَامٍ ؛ فَيُؤْثَرُ أَهْلُ الْحَاجَةِ وَالْعَدَدِ حَيْثُمَا كَانَ ) وُجِدَ ( ذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ) حَمْلًا لِلْآيَةِ عَلَى أَنَّهَا إِعْلَامٌ بِمَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ ، وَقَدْ قَالَ حُذَيْفَةُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ : إِذَا وَضَعْتَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَكَ . أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا لَهُ بِقَدْرِ عِمَالَتِهِ ، فَدَلَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْسُومَةً عَلَى الْأَصْنَافِ بِالسَّوِيَّةِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هِيَ سَهْمَانِ ، ثَمَانِيَةٌ لَا يُصْرَفُ مِنْهَا سَهْمٌ إِلَى غَيْرِهِ مَا وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَلَّفَةٌ قَسَمَ عَلَى سَبْعَةٍ إِلَّا الْعَامِلَ فَاسْتَحَبَّ أَنْ يُعْطَى ثَمَنًا ، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ : مَا رَضِيَ اللَّهُ بِقِسْمَةِ أَحَدٍ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى قَسَمَهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ . لَكِنْ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْأَفْرِيقِيُّ ، ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ، انْتَهَى . وَالْمُرَجَّحُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ فِي حِفْظِهِ ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا فَلَعَلَّ مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ صَلَاحِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ إِلَّا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ ) أَنَّهُ يُجْزِيهِ فِي عِمَالَتِهِ .