( 19 ) بَابُ فِدْيَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ عِلَّةٍ 643 - ذِكَرَ فِيهِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَبِرَ حَتَّى كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ . فَكَانَ يَفْتَدِي . 14590 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا أَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا . وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَفْعَلَهُ إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَيْهِ . فَمَنْ فَدَى فَإِنَّمَا يُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 14591 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْخَبَرُ بِذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ ، رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ : كَبِرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ حَتَّى كَانَ لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ أَوْ عَامَيْنِ ، فَكَانَ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ . 14592 - وَرَوَى قَتَادَةُ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلَهُ ، قَالَ : كَانَ يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا . 14593 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَنْ أَنَسٍ فِي صِفَةِ إِطْعَامِهِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، وَرُوِيَ عَنْهُ نِصْفُ صَاعٍ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنْهُ كَانَ يَجْمَعُهُمْ فَيُطْعِمُهُمْ فَرُبَّمَا جَمَعَ ثَلَاثَمِائَةِ مِسْكِينٍ فَأَطْعَمَهُمْ وَجْبَةً وَاحِدَةً . وَرُبَّمَا أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ يَتَطَوَّعُ بِذَلِكَ ، وَكَانَ يَصْنَعُ لَهُمُ الْجِفَانَ مِنَ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ . 14594 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ اللَّذَيْنِ لَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ الْإِفْطَارَ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِمَا . 14595 - فَقَالَ مَالِكٌ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي " مُوَطَّئِهِ " . 14596 - وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ قَالَ : قَالَ رَبِيعَةُ فِي الْكَبِيرِ وَالْمُسْتَعْطِشِ : إِذَا أَفْطَرَا إِنَّمَا عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَلَا إِطْعَامَ عَلَيْهِمَا . 14597 - قَالَ أَشْهَبُ : وَقَالَ لِي مَالِكٌ مِثْلَهُ . 14598 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قَالَ : كَانَ مَنْ أَطَاقَ الصِّيَامَ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فَثَبَتَ الْفِدْيَةَ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ أَنْ يُطْعِمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ . 14599 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ وَيَقْدِرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ يَتَصَدَّقُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ . 14600 - قُلْتُهُ خَبَرًا عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيَاسًا عَلَى مَنْ لَمْ يُطِقِ الْحَجَّ أَنَّهُ يَحُجُّ عَنْهُ غَيْرُهُ ، وَلَيْسَ عَمَلُ غَيْرِهِ عَمَلُهُ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا لَيْسَ الْكَفَّارَةُ كَعَمَلِهِ . 14601 - قَالَ : وَالْحَالُ الَّتِي يَتْرُكُ فِيهَا الْكَبِيرُ الصَّوْمَ يُجْهِدُهُ الْجَهْدُ غَيْرُ الْمُحْتَمَلِ . 14602 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ : يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ . 14603 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : أَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا إِذَا كَانَ الصَّوْمُ يُجْهِدُهُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 14604 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ إِلَى قَوْلِهِ : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ 14605 - قَوْلُهُ تَعَالَى : يُطِيقُونَهُ هُوَ الثَّابِتُ بَيْنَ لَوَحْيِ الْمُصْحَفِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي يُقْطَعُ بِصِحَّتِهَا وَيَقْطَعُ الْفَرْدُ بِمَجِيئِهَا . 14606 - وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْعُلَمَاءُ بِتَأْوِيلِهَا . 14607 - قَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : هِيَ مَنْسُوخَةٌ . 14608 - قَالُوا : كَانَ الْمُقِيمُ الصَّحِيحُ الْمُطِيقُ لِلصِّيَامِ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَصُومَ رَمَضَانَ وَبَيْنَ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيِنًا ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ مِنْهُ مَا شَاءَ وَأَطْعَمَ عَمَّا شَاءَ ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ الْآيَةَ فَنَسَخَ بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ . 14609 - وَاخْتَلَفُوا مَعَ هَذَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ . 14610 - فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُطْعِمُ مِسْكِينَيْنِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا مُدًّا أَوْ نِصْفَ صَاعٍ . 14611 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُطْعِمُ مِسْكِينًا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ . 14612 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ أَنْ يَصُومَ مَعَ الْفِدْيَةِ . 14613 - قَالَ : وَالصَّوْمُ مَعَ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : الْآيَةُ . مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ 14614 - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، رَوَاهُ أَيُّوبُ وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 14615 - وَرَوَاهُ يَزِيدُ النَّحْوِيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 14616 - وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . 14617 - وَهُوَ قَوْلُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِيهِ ، وَقَوْلُ عَلْقَمَةَ وَعُبَيْدَةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ . 14618 - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ إِلَّا أَنَّهُمْ فِي قَوْلِهِمْ : إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، مُفْتَرِقُونَ فِرْقَتَيْنِ . 14619 - مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : مَنْسُوخَةٌ جُمْلَةً فِي الشَّيْخِ وَفِي غَيْرِهِ . 14620 - وَمِنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَوْ بَعْضِهِمْ أَنَّ النَّاسَ لَا يَخْلُونَ مِنْ إِقَامَةٍ أَوْ سَفَرٍ وَمِنْ صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ ، فَالصَّحِيحُ الْمُقِيمُ غَيْرُ مُخَيَّرٍ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضًا وَاجِبًا لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَإِقَامَتِهِ بِبَلَدِهِ ، وَالْمُسَافِرُ يُخَيَّرُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَإِنْ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَلَا فِدْيَةَ . وَالْمَرِيضُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَصِحَّتُهُ ، فَهَذَا إِنْ صَحَّ قَضَى مَا عَلَيْهِ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَإِنْ لَمْ يُطْمَعْ لَهُ بِصِحَّةٍ وَلَا قُوَّةٍ كَالشَّيْخِ وَالْعَجُوزِ اللَّذَيْنِ قَدِ انْقَطَعَتْ قُوَّتُهُمَا وَلَا يَطْمَعَانِ أَنْ يَثُوبَا إِلَيْهِمَا حَالٌ يُمَكِّنُهُمَا مِنَ الْقَضَاءِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا مِنْ فِدْيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا . 14621 - هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمَكْحُولٍ الدِّمَشْقِيُّ ، وَرَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ . وَرِوَايَةٌ عَنْ قَتَادَةَ . 14622 - إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ لِلشَّيْخِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْفِدْيَةِ بِالطَّعَامِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا لِمِسْكِينٍ مِنْ قُوتِهِ ، وَلَا يَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاجِبًا عَلَيْهِ . 14623 - وَذَهَبَتِ الْفِرْقَةُ الْأُخْرَى تَقْرَأُ يُطِيقُونَهُ وَتَرَى الْآيَةَ مَنْسُوخَةً إِلَّا أَنَّ النَّسْخَ فِيهَا عَلَى بَعْضِ الْمُطِيقِينَ لِلصَّوْمِ . 14624 - وَهِيَ مَحْكَمَةٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ ، فَقَالُوا : كُلُّ مَنْ طَاقَ الصَّوْمَ فَلَا مَشَقَّةَ تَضُرُّ بِهِ ، فَالصَّوْمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُطِقِ الصَّوْمَ إِلَّا بِجَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ مُضِرَّةٍ بِهِ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . 14625 - قَالُوا : وَذَلِكَ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ ، وَالْعَجُوزِ ، وَالْحَامِلِ ، وَالْمُرْضِعِ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الصِّيَامَ إِلَّا بِجَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ . 14626 - ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ : أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعِكْرِمَةُ . 14627 - وَشُرَيْحٌ كَانَ يُطْعِمُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَصُومُ كَفِعْلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . 14628 - وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، مِنْهُمْ : يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَابْنُ شِهَابٍ فِي رِوَايَةٍ . 14629 - وَهُوَ مَعْنَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ يُطِيقُونَهُ ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ غَيْرُ مُتَنَاقِضَتَيْنِ . 14630 - وَهَذَا شَأْنُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ : يَخْتَلِفُ سَمَاعُهَا وَيَتَّفِقُ مَفْهُومُهَا ; فَقِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ يُطِيقُونَهُ يَعْنِي بِمَشَقَّةٍ ، وَهُوَ بِمَعْنَى يُطَوَّقُونَهُ أَيْ : يَتَكَلَّفُونَهُ ، وَلَا يُطِيقُونَهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ . 14631 - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَصَحُّ ، وَذَلِكَ إِنْ كَانَ يَرَى الْآيَةَ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ خَاصَّةً ، وَقَرَأَهَا مَنْسُوخَةً كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ قَالَ : الْقَضَاءُ بَاقٍ وَنُسِخَ الْخِيَارُ . 14632 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ رَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ . 14633 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ يُرِيدُ : يُطِيقُونَهُ ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ ، وَيَضُرُّ بِهِمْ فَدِيَةٌ طَعَامُ قَالَ : لَوْ أَفْطَرَ هَؤُلَاءِ فِي الْآيَةِ الْمُحْكَمَةِ ، أُلْزِمُوا الْفِدْيَةَ بَدَلًا مِنَ الصَّوْمِ ، كَمَا أُلْزِمَ مَنْ لَا يُطِيقُ الْحَجَّ بِبَدَنِهِ أَنْ يَحُجَّ غَيْرُهُ بِمَالِهِ ، وَكَمَا أَلْزَمَ الْجَمِيعُ الْجَانِيَ عَلَى عُضْوٍ مُخَوِّفٍ الدِّيَةَ بَدَلًا مِنَ الْقِصَاصِ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ 14634 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْأَقْوَالِ يَطُولُ ، وَقَدْ أَكْثَرُوا فِيهَا ، وَالصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْفِدْيَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى مَنْ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبِ الصِّيَامَ عَلَى مَنْ لَا يُطِيقُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ فَرْضًا إِلَّا عَلَى مَنْ أَطَاقَهُ ، وَالْعَاجِزُ عَنِ الصَّوْمِ كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَالْأَعْمَى الْعَاجِزِ عَنِ النَّظَرِ لَا يُكَلِّفُهُ ، وَأَمَّا الْفِدْيَةُ فَلَمْ تَجِبْ بِكِتَابٍ مُجْتَمَعٍ عَلَى تَأْوِيلِهِ ، وَلَا سُنَّةٍ يَفْقَهُهَا مَنْ تَجِبُ الْحُجَّةُ بِفِقْهِهِ ، وَلَا إِجْمَاعٍ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ ، وَلَا عَنْ مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَجِبُ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَالذِّمَّةُ بَرِيئَةٌ . 14635 - قَالُوا : أَحَبُّ أَنْ لَا يُوجَبَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا تَنَازُعَ فِيهِ . وَالِاخْتِلَافُ عَنِ السَّلَفِ فِي إِيجَابِ الْفِدْيَةِ مَوْجُودٌ ، وَالرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُخْتَلِفَةٌ . وَحَدِيثُ عَلِيٍّ أن لَا يَصِحُّ عَنْهُ ، وَحَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَعَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ تَبَرُّعًا وَتَطَوُّعًا ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي الْأَخْبَارِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . 14636 - وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا يَقْرَءُونَ : ( عَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ ) فَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طُرُقٍ ، وَعَنْ عَائِشَةَ ، كَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ مُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَكُلُّهُمْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَحْكَمَةٌ فِي الشَّيْخِ ، وَالْعَجُوزِ ، وَالْحَامِلِ ، وَالْمُرْضِعِ الَّذِينَ يُكَلَّفُونَ الصِّيَامَ وَلَا يُطِيقُونَهُ . وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 14637 - وَمَعْنَى يُطِيقُونَهُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ : يُكَلَّفُونَهُ . 14638 - ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُكَلَّفُونَهُ وَلَا يُطِيقُونَهُ إِلَّا بِجَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ مُضِرَّةٍ ، فَهَؤُلَاءِ جُعِلَتْ عَلَيْهِمُ الْفِدْيَةُ . 14639 - وَهَذَا الْقَوْلُ نَحْوُ مَا قَدَّمْنَا عَنِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ مِمَّنْ قَرَأَ الْقِرَاءَةَ الثَّابِتَةَ فِي الْمُصْحَفِ يُطِيقُونَهُ . 14640 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُكَلَّفُونَهُ وَلَا يُطِيقُونَهُ عَلَى حَالِ النِّيَّةِ ، فَأُلْزَمُوا الْفِدْيَةَ بَدَلًا مِنَ الصَّوْمِ ، وَذَكَرُوا نَحْوَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْحُجَّةِ وَمُعَارَضَاتٍ لَمْ أَرَ لَذِكْرِهَا وَجْهًا ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي الْمُصْحَفِ وَلَا يُقْطَعُ بِهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا مَجْرَاهَا مَجْرَى أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ فِي الْأَحْكَامِ . 14641 - وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى مَا عَنْهُ سَكَتْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .
الشروح
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثاربلاغ مالك أن أنس كبر حتى كان لا يقدر على الصيام فكان يفتدي · ص 211 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثاربلاغ مالك أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل فقال تفطر وتطعم · ص 221 14642 - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ : 644 - أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ ، إِذَا خَافَتَ عَلَى وَلَدِهَا وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا الصِّيَامُ قَالَ : تُفْطِرُ ، وَتُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 14643 - قَالَ مَالِكٌ : وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ عَلَيْهَا الْقَضَاءَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مَرَضًا مِنَ الْأَمْرَاضِ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا . 14644 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِمَا ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ، فَقَدْ رَوَاهُ : حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ : يُفْطِرَانِ ، وَتُطْعِمَانِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا لِمِسْكِينٍ . 14645 - وَمَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الْحَامِلُ إِذَا خَشِيَتْ عَلَى نَفْسِهَا فِي رَمَضَانَ تُفْطِرُ وَتُطْعِمُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا . 14646 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَطَائِفَةٍ . 14647 - قَالَ : إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : وَالَّذِي أَذْهَبَ إِلَيْهِ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا اتِّبَاعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ . 14648 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَعِكْرِمَةُ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ ، أَنَّهُمَا تُفْطِرَانِ ، وَتُطْعِمَانِ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا . 14649 - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : خَمْسَةٌ لَهُمُ الْفِطْرُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ : الْمَرِيضُ ، وَالْمُسَافِرُ ، وَالْحَامِلُ ، وَالْمُرْضِعُ ، وَالْكَبِيرُ . فَثَلَاثَةٌ عَلَيْهِمُ الْفِدْيَةُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ : الْحَامِلُ ، وَالْمُرْضِعُ ، وَالْكَبِيرُ . 14650 - قَالَ الْوَلِيدُ : فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَبِي عَمْرٍو - يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ - فَقَالَ : الْحَمْلُ وَالرَّضَاعُ عِنْدَنَا مَرَضٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ ، تَقْضِيَانِ وَلَا إِطْعَامَ عَلَيْهِمَا . 14651 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَعَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَاللَّيْثِ ، وَالطَّبَرِيِّ . وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُرْضِعِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي الْحَامِلِ ، وَالثَّالِثُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَالْإِطْعَامُ مَعًا . 14652 - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ جَمَعَ عَلَيْهِمَا الْأَمْرَيْنِ : الْقَضَاءَ ، وَالْإِطْعَامَ ، إِلَّا مُجَاهِدًا . 14653 - قَالَ : وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ عَنْهُمَا . وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهَا : الْإِطْعَامُ وَلَا قَضَاءَ . 14654 - وَيَقُولُ مُجَاهِدٌ فِي جَمْعِ الْقَضَاءِ وَالْإِطْعَامِ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ عَنْهُ ، وَرَوَى عَنْهُ الْبُوَيْطِيُّ أَنَّ الْحَامِلَ لَا إِطْعَامَ عَلَيْهَا ، وَهِيَ كَالْمَرِيضِ تَقْضِي عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . 14655 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ . 14656 - قَالَ أَحْمَدُ : الْحَامِلُ إِذَا خَافَتْ عَلَى جَنِينِهَا ، وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا وَأَطْعَمَتَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا . 14657 - قَالَ : وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكَبَرٍ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا . 14658 - وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ . 14659 - قَالَ مَالِكٌ : الْحَامِلُ كَالْمَرِيضِ تُفْطِرُ وَتَقْضِي ، وَلَا إِطْعَامَ عَلَيْهَا ، وَالْمُرْضِعُ تُفْطِرُ وَتَقْضِي ، وَتُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ . 14660 - وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ الْآخَرَ فِي الْمُرْضِعِ . 14661 - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : إِنَّ الْإِطْعَامَ فِي الْمُرْضِعِ اسْتِحْبَابٌ . 14662 : قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْفُقَهَاءُ فِي الْإِطْعَامِ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي سَائِرِ أَبْوَابِ الصِّيَامِ وَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ - عَلَى أُصُولِهِمْ ، كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ ، وَالْإِطْعَامُ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ نِصْفُ صَاعٍ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب فِدْيَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ عِلَّةٍ · ص 284 19 - بَاب فِدْيَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ عِلَّةٍ 679 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَبِرَ حَتَّى كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ فَكَانَ يَفْتَدِي . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا أَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَفْعَلَهُ إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَيْهِ ، فَمَنْ فَدَى فَإِنَّمَا يُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 19 - بَابُ فِدْيَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ عِلَّةٍ 685 679 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَبِرَ ) بِكَسْرِ الْبَاءِ أَسَنَّ ، ( حَتَّى كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ ) فِي زَمَنٍ مِنَ الْأَزْمَانِ أَصْلًا ، ( فَكَانَ يَفْتَدِي ) يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ، وَرُوِيَ : مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، وَرُوِيَ : نِصْفَ صَاعٍ ، وَرُبَّمَا أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ يَتَطَوَّعُ بِذَلِكَ ، وَرُبَّمَا جَمَعَ ثَلَاثَمِائَةِ مِسْكِينٍ فَأَطْعَمَهُمْ وَجْبَةً وَاحِدَةً ، وَكَانَ يَضَعُ لَهُمُ الْجِفَانَ من الخبز وَاللَّحْمَ ، حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَلَا أَرَى ذَلِكَ ) الْإِطْعَامَ ( وَاجِبًا وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَفْعَلَهُ إِذَا كَانَ قَوِيًّا ) أَيْ قَادِرًا عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَجَزَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، ( فَمَنْ فَدَى ) لِتَحْصِيلِ الْمُسْتَحَبِّ ( فَإِنَّمَا يُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، الْحَصْرُ مُنْصَبٌّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِمَنْ عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ أَيْ أَنَّهُ إِذَا أَطْعَمَ الْمُدَّ أَتَى بِالْمُسْتَحَبِّ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ إِنْ أَطْعَمَ أَكْثَرَ أَتَى بِهِ وَزِيَادَةً ، وَقِيلَ : إِطْعَامُ الْمُدِّ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الصَّوْمِ كَمَا أَلْزَمَ الْجَمِيعُ الْجَانِيَ عَلَى عُضْوٍ مَخُوفٍ الدِّيَةَ بَدَلًا مِنَ الْقِصَاصِ مِنْ قَوْلِهِ : وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 45 ) ، وَالصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ : أَنَّ الْفِدْيَةَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبْهُ عَلَى مَنْ لَا يُطِيقُهُ ، وَالْفِدْيَةُ لَمْ تَجِبْ بِكِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَجِبُ إِلَّا بِهَذِهِ الْوُجُوهِ وَالذِّمَّةُ بَرِيَّةٌ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب فِدْيَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ عِلَّةٍ · ص 284 680 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ إِذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا الصِّيَامُ قَالَ : تُفْطِرُ وَتُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ مَالِكٌ : وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ عَلَيْهَا الْقَضَاءَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مَرَضًا مِنْ الْأَمْرَاضِ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا . 685 680 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ إِذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا ) هَلَاكًا وَشَدِيدَ أَذًى ( وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا الصِّيَامُ ، قَالَ : تُفْطِرُ وَتُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنَ الْحِنْطَةِ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَبِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : نِصْفَ صَاعٍ ( قَالَ مَالِكٌ : وَأَهْلُ الْعِلْمِ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( يَرَوْنَ عَلَيْهَا الْقَضَاءَ ) فَقَطْ بِلَا إِطْعَامٍ خِلَافًا لِابْنِ عُمَرَ ( كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَبَيَّنَ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ : ( وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مَرَضًا مِنَ الْأَمْرَاضِ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا ) فَدَخَلَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَلَيْسَ فِيهَا إِطْعَامٌ بِخِلَافِ الْمُرْضِعِ الْخَائِفَةِ عَلَى وَلَدِهَا فَتَقْضِي وَتُطْعِمُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ أَقْوَالِ مَالِكٍ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ مُرَادَهُ هُنَا أَنَّهُمْ يَرَوْنَ عَلَى الْحَامِلِ الْقَضَاءَ مَعَ الْإِطْعَامِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَزَاهُ لِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ مَالِكٌ فِي قَوْلِ : فَهِيَ كَالْمُرْضِعِ ، وَثَالِثُ أَقْوَالِهِ : يُطْعِمَانِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا ، وَقِيلَ : يَقْضِيَانِ وَلَا طَعَامَ ، وَمَحَلُّهَا فِي خَوْفِهِمَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا ، أَمَّا إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَلَا فِدْيَةَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ إِلَّا عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى الْمَرِيضِ .