705 حَدِيثٌ رَابِعٌ لِحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : إِنِّي أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي رَمَضَانَ ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ ، فَرُفِعَتْ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ . هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ ، لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ . وَفِيهِ عَنْ أَنَسٍ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ لِأَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ ، فَقَالَ : إِنِّي خَرَجْتُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : فَرُفِعَتْ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا : فَرُفِعَتْ ، وَهِيَ لَفْظَةٌ مَحْفُوظَةٌ عِنْدَ الْحُفَّاظِ فِي حَدِيثِ حُمَيْدٍ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ . وَالْأَظْهَرُ مِنْ مَعَانِيهِ أَنَّهُ رُفِعَ عِلْمُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَنْهُ فَأُنْسِيَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلِمَهَا ، وَلَمْ تُرْفَعْ رَفْعًا ، لَا تَعُودُ بَعْدَهُ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍ أَنَّهَا فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَأَنَّهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : فَالْتَمِسُوهَا ، إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ - الْتَمِسُوهَا فِي سَائِرِ الْأَعْوَامِ ، أَوْ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، فَإِنَّهَا رُفِعَتْ فِي هَذَا الْعَامِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رُفِعَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ ، ثُمَّ تَعُودُ فِيهِ فِي غَيْرِهَا ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا لَيْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ ، لَا تَعْدُوهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ سَبَبُ رَفْعِ عِلْمِهَا عَنْهُ مَا كَانَ مِنَ التَّلَاحِي بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْمُلَاحَاةُ فَهِيَ التَّشَاجُرُ وَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ وَالْمُرَاجَعَةُ بِالْقَوْلِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ عَلَى حَالِ الْغَضَبِ ، وَذَلِكَ شُؤْمٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا وَعَنِ الْمِرَاءِ أَشَدَّ النَّهْيِ . وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : نَهَانِي رَبِّي عَنْ مُلَاحَاةِ الرِّجَالِ . وَقَالَ : الْمُلَاحَاةُ السَّبُّ ، يُقَالُ : تَلَاحَيَا إِذَا اسْتَبَّا ، وَلَحَانِي أَسْمَعَنِي مَا أَكْرَهُ مِنْ قَبِيحِ الْكَلَامِ . وأنشد : أَلَا أَيُّهَا اللَّاحِي بِأَنْ أَحْضُرَ الْوَغَى وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي وَقَدْ يُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى غَيْرِ هَذَا : أَلَّا أَيُّهَا ذَا اللَّائِمِي أَحْضُرُ الْوَغَى وَمِنْ شُؤْمِ الْمُلَاحَاةِ أَنَّهُمْ حُرِمُوا بَرَكَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، وَهَذَا مِمَّا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، وَلَمْ يُحْرَمُوهَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنَعَهُمُ الْإِخْبَارَ بِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَأْدِيبًا لَهُمْ فِي الْمُلَاحَاةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اشْتَغَلَ بَالُهُ بِتَشَاجُرِهُمَا فَنَسِيَهَا . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ مَنْصُوصًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الْعَشْرَ الْأَوَاسِطَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَهُوَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ ، فَلَمَّا انْقَضِينَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ ، يَعْنِي فَرَفَعَ ، فَأُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَعَادَ الْبِنَاءَ وَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، فَخَرَجْتُ أُخْبِرُكُمْ بِهَا ، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ وَمَعَهُمَا الشَّيْطَانُ فَنَسِيتُهَا ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي السَّابِعَةِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي الْخَامِسَةِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَسَكَتَ سَاعَةً ، فَقَالَ : لَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ مَا قُلْتُ آنِفًا وَأَنَا أَعْلَمُهَا ، أَوْ إِنِّي لَأَعْلَمُهَا ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَاسْتَقَامَ مَلَأُ الْقَوْمِ عَلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ تَاسِعَةٌ تَبْقَى ، يَعْنُونَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَسَابِعَةٌ تَبْقَى لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَخَامِسَةٌ تَبْقَى لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ أَبِي زَنْبَرٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ : مَا وَجْهُ تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ ، فَقَالَ : أَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّاسِعَةِ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَالسَّابِعَةِ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَبِالْخَامِسَةِ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ . وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ مَشْرِقِيٌّ ، لَا أَعْلَمُهُ . وَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَا وَصَفْتُ لَكَ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مَنْصُوصًا مِثْلَ قَوْلِهِمْ هَذَا ، وَبِتَقْدِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ التَّاسِعَةَ عَلَى السَّابِعَةِ وَالسَّابِعَةَ عَلَى الْخَامِسَةِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى ، وَفِي سَابِعَةٍ تَبْقَى ، وَفِي خَامِسَةٍ تَبْقَى . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَيُّوبُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ مَعْمَرٌ . وَرَوَى أَبُو نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ . قَالَ : قُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا ، قَالَ : أَجَلْ ، قُلْتُ : مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ ؟ قَالَ : إِذَا مَضَتْ إِحْدَى وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا التَّاسِعَةُ ، وَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ ، وَإِذَا مَضَتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ . ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ . هَكَذَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ مُرَاعَاةُ الَّتِي تَلِيهَا ، وَذَلِكَ الْأُولَى مِنَ التِّسْعِ الْبَوَاقِي ، وَالْأُولَى مِنَ السَّبْعِ الْبَوَاقِي ، وَالْأُولَى مِنَ الْخَمْسِ الْبَوَاقِي ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ كَمَالَ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَهُوَ الْأَصْلُ وَالْأَغْلَبُ ، وَمَا خَالَفَهُ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِنُزُولِهِ ، لَا بِأَصْلِهِ . وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ كَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَابِعَةٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ أَنَّهَا فِي لَيْلَةِ سَابِعَةٍ ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا مِنْكُمْ فَلْيَتَحَرَّهَا فِي لَيْلَةِ سَابِعَةٍ . قَالَ مَعْمَرٌ : فَكَانَ أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَيَمَسُّ طِيبًا . قَوْلُهُ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَضِيلَةٌ لَا فَرِيضَةٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ هَذَا التَّاسِعَةَ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَالسَّابِعَةَ مِنْهُ ، وَالْخَامِسَةَ مِنْهُ ، يَعْنُونَ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، قَالُوا : فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ التَّاسِعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ السَّابِعَةُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، قَالُوا : وَلَيْسَ فِي تَقْدِيمِهِ لَهَا فِي لَفْظِهِ وَعَطْفِهِ بِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمٍ ، وَلَا تَأْخِيرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَا قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَاسِعَةً تَبْقَى وَسَابِعَةً تَبْقَى وَخَامِسَةً تَبْقَى يَقْضِي لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي اللَّيَالِي الَّتِي تَكُونُ وِتْرًا ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِقَالِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي كُلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَرُبَّمَا كَانَتْ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَرُبَّمَا كَانَتْ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَرُبَّمَا كَانَتْ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَرُبَّمَا كَانَتْ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ . وَقَوْلُهُ فِي كُلِّ وِتْرٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وِتْرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَفِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ ، وَفِي لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ . وَهِيَ كُلُّهَا صِحَاحٌ ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَمِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا ; لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا فِي بَابِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ مَشْهُورٌ ، رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَمَاعَةٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ فَهُوَ مَشْهُورٌ وَأَكْثَرُ مَا يَأْتِي مُنْقَطِعًا ، وَقَدْ وَصَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ سَالِمٍ مِنْ كِتَابِنَا ، هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَرَوَى عَبَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : كَمِ اللَّيْلَةُ ؟ ، قَالَ : اثْنَانِ وَعِشْرُونَ ، قَالَ : هِيَ اللَّيْلَةُ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : أَوِ الْقَابِلَةُ ، يُرِيدُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كَوْنِهَا لَيْلَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا كَذَلِكَ جَازَ أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ وِتْرٍ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ . ذَكَرَ مَعْمَرٌ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ ، يَقُولُ : نَظَرْتُ الشَّمْسَ عِشْرِينَ سَنَةً فَرَأَيْتُهَا تَطْلُعُ صَبَاحَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ . وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ ، عَنْ بِلَالٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ . وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى ذَلِكَ الْعَامِ ، وَمُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ فِي مَثَلِهِ بَعْدُ ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ بِلَا شَكٍّ ، وَسَتَرَى ذَلِكَ فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَجْتَهِدُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَفِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْتِي فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ ، وَفِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ قِصَّةُ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ تَأْتِي فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَتَحَرَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . وَالثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ صَبِيحَةَ بَدْرٍ ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، فَهَذَا عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَدْ جَازَ عِنْدَهُمَا أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَوْلُهُ هَذَا مَرْفُوعًا ، رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : اطْلُبُوهَا لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ، وَلَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَلَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ سَكَتَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرِدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ ، عَنْ أَبِي الصَّلْتِ ، عَنْ أَبِي عَقْرَبٍ الْأَسَدِيِّ ، قَالَ : أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ ، فَوَجَدْنَاهُ فَوْقَ الْبَيْتِ ، قَالَ : فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَلَمَّا نَزَلَ ، قُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَ : فَقَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي النِّصْفِ مِنَ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ بَيْضَاءَ ، لَا شُعَاعَ لَهَا فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ فَرَأَيْتُهَا كَمَا حَدَّثْتَ فَكَبَّرْتُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو الصَّلْتِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مَجْهُولٌ ، وَإِسْنَادُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَبُو عَقْرَبٍ الْأَسَدِيُّ اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ ، لَهُ صُحْبَةٌ ، وَهُوَ وَالِدُ نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ فَمَعْنَاهُ : لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَالْتَمِسُوهَا فِي تِسْعٍ فِي كُلِّ وِتْرٍ . فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْعَامِ ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ خِلَافٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عُمَرَ اخْتُلِفَ فِي أَلْفَاظِهِ ، فَلَفْظُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ غَيْرُ لَفْظِ نَافِعٍ ، وَلَفْظُ نَافِعٍ غَيْرُ لَفْظِ سَالِمٍ ، وَمَعْنَاهَا مُتَقَارِبٌ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْغَوَابِرِ ، أَوِ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، قَالَ : قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ، فَإِنَّ صَاحِبَنَا سُئِلَ عَنْهَا ، فَقَالَ : مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا ، فَقَالَ : رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ . زَادَ مُسَدَّدٌ : وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يَتَّكِلُوا ، أَوْ أَحَبَّ أَنْ لَا يَتَّكِلُوا . ثُمَّ اتَّفَقَا : وَاللَّهِ إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، لَا يُسْتَثْنَى ، قُلْتُ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ، أَنَّى عَلِمْتَ ذَلِكَ ؟ ، قَالَ : بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، قُلْتُ لِزِرٍّ : مَا الْآيَةُ ؟ قَالَ : تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِثْلَ الطَّسْتِ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا تَرَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، وَالَّذِي تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْهُ بِأَقْوَى مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ قَالَ : تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . وَأَظُنُّهُ أَرَادَ بِمَا حَكَى عَنْهُ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ الِاجْتِهَادَ فِي الْعَمَلِ سَائِرَ الْعَامِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَرْبَعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهَا فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا . وَذَكَرَ الْجَوْزَجَانِيُّ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا . كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ : هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَى سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ . وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ رُوَاةِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا : هِيَ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ . وَجَاءَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ : أَرُفِعَتْ ؟ قَالَ : بَلْ هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ . وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْنَسَ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : زَعَمُوا أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَدْ رُفِعَتْ ، قَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، قَالَ : قُلْتُ : فَهِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ أَسْتَقْبِلُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ يَأْتِي . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ ، قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ الْحَسَنَ وَأَنَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، أَرَأَيْتَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، أَفِي كُلِّ رَمَضَانَ هِيَ ؟ ، قَالَ : إِي وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، إِنَّهَا لَفِي كُلِّ رَمَضَانَ ، إِنَّهَا لَلَيْلَةٌ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ، فِيهَا يَقْضِي اللَّهُ كُلَّ خَلْقٍ وَأَجَلٍ وَرِزْقٍ وَعَمِلٍ إِلَى مِثْلِهَا . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَالِكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَجَدُوا عَلَى عُمَرَ فِي إِدْنَائِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ دُونَهُمْ ، قَالَ : وَكَانَ يَسْأَلُهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَمَا إِنِّي سَأُرِيكُمُ الْيَوْمَ مِنْهُ شَيْئًا فَتَعْرِفُونَ فَضْلَهُ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا قَالَ بَعْضُهُمْ : أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إِذَا رَأَى النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا جَاءَ يَحْمَدُهُ وَيَسْتَغْفِرُهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، أَلَا تَكَلَّمُ ، فَقَالَ : أَعْلَمَهُ مَتَى يَمُوتُ ، إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَالْمَوْتُ آتِيكَ ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا قَالَ : ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كُنَّا نَرَاهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاسِطِ ، ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، أَلَا تَكَلَّمُ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : قَدْ نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ، وَإِنَّمَا نَسْأَلُكَ عَنْ عِلْمِكَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ، خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فَاسْتَوَى عَلَيْهِنَّ ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ سَبْعًا ، وَجَعَلَ عِدَّةَ الْأَيَّامِ سَبْعًا ، وَرَمْيَ الْجِمَارَ سَبْعًا ، وَخَلْقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ ، وَجَعَلَ رِزْقَهُ مِنْ سَبْعٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : خَلَقَ الْإِنْسَانَ مَنْ سَبْعٍ وَجَعَلَ رِزْقَهُ مِنْ سَبْعٍ ، هَذَا أَمْرٌ مَا فَهِمْتُهُ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا حَتَّى بَلَغَ آخِرَ الْآيَاتِ وَقَرَأَ : أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا إِلَى : ( وَلِأَنْعَامِكُمْ ) ، ثُمَّ قَالَ : وَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ . قَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : ذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، يَعْنِي فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : وَمَا أَعْجَبَكَ ؟ سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ يَسْأَلُنِي مَعَ الْأَكَابِرِ مِنْهُمْ ، وَكَانَ يَقُولُ : لَا تَكَلَّمْ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا ، قَالَ : لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ : فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ : اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وِتْرًا ، فَفِي أَيِّ الْوِتْرِ ؟ فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ فِي الْوِتْرِ ، فَقَالَ : مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ : إِنْ شِئْتَ تَكَلَّمْتُ ، قَالَ : مَا دَعَوْتُكَ إِلَّا لِتَتَكَلَّمَ ، فَقُلْتُ : رَأَيْتُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ السَّبْعِ ، فَذَكَرَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا وَالطَّوَافَ سَبْعًا وَالْجِمَارَ سَبْعًا ، وَذَكَرَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ ، وَجَعَلَ رِزْقَهُ فِي سَبْعَةٍ ، قَالَ : كُلُّ مَا ذَكَرْتَ قَدْ عَرَفْتُهُ ، فَمَا قَوْلُكَ : خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعَةٍ وَجَعَلَ رِزْقَهُ فِي سَبْعَةٍ ؟ قَالَ : خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَالَ : ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ قَرَأَتُ : أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا وَالْأَبُّ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِمَّا لَا يَأْكُلُ النَّاسُ ، وَمَا أَرَاهَا إِلَّا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ لِسَبْعٍ يَبْقَيْنَ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَعْيَيْتُمُونِي أَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعُ شُئُونُ رَأْسِهِ . أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : مَنْ قَامَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَقَدْ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ يَقُولُ : مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا ، فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَعَاصِمٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا عِكْرِمَةَ ، يَقُولُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : دَعَا عُمَرُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَاجْتَمَعُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقُلْتُ لِعُمَرَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ ، أَوْ إِنِّي لَأَظُنُّ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ ، قَالَ : عُمَرُ : فَأَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ ؟ فَقُلْتُ : سَابِعَةٌ تَمْضِي ، أَوْ سَابِعَةٌ تَبْقَى مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَقَالَ عُمَرُ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ذَلِكَ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقُلْتُ : خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعَ أَرَضِينَ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ ، وَإِنَّ الدَّهْرَ يَدُورُ عَلَى سَبْعٍ ، وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ سَبْعٍ وَيَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ وَيَسْجُدُ عَلَى سَبْعٍ وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ سَبْعٌ وَرَمْيُ الْجِمَارِ سَبْعٌ ، لِأَشْيَاءَ ذَكَرَهَا ، قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : لَقَدْ فَطِنْتَ لِأَمْرٍ مَا فَطِنَّا لَهُ . وَكَانَ قَتَادَةُ يَزِيدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : يَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ ، قَالَ : هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا الْآيَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : دَعَا عُمَرُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَأَجْمَعُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّهُ ; لِأَنَّ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ سَكَنَ الْقَلْبُ إِلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ النَّفْسُ أَمْيَلُ إِلَى أَنَّهَا فِي الْأَغْلَبِ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، أَوْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّهَا سَابِعَةٌ تَمْضِي ، أَوْ سَابِعَةٌ تَبْقَى . وَأَكْثَرُ الْآثَارِ الثَّابِتَةِ الصِّحَاحِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي كُلِّ مَا أَوْرَدْنَا مِنَ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا عَلَامَةَ لَهَا فِي نَفْسِهَا تُعْرَفُ بِهَا مَعْرِفَةً حَقِيقِيَّةً كَمَا تَقُولُ الْعَامَّةُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : كَانَ أَسْأَلَ النَّاسِ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ كَانَتْ تَكُونُ عَلَى عَهْدِ الْأَنْبِيَاءِ ، فَإِذَا ذَهَبُوا رُفِعَتْ ؟ قَالَ : ( لَا ، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) . قَلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَخْبِرْنَا بِهَا ، قَالَ : ( لَوْ أُذِنَ لِي فِيهَا لَأَخْبَرْتُكُمْ ، وَلَكِنِ الْتَمِسُوهَا فِي إِحْدَى السَّبْعَيْنَ ، ثُمَّ لَا تَسْأَلْنِي عَنْهَا بَعْدَ مَقَامِكَ وَمَقَامِي ) ، ثُمَّ أَخَذَ فِي حَدِيثٍ ، فَلَمَّا انْبَسَطَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا حَدَّثْتَنِي بِهَا ، فَغَضِبَ عَلَيَّ غَضْبَةً لَمْ يَغْضَبْ عَلَيَّ قَبْلَهَا مِثْلَهَا ، وَلَا بَعْدَهَا مِثْلَهَا . هَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالِكُ بْنُ مَرْثَدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ يُقِمِ الْأَوْزَاعِيُّ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا سَاقَهُ سِيَاقَةَ أَهْلِ الْحِفْظِ لَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ مَرْثَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي مَرْثَدٌ ، قَالَ : سَأَلَتُ أَبَا ذَرٍّ ، قُلْتُ : كُنْتُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : أَنَا كُنْتُ أَسْأَلَ النَّاسِ عَنْهَا ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ هِيَ أَمْ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : بَلْ هِيَ فِي رَمَضَانَ ، قُلْتُ : تَكُونُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا كَانُوا ، فَإِذَا قُبِضُوا رُفِعَتْ ؟ قَالَ : بَلْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قُلْتُ : فِي أَيِّ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ وَالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، لَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا ، ثُمَّ حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ وَحَدَّثَ ، ثُمَّ اهْتَبَلْتُ غَفْلَتَهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي فِي أَيِّ الْعِشْرِينَ هِيَ ؟ قَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْأَوَاخِرِ ، لَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا ، ثُمَّ حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ وَحَدَّثَ ، ثُمَّ اهْتَبَلْتُ غَفْلَتَهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ لَمَا أَخْبَرْتَنِي فِي أَيِّ الْعَشْرِ هِيَ ؟ فَغَضِبَ غَضَبًا مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ مِثْلَهُ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ عِكْرِمَةُ : كَلِمَةً لَمْ أَحْفَظْهَا ، ثُمَّ قَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْبَوَاقِي ، لَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا . فَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ ، وَأَنَّهَا أَحْرَى أَنْ تَكُونَ فِي الْعَشْرِ ، وَفِي السَّبْعِ الْبَوَاقِي . وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وَقَالَ : إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ أَنْ تَكُونَ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . لَكِنَّهَا فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ ، أَوِ السَّبْعِ الْبَوَاقِي تَكُونُ أَكْثَرَ ، عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثَارُ . وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا لَيْلَةٌ عَظِيمٌ شَأْنُهَا وَبَرَكَتُهَا ، وَجَلِيلٌ قَدْرُهَا ، هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، تُدْرِكُ فِيهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ مَا فَاتَهُمْ مِنْ طُولِ أَعْمَالِ مَنْ سَلَفَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ فِي الْعَمَلِ ، وَالْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا . نَسْأَلُ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ أَنْ يُوَفِّقَنَا لَهَا ، وَأَنْ لَا يَحْرِمَنَا خَيْرَهَا آمِينَ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا . فَسُبْحَانَ الْمُتَفَضِّلِ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ الْمَنَّانُ الْمُفَضِّلُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الرَّابِعُ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ · ص 200 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ · ص 372 حَدِيثٌ ثَالِثٌ وَأَرْبَعُونَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَلَّا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ يُرْوَى مُسْنَدًا مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَلَا أَعْرِفُهُ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا وَلَا مُسْنَدًا ، وَهَذَا أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مَالِكٌ ، وَلَكِنَّهَا رَغَائِبٌ وَفَضَائِلٌ ، وَلَيْسَتْ أَحْكَامًا ، وَلَا بَنَى عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ وَلَا فِي مُوَطَّئِهِ حُكْمًا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفِّرٍ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنِيِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدَانَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي ، مَنْ قَامَهُنَّ ابْتِغَاءَ حِسْبَتِهِنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَهِيَ لَيْلَةُ تِسْعٍ ، أَوْ سَبْعٍ ، أَوْ خَامِسَةٌ ، أَوْ ثَالِثَةٌ ، أَوْ آخِرُ لَيْلَةٍ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا صَافِيَةٌ بَلْجَاءُ كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا ، سَاكِنَةٌ لَا بَرْدَ فِيهَا ، وَلَا حَرَّ ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يرْمى بِهِ فِيهَا حَتَّى يُصْبِحَ ، وَإِنَّ أَمَارَةَ الشَّمْسِ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ فِيهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَلَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَبَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ لَيْسَ بِمَتْرُوكٍ ، بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجِلَّةِ ، وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّامِيِّينَ ، وَلَكِنَّهُ يَرْوِي عَنِ الضُّعَفَاءِ ، وَأَمَّا حَدِيثُهُ هَذَا ، فَمِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ بَلَدِهِ ، وَأَمَّا إِذَا رَوَى عَنِ الضُّعَفَاءِ ، فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا رَوَاهُ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا إِنَّمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا يَدْفَعُهُ أَصْلٌ ، وَفِيهِ تَرْغِيبٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ صَحِيحِ الْأَثَرِ ، وَمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ مَا يَشْفِي ، وَيَكْفِي فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ · ص 381 حَدِيثٌ سَادِسٌ وَأَرْبَعُونَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ مَالِكٌ ، أنه بلغه أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ بِالسَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ . هَكَذَا رَوَى يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَتَابَعَهُ قَوْمٌ ، وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَذَكَرُوا الْحَدِيثَ مِثْلَهُ سَوَاءٌ ، هُوَ مَحْفُوظٌ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَمَحْفُوظٌ أَيْضًا لِمَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا : حَدَّثَنَا مُسْلِمَةُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رِزْقٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ الْبَهْزَانِيُّ الْبَصْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأوَاخِرِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرُّؤْيَا أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ أَنَّهَا لَيْلَةُ السَّابِعَةِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ السَّابِعَةِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ مُمَهَّدًا مَبْسُوطًا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، عند ذَكَرَ حَدِيثَ حُمَيْدٍ الطَّوِيلَ ، عَنْ أَنَسٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْقَلْزَمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَارُودِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يَقُولُ : لَوْلَا سُفَهَاؤُكُمْ لَوَضَعْتُ يَدي فِي أُذُنِي ثُمَّ نَادَيْتُ : أَلَا إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ قَبْلَهَا ثَلَاثٌ ، وَبَعْدَهَا ثَلَاثٌ ، نَبَأُ مَنْ لَمْ يَكْذِبْنِي ، عَنْ نَبَأِ مَنْ لَمْ يَكْذِبْهُ ، يَعْنِي بِهِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أنس إني أريت هذه الليلة في رمضان فالتمسوها في التاسعة وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ · ص 331 705 666 - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، فَقَالَ : إنِّي أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي رَمَضَانَ ، حَتَّى تَلَاحَى رَجُلَانِ ; فَرُفِعَتْ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ . 15101 - هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ . 15102 - وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ حُمَيْدٍ كَأَنَّهُمْ قَرَؤوهُ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ . 15103 - أَخْبَرَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ ، فَقَالَ : إِنِّي خَرَجْتُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ ، وَالسَّابِعَةِ ، وَالْخَامِسَةِ . 15104 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ ، كُلُّهُمْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عُبَادَةَ . 15105 - وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : وَهِمَ فِيهِ مَالِكٌ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ حُمَيْدٍ وَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَحُمَيْدٍ عِلْمٌ كَعِلْمِهِ بِمَشْيَخَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 15106 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ هَذَا فَرُفِعَتْ وَهُوَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رَسُولُهُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ ، وَالْأَظْهَرُ مِنْ مَعَانِيهِ أَنَّهُ رُفِعَ عِلْمُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَنْهُ فَأُنْسِيَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلِمَهَا ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ تَلَاحِي الرَّجُلَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 15107 - وَالْمُلَاحَاةُ : الْمِرَاءُ ، وَالْمِرَاءُ لَا تُؤْمَنُ فِتْنَتُهُ وَلَا تُفْهَمُ حِكْمَتُهُ ، وَمِنْ تَقَدُّمِ الْمُلَاحَاةِ أَنَّهُمْ حُرِمُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، وَلَمْ يُحْرَمُوهَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالْخَامِسَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 15108 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فِي التَّاسِعَةِ فَإِنَّهُ أَرَادَ تَاسِعَةً تَبْقَى وَهِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَقَوْلُهُ : وَالسَّابِعَةِ السَّابِعَةُ تَبْقَى ، وَهِيَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَ الْخَامِسَةِ يُرِيدُ الْخَامِسَةَ تَبْقَى وَهِيَ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ . 15109 - وَهَذَا عَنِ الْأَغْلَبِ : فِي أَنَّ الشَّهْرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَهُوَ الْأَصْلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ وَ ثَلَاثُونَ وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى بِالْآثَارِ وَالشَّوَاهِدِ فِي التَّمْهِيدِ . 15110 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرَيْنِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَفِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . وَفِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ ، وَهِيَ كُلُّهَا صِحَاحٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِقَالِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي الْوَتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْأَغْلَبِ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَلَا أَنْ تكُونَ فِي غَيْرِ الْوَتْرِ . 15111 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وَتْرٍ . 15112 - وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، وَمُسَدَّدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، قَالَ : قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ؛ فَإِنَّ صَاحِبَنَا سُئِلَ عَنْهَا ، فَقَالَ : مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا ، فَقَالَ : رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا ، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ لَا يَسْتَثْنِي ، قُلْتُ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ، أَنّى عَلِمْتَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ : مَا الْآيَةُ ؟ قَالَ : تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِثْلَ الطَّسْتِ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ . 15113 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّهَا تَكُونُ فِي غَيْرِ الْوَتْرِ فَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ؟ فَقَالَ : كَمِ اللَّيْلَةُ ؟ قُلْتُ : اثْنَانِ وَعِشْرُونَ . قَالَ : هِيَ اللَّيْلَةُ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : أَوِ الْقَابِلَةُ يُرِيدُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ . 15114 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كَوْنِهَا لَيْلَةَ اثْنَيْ وَعِشْرِينَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَتْرٍ ، إِلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ عَبَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، عَنْ أُنَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَعَبَّادٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . 15115 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا : الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . 15116 - ذَكَرَ مَعْمَرٌ عَنْ مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ : نَظَرْتُ الشَّمْسَ عِشْرِينَ سَنَةً فَرَأَيْتُهَا تَطْلُعُ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ . 15117 - وَأَمَّا قَوْلِي : إِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ; فَلِمَا رَوَاهُ جَعْفَرٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَتَحَرَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ تِسْعَةَ عَشْرَ ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . 15118 - وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ حَوْطٍ الْخُزَاعِيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَمَا تَمَارَى وَلَا شَكَّ لَيْلَةَ تِسْعَ عَشَرَةَ لَيْلَةَ الْفَرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ . 15119 - وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشَرَةَ صَبِيحَةَ بَدْرٍ ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . 15120 - وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا مَرْفُوعًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي التَّمْهِيدِ . 15121 - وَذَكَرْنَا هُنَاكَ بِالْأَسَانِيدِ عَنْ أَرْبَعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ : ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ . 15122 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي حَدِيثَ ابن عُمَرَ ، وَحَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعَيْنِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 15123 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعُمَرَ : أإِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَدْ رُفِعَتْ ؟ قَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . قُلْتُ : فَهِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 15124 - وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ يَرُدُّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ حِينَ قَالَ : أَحَبَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ لَا يَتَّكِلُوا . 15125 - وَقَدْ حَكَى الْجَوْزَجَانِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا ، كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 15126 - قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأحَمَّدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : هِيَ مُنْتَقِلَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يَدْفَعُونَ أَنْ تكُونَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ . 15127 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ ، قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ الْحَسَنَ - وَأَنَا عِنْدَهُ - فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، أَرَأَيْتَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَفِي كُلِّ رَمَضَانَ هِيَ ؟ قَالَ : إِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهَا لَفِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَإِنَّهَا اللَّيْلَةُ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ، فِيهَا يَقْضِي اللَّهُ كُلَّ خَلْقٍ وَأَجَلٍ وَرِزْقٍ وَعَمَلٍ إِلَى مِثْلِهَا . 15128 - وَذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا عَنْهُ - وَاخْتَصَرْنَا هُنَا الْخَبِرَيْنِ مَعًا - أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ دَعَا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالُوا : كُنَّا نَرَاهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ ، وَبَلَغَنَا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَأَكْثَرُوا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ . فَقَالَ عُمَرُ : وَأَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ . فَقَالَ : سَابِعَةٌ تَمْضِي أَوْ سَابِعَةٌ تَبْقَى مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ . فَقَالَ عُمَرُ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : رَأَيْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ، وَسَبْعَ أَرَضِينَ ، وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ يَدُورُ الدَّهْرُ عَلَيْهِنَّ ، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ ، وَيَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ ، فَتَلَا قَوْلَهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ وَأَمَّا يَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا فَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ ، وَالسَّبْعَةُ لِلْإِنْسَانِ . 15129 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ مَنْ حَضَرَهُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - وَكَانُوا جَمَاعَةً - عَنْ مَعْنَى نُزُولِ سُورَةِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَوَقَفُوا وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنْ قَالُوا : أَمَرَ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يُسَبِّحَهُ وَيَسْتَغْفِرَهُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ فَقَالَ : مَعْنَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ نَعَى إِلَيْهِ نَفْسَهُ ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَابِضَهُ إِلَيْهِ إِذَا دَخَلَتِ الْعَرَبُ فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا . فَسُرَّ عُمَرُ بِذَلِكَ ، وَقَالَ : يَلُومُونِي فِي تَقْرِيبِ هَذَا الْغُلَامِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : لَوْ أَدْرَكَ أَسْنَانَنَا مَا عَاشَرَهُ مِنَّا رَجُلٌ ، وَنِعْمَ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ · ص 339 706 667 - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ . 15130 - هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، وَتَابَعَهُ قَوْمٌ . 15131 - وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بُكَيْرٍ ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . الْحَدِيثَ . 15132 - وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ مَعْلُومٌ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، مَحْفُوظٌ أَيْضًا مَعْنَاهُ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . 15133 - وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرُّؤْيَا بِأَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ أَنَّهَا اللَّيْلَةُ السَّابِعَةُ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ; فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ السَّابِعَةِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ . 15134 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ نَافِلَةٌ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَلَكِنَّهَا فَضْلٌ . 15135 - وَيَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ عَلَى أَنَّ الْأَغْلَبَ فِيهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . 15136 - وَقَوْلُهُ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ ، يَعْنِي فِي ذَلِكَ الْمَنَامَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَبِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ . 15137 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْقَلْزُمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يَقُولُ : لَوْلَا سُفَهَاؤُكُمْ لَوَضَعْتُ يَدِي فِي أُذُنِي ثُمَّ نَادَيْتُ : أَلَا إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ قَبْلَهَا ثَلَاثٌ نَبَأُ مَنْ لَمْ يَكْذِبْنِي عَنْ نَبَأِ مَنْ لَمْ يَكْذِبْهُ ، يَعْنِي بِهِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ليلة القدر خير من ألف شهر · ص 341 668 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . 15138 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ يُرْوَى مُسْنَدًا وَلَا مُرْسَلًا مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَّا مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ . 15139 - أَحَدُهَا إِنِّي لَأَنْسَى - أَوْ : أُنَسَّى . . . 15140 - وَالثَّانِي : إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ . . . 15141 - وَالثَّالِثُ : حَسِّنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ . 15142 - وَالرَّابِعُ هَذَا . 15143 - وَلَيْسَ مِنْهَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَلَا مَا يَدْفَعُهُ أَصْلٌ . 15144 - وَفِيهِ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَمْ يُعْطَهَا إِلَّا مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 15145 - وَفِيهِ أَنَّ أَعْمَارَ مَنْ مَضَى كَانْتَ أَطْوَلَ مِنْ أَعْمَارِنَا . 15146 - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بُجَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي ، مَنْ قَامَهُنَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَهِيَ لَيْلَةُ تِسْعٍ تَبْقَى أَوْ سَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ . 15147 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا صَافِيَةٌ بُلْجَةٌ كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا ، سَاكِنَةً لَا بَرْدَ فِيهَا وَلَا حَرَّ ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى يُصْبِحَ ، وَإِنَّ أَمَارَتَهُمَا : الشَّمْسَ أن تَخْرُجُ صَبِيحَتَهَا مُشْرِقَةً ، لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَلَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَطْلُعَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ . 15148 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ الشَّامِيِّينَ ، رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، وَبَقِيَّةُ إِذَا رَوَى عَنِ الثِّقَاتِ فَلَيْسَ بِحَدِيثِهِ بَأْسٌ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ليلة القدر خير من ألف شهر · ص 343 669 - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ : مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا . 15149 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ رَأْيًا وَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا تَوْقِيفًا ، وَمَرَاسِيلُ سَعِيدٍ أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ . 15150 - وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى شُهُودِ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ ، وَبَيَانُ فَضِيلَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . تَمَّ شَرْحُ كِتَابِ الِاعْتِكَافِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ · ص 321 699 - وَحَدَّثَنِي زِيَاد عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ فَقَالَ : إِنِّي أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي رَمَضَانَ حَتَّى تَلَاحَى رَجُلَانِ فَرُفِعَتْ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ ، وَالسَّابِعَةِ ، وَالْخَامِسَةِ . 705 699 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ) الْخُزَاعِيِّ الْبَصْرِيِّ ، قِيلَ : كَانَ قَصِيرًا طَوِيلَ الْيَدَيْنِ ، وَكَانَ يَقِفُ عَلَى الْمَيِّتِ فَيَصِلُ إِحْدَى يَدَيْهِ إِلَى رَأْسِهِ ، وَالْأُخْرَى إِلَى رِجْلَيْهِ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : رَأَيْتُهُ وَلَمْ يَكُنْ بِذَاكَ الطُّولِ ، وَكَانَ لَهُ جَارٌ يُقَالُ لَهُ حُمَيْدٌ الْقَصِيرُ ، فَقِيلَ لِهَذَا الطَّوِيلُ ، لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا . ( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) مِنْ حُجْرَتِهِ ( فِي رَمَضَانَ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ أَيْ بِتَعْيِينِهَا ، ( فَقَالَ : إِنِّي أُرِيتُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، ( هَذِهِ اللَّيْلَةَ ) ، قَالَ الْحَافِظُ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ رَأَى الْعِلْمِيَّةِ أَوِ الْبَصَرِيَّةِ ( فِي رَمَضَانَ ) ، وَلِلْبُخَارِيِّ فَقَالَ : خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ( حَتَّى تَلَاحَى ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ تَنَازَعَ وَتَخَاصَمَ وَتَشَاتَمَ ( رَجُلَانِ ) مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ أَنَّهُمَا مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَزَعَمَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا قَالَهُ الْحَافِظُ ، ( فَرُفِعَتْ ) أَيْ رُفِعَ بَيَانُهَا أَوْ عِلْمُ تَعْيِينِهَا مِنْ قَلْبِي فَنَسِيتُهُ لِلِاشْتِغَالِ بِالْمُتَخَاصِمَيْنِ ، وَفِي مُسْلِمٍ : فَنَسِيتُهَا ، وَقِيلَ : رُفِعَتْ بَرَكَتُهَا تِلْكَ السَّنَةَ ، وَقِيلَ : التَّاءُ فِي رُفِعَتْ لِلْمَلَائِكَةِ لَا لِلَّيْلَةِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : قَدْ يُذْنِبُ الْبَعْضُ فَتَتَعَدَّى عُقُوبَتُهُ إِلَى غَيْرِهِ فَيُجْزَى بِهِ مَنْ لَا سَبَبَ لَهُ فِي الدُّنْيَا ، أَمَّا الْآخِرَةُ فَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : فَجَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ . وَعِنْدَ ابْنِ رَاهَوَيْهِ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَهُمَا عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَحَجَزَ بَيْنَهُمَا . وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَنَسِيتُهَا ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ سَبَبَ النِّسْيَانِ الْإِيقَاظُ لَا الْمُلَاحَاةُ ، وَجُمِعَ عَلَى اتِّحَادِ الْقِصَّةِ بِاحْتِمَالِ وُقُوعِ النِّسْيَانِ عَلَى سَبَبَيْنِ ، وَالْمَعْنَى : أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَسَمِعْتُ تَلَاحِيَ الرَّجُلَيْنِ فَقُمْتُ لِأَحْجِزَ بَيْنَهُمَا فَنَسِيتُهَا لِلِاشْتِغَالِ بِهِمَا ، وَعَلَى تَعَدُّدِهَا بِاحْتِمَالِ أَنَّ الرُّؤْيَا فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنَامَيَّةٌ فَيَكُونُ سَبَبُ النِّسْيَانِ الْإِيقَاظَ ، وَالْأُخْرَى يَقَظَةٌ فَسَبَبُ النِّسْيَانِ الْمُلَاحَاةُ ، وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ؟ قَالُوا : بَلَى ، فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَأَنَا أَعْلَمُهَا ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، فَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ النِّسْيَانِ ، وَهَلْ أُعْلِمَ بِهَا بَعْدَ هَذَا النِّسْيَانِ ؟ قَالَ الْحَافِظُ : فِيهِ احْتِمَالٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْأَظْهَرُ أَنَّهُ رُفِعَ عِلْمُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَنْهُ فَأُنْسِيَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلِمَهَا بِسَبَبِ التَّلَاحِي ، وَقَدْ قِيلَ : الْمِرَاءُ وَالْمُلَاحَاةُ شُؤْمٌ ، وَمِنْ شُؤْمِهَا حُرِمُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَلَمْ يُحْرَمُوهَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ لِقَوْلِهِ : ( فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ الْمُرَادُ بِالتَّاسِعَةِ تَاسِعَةٌ تَبْقَى فَتَكُونُ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَالسَّابِعَةِ سَابِعَةٌ تَبْقَى فَتَكُونُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَالْخَامِسَةِ خَامِسَةٌ تَبْقَى فَتَكُونُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ عَلَى الْأَغْلَبِ فِي أَنَّ الشَّهْرَ ثَلَاثُونَ لِقَوْلِهِ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ يَعْنِي وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ تَاسِعَةٌ وَسَابِعَةٌ وَخَامِسَةٌ تَبْقَى بَعْدَ اللَّيْلَةِ تُلْتَمَسُ فِيهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ، قَالَ : وَقِيلَ تَاسِعَةٌ تَمْضِي فَتَكُونُ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَجَزَمَ الْبَاجِيُّ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ : تَاسِعَةٌ تَبْقَى ، سَابِعَةٌ تَبْقَى ، خَامِسَةٌ تَبْقَى . وَرَجَّحَ الْحَافِظُ الثَّانِي لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ : الْتَمِسُوهَا فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالْخَمْسِ ، أَيْ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ : فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى كَذَا قَالَ . وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مُحْتَمَلَةٌ ، وَرِوَايَةُ أَحْمَدَ نَصٌّ فِيمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُمَرَ : كِلَاهُمَا مُحْتَمَلٌ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَاسِعَةٍ تَبْقَى ، وَسَابِعَةٍ تَبْقَى ، وَخَامِسَةٍ تَبْقَى يَقْتَضِي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا ، قَالَ : أَجَلْ ، قُلْتُ : مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ ؟ قَالَ : إِذَا مَضَتْ إِحْدَى وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا التَّاسِعَةُ ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ ، فَإِذَا مَضَتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ . انْتَهَى . وَزَعَمَ الرَّوَافِضُ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ أَنَّ الْمَعْنَى رُفِعَتْ أَصْلًا ، أَيْ وُجُودُهَا وَهُوَ غَلَطٌ ، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْتِمَاسِهَا . وَلِلْبُخَارِيِّ : فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ أَيْ لِأَنَّ إِخْفَاءَهَا مِمَّا يَسْتَدْعِي قِيَامَ كُلَّ شَهْرٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَقِيَ مَعْرِفَتُهَا بِعَيْنِهَا ، وَأَخَذَ مِنْهُ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ اسْتِحْبَابَ كَتْمِهَا لِمَنْ رَآهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لِنَبِيِّهِ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهَا ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِيمَا قَدَّرَهُ لَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ ، قَالَ : وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهَا كَرَامَةٌ ، وَالْكَرَامَةُ يَنْبَغِي كَتْمُهَا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الطَّرِيقِ لِرُؤْيَةِ النَّفْسِ ، فَلَا يَأْمَنُ السَّلْبَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الرِّيَاءَ ، وَلِلْأَدَبِ فَلَا يَتَشَاغَلُ عَنْ شُكْرِ اللَّهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَذِكْرِهَا لِلنَّاسِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْحَسَدَ فَيُوقِعَ غَيْرَهُ فِي الْمَحْذُورِ وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِقَوْلِ يَعْقُوبَ : يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ ( سُورَةُ يُوسُفَ : الْآيَةُ 5 ) الْآيَةَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي سَنَدِهِ وَمَتْنِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِأَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : خَالَفَ مَالِكًا أَكْثَرُ أَصْحَابِ حُمَيْدٍ ، فَرَوَوْهُ عَنْهُ عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ ، وَصَوَّبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِثْبَاتَ عُبَادَةَ ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ · ص 323 700 - وَحَدَّثَنِي زِيَاد عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ . 706 700 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) هَكَذَا رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ وَالْأَكْثَرُونَ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى وَقَوْمٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ ( أَنَّ رِجَالًا ) لَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ ( مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرُوا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ( لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ ) الْوَاقِعِ أَوِ الْكَائِنِ ( فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ جَمْعٌ ، فَلَيْسَ ظَرْفًا لِلْإِرَاءَةِ ، بَلْ صِفَةً لِقَوْلِهِ : فِي الْمَنَامِ كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ مُتَعَقِّبًا قَوْلَ الْحَافِظِ ، أَيْ قِيلَ لَهُمْ فِي الْمَنَامِ : إنهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ بِاقْتِضَائِهِ أَنَّ نَاسًا قَالُوا ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهُمْ ، بَلْ تَفْسِيرُهُ : أَنَّ نَاسًا أَرُوهُمْ إِيَّاهَا فَرَأَوْهَا . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ رُؤْيَاهُمْ كَانَتْ قَبْلَ دُخُولِ السَّبْعِ لِقَوْلِهِ : فَلْيَتَحَرَّهَا إِلَى آخِرِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ آخِرَ الشَّهْرِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ السَّبْعُ الَّتِي أَوَّلُهَا لَيْلَةُ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ وَآخِرُهَا لَيْلَةُ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَا ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَعَلَى الثَّانِي تَدْخُلُ الثَّانِيَةُ فَقَطْ وَلَا يَدْخُلُ لَيْلَةَ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي انْتَهَى . وَقَالَ غَيْرُهُ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا وَعَظَمَتَهَا وَأَنْوَارَهَا وَنُزُولَ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي لَيْلَةٍ مِنَ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُمْ هِيَ فِي كَذَا وَعَيَّنَ لَيْلَةً مِنَ السَّبْعِ وَنُسِيَتْ ، أَوْ قَالَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي أَرَى ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ أَعْلَمُ ، وَالْمُرَادُ أُبْصِرُ مَجَازًا ، ( رُؤْيَاكُمْ ) بِالْإِفْرَادِ وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رُؤْيَا وَاحِدَةً فَهُوَ مِمَّا عَاقَبَ الْإِفْرَادُ فِيهِ الْجَمْعَ لا من اللَّبْسِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : الْمُحَدِّثُونَ يَرْوُنَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَهُوَ جَائِزٌ ، وَأَفْصَحُ مِنْهُ رُؤْيَاكُمْ جَمْعُ رُؤْيَا لِيَكُونَ جَمْعًا فِي مُقَابَلَةِ جَمْعٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى ضَمِيرِ الْجَمْعِ يُعْلَمُ مِنْهُ التَّعَدُّدُ ضَرُورَةً ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِأَرَى لِيُجَانِسَ رُؤْيَاكُمْ وَهِيَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِأَرَى وَالثَّانِي قَوْلُهُ : ( قَدْ تَوَاطَأَتْ ) بِالْهَمْزِ أَيْ تَوَافَقَتْ ، وَيُوجَدُ فِي نُسَخٍ بِطَاءٍ ثُمَّ يَاءٍ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ بِالْأَلِفِ وَلَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَتِهِ مَهْمُوزًا ، قَالَ تَعَالَى : لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 37 ) ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : رُوِيَ بِلَا هَمْزٍ وَالصَّوَابُ الْهَمْزُ ، وَفِي الْمَصَابِيحَ : يَجُوزُ تَرْكُ الْهَمْزِ ، ( فِي ) رُؤْيَتِهَا فِي لَيَالِي ( السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرَّيَهَا ) أَيْ طَالَبَهَا وَقَاصِدَهَا ( فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ) مِنْ رَمَضَانَ ، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، وَأَنَّ نَاسًا أُرُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنَ الرُّؤْيَتَيْنِ فَأَمَرَ بِهِ . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : إِنْ غُلِبْتُمْ فَلَا تُغْلَبُوا فِي السَّبْعِ الْبَوَاقِي ، وَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي انْتَهَى . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ : إِنَّ طَلَبَهَا فِي السَّبْعِ مُسْتَنَدُهُ الرُّؤْيَا وَهُوَ مُشْكِلٌ ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ قِيلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ هِيَ فِي السَّبْعِ فَشَرْطُ التَّحَمُّلِ التَّمْيِيزُ وَهُمْ كَانُوا نِيَامًا ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ رَأَى الْحَوَادِثَ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا فِي مَنَامِهِ فِي السَّبْعِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ فِي السَّبْعِ ، كَمَا لَوْ رَأَيْتَ حَوَادِثَ الْقِيَامَةِ فِي الْمَنَامِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ تِلْكَ اللَّيْلَةُ مَحَلًّا لِقِيَامِهَا . وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِسْنَادَ إِلَى الرُّؤْيَا إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى أَمْرٍ وُجُودِيٍّ غَيْرِ مُخَالِفٍ لِقَاعِدَةِ الِاسْتِدْلَالِ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إِلَيْهَا فِي أَمْرٍ ثَبَتَ اسْتِحْبَابُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ طَلَبُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لَا أَنَّهَا أُثْبِتَ بِهَا حُكْمٌ ، وَإِنَّمَا تُرَجَّحُ السَّبْعُ الْأَوَاخِرُ لِسَبَبِ الْمَرَائِي الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِهَا فِيهَا وَهُوَ اسْتِدْلَالُ عَلَى أَمْرٍ وُجُودِيٍّ لَزِمَهُ اسْتِحْبَابٌ شَرْعِيٍّ مَخْصُوصٌ بِالتَّأْكِيدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ اللَّيَالِي ، أَوْ أَنَّ الْإِسْنَادَ إِلَى الرُّؤْيَا إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إِقْرَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا كَأَحَدِ مَا قِيلَ فِي رُؤْيَا الْأَذَانِ ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ بِهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ · ص 325 701 - وَحَدَّثَنِي زِيَاد ، عَنْ مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنْ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . 706 701 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَيْ أَرَاهُ اللَّهُ ( أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ ) الصَّالِحِ ( مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ ) لِقِصَرِ أَعْمَارِهِمْ ، إِذْ هِيَ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ ، وَقَلِيلٌ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا وَرَدَ . ( فَأَعْطَاهُ اللَّهُ ) أَنْزَلَ عَلَيْهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ لَا مُسْنَدًا وَلَا مُرْسَلًا . وَالثَّانِي : أنِّي لَا أَنْسَى ، أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ . وَالثَّالِثُ : إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً ، وَتَقَدَّمَا . وَالرَّابِعُ : قَوْلُهُ لِمُعَاذٍ : حَسِّنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ ، قَالَ : وَلَيْسَ مِنْهَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَلَا مَا يَدْفَعُهُ أَصْلٌ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَلِهَذَا شَوَاهِدُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُرْسَلَةٌ ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا أَرْبَعَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَبَدُوا اللَّهَ ثَمَانِينَ عَامًا لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ : أَيُّوبُ وَزَكَرِيَّا وَحِزْقِيلُ وَيُوشَعُ بْنُ نُونٍ ، فَعَجِبَ الصَّحَابَةُ مِنْ ذَلِكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : عَجِبَتْ أُمَّتُكَ مِنْ عِبَادَةِ أَرْبَعَةٍ ثَمَانِينَ سَنَةً ، لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( سُورَةُ الْقَدْرِ : الْآيَةُ 3 ) هَذَا أَفْضَلُ مِمَّا عَجِبَتْ أُمَّتُكَ ، فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ مَعَهُ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى يُصْبِحَ ثُمَّ يُجَاهِدُ الْعَدُوَّ حَتَّى يُمْسِيَ ، فَعَلَ ذَلِكَ أَلْفَ شَهْرٍ فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ قِيَامُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ أَلْفَ شَهْرٍ ، وَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَاصَّةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَلَمْ تَكُنْ لِمَنْ قَبْلَهُمْ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ أَصْحَابُنَا كُلُّهُمْ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَعَمْدَتُهُمْ أَثَرُ الْمُوَطَّأِ هَذَا ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَلَا يَدْفَعُ الصَّرِيحَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَكُونُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مَاتُوا رُفِعَتْ أَمْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : بَلْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ بِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ وَهُوَ أَنَّ مُرَادَهُ السُّؤَالُ هَلْ تَخْتَصُّ بِزَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تُرْفَعُ بَعْدَهُ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : أَمْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ فَلَا يَكُونُ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِأَثَرِ الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ وَرَدَ مَا يُعَضِّدُهُ ، فَفِي فَوَائِدِ أَبِي طَالِبٍ الْمُزَكَّى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ اللَّهَ وَهَبَ لِأُمَّتِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَلَمْ يُعْطِهَا مَنْ كَانَ قَبْلَهُمُ انْتَهَى .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ · ص 326 702 - وَحَدَّثَنِي زِيَاد ، عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ : مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا . 706 702 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ : مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ ) حَضَرَهَا وَصَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ ( مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا ) نَصِيبِهِ مِنْ ثَوَابِهَا الْمُنَوِّهِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ ، وَفِي نَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى : وَمَا تَأَخَّرَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَوْلُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لَا يَكُونُ رَأْيًا وَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا تَوْقِيفًا ، وَمَرَاسِيلُهُ أَصَحُّ الْمَرَاسِيلَ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : هُوَ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ : مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ ، وَخَصَّهَا لِأَنَّهَا مِنَ اللَّيْلِ دُونَ الصُّبْحِ فَلَيْسَ مِنْهُ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالطَّبَرَانَيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَرَوَى الْخَطِيبُ ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ : مَنْ صَلَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِالنَّصِيبِ الْوَافِرِ . وَفِي مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا : مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَلِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا : فَمَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ثُمَّ وُفِّقَتْ لَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ . قَالَ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ : مَعْنَى تَوْفِيقِهَا لَهُ أَوْ مُوَافَقَتِهِ لَهَا أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي قَامَ فِيهَا بِقَصْدِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ ذَلِكَ . وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ مَعْنَى الْمُوَافَقَةِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَرْدُودٌ ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِيهِ وَلَا الْمَعْنَى يُسَاعِدُهُ . وَقَالَ الْحَافِظُ : الَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي نَظَرِي مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَلَا أُنْكِرُ حُصُولَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ لِمَنْ قَامَ لِابْتِغَائِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَلَمْ تُوَفَّقْ لَهُ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى حُصُولِ الثَّوَابِ الْمُعَيَّنِ الْمَوْعُودِ بِهِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى وُجُودِهَا وَبَقَائِهَا إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ لِتَظَاهُرِ الْأَحَادِيثِ وَكَثْرَةِ رُؤْيَةِ الصَّالِحِينَ لَهَا ، وَشَذَّ الرَّوَافِضُ وَالشِّيعَةُ وَالْحَجَّاجُ الظَّالِمُ الثَّقَفِيُّ فَقَالُوا : رُفِعَتْ رَأْسًا ، وَكَذَا مَنْ قَالَ : إِنَّمَا كَانَتْ سَنَةً وَاحِدَةً فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ هَذَانِ قَوْلَانِ أَوْ قَوْلٌ ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُمْ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ، وَهُوَ قَوْلٌ مَشْهُورٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ ، وَزَيَّفَهُ الْمُهَلَّبُ وَقَالَ : لَعَلَّهُ بُنِيَ عَلَى دَوَرَانِ الزَّمَانِ لِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ ، وَهُوَ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِهِ حَتَّى تَنْتَقِلَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ عَنْ رَمَضَانَ ، وَرُدَّ بِأَنَّ مَأْخَذَ ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ . وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا فِي أَبِي دَاوُدَ وَمَوْقُوفًا عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِرَمَضَانَ مُمْكِنَةٌ فِي غَيْرِهِ ، وَبِهِ جَزَمَ شَارِحُ الْهِدَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَابْنِ الْحَاجِبِ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَرَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَعَنْ أَنَسٍ ، وَأَبِي رَزِينٍ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ ، وَحَكَى ابْنُ الْمُلَقِّنِ لَيْلَةَ نِصْفِهِ ، وَالَّذِي فِي الْمُفْهِمِ وَغَيْرِهِ لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ ، فَإِنْ ثَبَتَا فَهُمَا قَوْلَانِ . وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ مِنْ رَمَضَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، مُبْهَمَةٌ عَلَيْنَا . وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَابْنِ مَسْعُودٍ : لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ . وَلِلطَّحَاوِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَلِيٍّ : تِسْعَ عَشْرَةَ . وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ ، أَوْ مُبْهَمَةً فِي الْعَشْرِ الْوَسَطِ أَوْ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ وَمَالَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، أَوْ إِنْ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا فَلَيْلَةُ عِشْرِينَ وَنَاقِصًا فَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ، أَوْ لَيْلَةُ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، أَوْ لَيْلَةُ الثَّلَاثِينَ . قَالَ عِيَاضٌ : مَا مِنْ لَيْلَةٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ إِلَّا وَقِيلَ إِنَّهَا فِيهِ أَوْ فِي أَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ : أَوْ فِي أَوْتَارِهِ بِزِيَادَةِ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ ، أَوْ تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ كُلِّهِ نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَزَعَمَ الْمَاوَرْدِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهَا مِنْهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الصَّحِيحِ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ : إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ . ثُمَّ اخْتَلَفَ قَائِلُوهُ هَلْ هِيَ مُحْتَمَلَةٌ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ أَوْ بَعْضُ لَيَالِيهِ أَرْجَى ؟ فَفِي أَنَّهَا إِحْدَى أَوْ ثَلَاثٌ أَوْ سَبْعٌ أَقْوَالٌ ، أَوْ تَنْتَقِلُ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، أَوْ تَنْتَقِلُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ أَوْ لَيْلَةُ سِتَّ عَشْرَةَ أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ ، أَوْ لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ . أَوْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ ، أَوْ تَاسِعُ لَيْلَةٍ ، أَوْ سَابِعَ عَشْرَةَ ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، أَوْ آخِرُ لَيْلَةٍ ، رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، عَنْ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ . أَوْ لَيْلَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ ، وَإِحْدَى وعشرين ، أَوْ ثَلَاثٌ وَعِشْرِينَ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَائِشَةَ بِسَنَدَيْنِ مُنْقَطِعَيْنِ ، أَوْ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : سَبْعٌ يَبْقَيْنَ ، أَوْ سَبْعٌ يَمْضِينَ . وَلِأَحْمَدَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ سَابِعَةٌ تَمْضِي ، أَوْ سَابِعَةٌ تَبْقَى ، قَالَ النُّعْمَانُ : فَنَحْنُ نَقُولُ : لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ : لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، أَوْ لَيْلَةَ إِحْدَى ، أَوْ ثَلَاثٍ ، أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، أَوْ مُنْحَصِرَةٌ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ ، أَوْ لَيْلَةُ اثْنَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، أَوْ فِي أَشْفَاعِ الْعَشْرِ الْوَسَطِ ، وَالْعَشْرِ الْأَخِيرِ ، أَوْ لَيْلَةُ الثَّالِثَةِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ ، أَوِ الْخَامِسَةِ مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ مُعَاذٍ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الثَّالِثَةَ تَحْتَمِلُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَتَحْتَمِلُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَيَنْحَلُّ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَبِهَذَا غَايَرَ مَا مَضَى ، أَوْ فِي سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ مِنْ أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي . رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ : أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ : تَحَرَّهَا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ ثُمَّ عَادَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : إِلَى ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحْيِي لَيْلَةَ سِتَّ عَشْرَةَ إِلَى ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ يُقَصِّرُ ، أَوْ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ أَوِ الْوَتْرِ مِنَ اللَّيَالِي ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ مُرْسَلًا . أَوْ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ نَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى إِمْكَانِ حُصُولِهَا وَالْحَثِّ عَلَى الْتِمَاسِهَا . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُعْلَمُ وَهَذَا يَصْلُحُ عَدُّهُ قَوْلًا . وَأَنْكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ : قَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِإِمْكَانِ الْعِلْمِ بِهَا وَأَخْبَرَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّالِحِينَ ، فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْوَالِ ، وَبَعْضُهَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى بَعْضٍ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا التَّغَايُرَ ، وَأَرْجَحُهَا كُلُّهَا أَنَّهَا فِي وَتْرٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ ، وَأَنَّهَا تَنْتَقِلُ كَمَا يُفْهَمُ مِنَ الْأَحَادِيثِ ، وَأَرْجَى أَوْتَارِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَأَرْجَاهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَبِهِ جَزَمَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَ حَلَفَ عَلَيْهِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ كَأَنَّهُ شِقُّ جَفْنَةٍ ، قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيُّ : أَيْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَإِنَّ الْقَمَرَ يَطْلُعُ فِيهَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ . وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ : أَيُّكُمْ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الصَّهْبَاوَاتِ ؟ قُلْتُ : أَنَا ، وَذَلِكَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ . وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : رَأَى رَجُلٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَلِأَحْمَدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا : لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ : مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَمُعَاوِيَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَنَحْوِهِ ، وَحُكِيَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : دَعَا عُمَرُ الصَّحَابَةَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَقُلْتُ لِعُمْرَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ أَوْ أَظُنُّ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ ، قَالَ عُمَرُ : أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ ؟ فَقُلْتُ : سَابِعَةٌ تَمْضِي ، أَوْ سَابِعَةٌ تَبْقَى مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ذَلِكَ ؟ فَقُلْتُ : خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعَ أَرَضِينَ ، وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ ، وَالدَّهْرُ يَدُورُ فِي سَبْعٍ ، وَالْإِنْسَانُ خُلِقَ مِنْ سَبْعٍ ، وَيَسْجُدُ عَلَى سَبْعٍ ، وَالطَّوَافُ سَبْعٌ ، وَالْجِمَارُ سَبْعٌ ، وَإِنَّا نَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ ، قَالَ تَعَالَى : فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا ( سُورَةُ عَبَسَ : الْآيَةُ 27 ، 28 ) الْآيَةَ ، قَالَ : فَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ وَالسَّبْعَةُ لِلْإِنْسِ ، فَقَالَ عُمَرُ : تَلُومُونِي فِي تَقْرِيبِ هَذَا الْغُلَامِ ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَوْ أَدْرَكَ أَسْنَانَنَا مَا عَاشَرَهُ مِنَّا رَجُلٌ وَنِعْمَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ، وَرَوَى ابْنُ رَاهْوَيْهِ وَالْحَكَمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَعَا الْأَشْيَاخَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ لَا تَتَكَلَّمْ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا ، فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وِتْرًا أَيِ الْوِتْرَ ، فَقَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ تَاسِعَةً ، سَابِعَةً ، خَامِسَةً ، ثَالِثَةً ، فَقَالَ لِي : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ ؟ قُلْتُ : أَتَكَلَّمُ بِرَأْيِي ؟ قَالَ : عَنْ رَأْيِكَ أَسْأَلُكَ ، فَقُلْتُ : فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِي آخِرِهِ فَقَالَ عُمَرُ : أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي مَا اسْتَوَتْ شُؤُونُ رَأْسِهُ ، وَقَالَ : إِنِّي لَأَرَى الْقَوْلَ كَمَا قُلْتَ ، وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ النَّسَبَ فِي سَبْعٍ ثُمَّ تَلَا : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ( سُورَةَ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 23 ) الْآيَةَ ، وَقِيلَ اسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِنْ عَدَدِ كَلِمَاتِ السُّورَةِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ هِيَ سَابِعُ كَلِمَةٍ بَعْدَ عِشْرِينَ نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَبَالَغَ فِي رَدِّهِ . وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : إِنَّهُ مِنْ مُلَحِ التَّفْسِيرِ لَا مِنْ مَتِينِ الْعِلْمِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : حِكْمَةُ إِخْفَائِهَا لِيُجْتَهَدَ فِي الْتِمَاسِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ عُيِّنَتْ لَهَا لَيْلَةٌ لَاقْتُصِرَ عَلَيْهَا ، وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ تَطَّرِدُ عِنْدَ الْقَائِلِ أَنَّهَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ أَوْ جَمِيعِ رَمَضَانَ أَوِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ أَوْ أَوْتَارِهِ خَاصَّةً ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ ثُمَّ الثَّانِي أَلْيَقَ بِهِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهَا عَلَامَةٌ تَظْهَرُ لِمَنْ وُفِّقَتْ لَهُ أَمْ لَا ؟ فَقِيلَ : يَرَى كُلَّ شَيْءٍ سَاجِدًا ، وَقِيلَ : يَرَى الْأَنْوَارَ فِي كُلِّ مَكَانٍ سَاطِعَةً حَتَّى الْأَمَاكِنِ الْمُظْلِمَةِ ، وَقِيلَ : يَسْمَعُ سَلَامًا أَوْ خِطَابًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَقِيلَ : عَلَامَتُهَا اسْتِجَابَةُ دُعَاءِ مَنْ وُفِّقَتْ لَهُ . وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِهَا رُؤْيَةُ شَيْءٍ وَلَا سَمَاعُهُ ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ يَحْصُلُ الثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا لِمَنْ قَامَهَا وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ ؟ وَذَهَبَ إِلَيْهِ الطَّبَرِيُّ ، وَالْمُهَلَّبُ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَجَمَاعَةٌ ، أَوْ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَشْفِهَا لَهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : أَيْ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، وَهُوَ أَرْجَحُ فِي نَظَرِي . وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ ذَلِكَ ، وَفَرَّعُوا عَلَى اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهَا شَخْصٌ دُونَ آخَرَ وَإِنْ كَانَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : فِي إِخْفَائِهَا دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَظْهَرُ لِلْعُيُونِ لَيْلَتَهَا مَا لَا يَظْهَرُ فِي سَائِرِ السَّنَةِ ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَخْفَ عَنْ مَنْ قَامَ لَيَالِيَ السَّنَةِ فَضْلًا عَنْ لَيَالِي رَمَضَانَ ، وتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِطْلَاقُ التَّكْذِيبِ لِذَلِكَ ، فَيَجُوزُ أَنَّهَا كَرَامَةٌ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ فَيُخْتَصُّ بِهَا قَوْمٌ دُونَ قَوْمٍ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحْصُرِ الْعَلَامَةَ وَلَمْ يَنْفِ الْكَرَامَةَ ، وَكَانَتْ فِي السَّنَةِ الَّتِي حَكَاهَا أَبُو سَعِيدٍ نُزُولَ الْمَطَرِ ، وَنَحْنُ نَرَى كَثِيرًا مِنَ السِّنِينَ يَنْقَضِي رَمَضَانُ دُونَ مَطَرٍ مَعَ اعْتِقَادِنَا أَنَّهُ لَا يَخْلُو رَمَضَانُ مَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَلَا يُعْتَقَدُ أَنَّهُ لَا يَرَاهَا إِلَّا مَنْ رَأَى الْخَوَارِقَ ، بَلْ فَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا إِلَّا عَلَى الْعِبَادَةِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةِ خَارِقٍ ، وَآخَرُ رَأَى الْخَوَارِقَ بِلَا عِبَادَةٍ ، وَالَّذِي حَصَلَ لَهُ الْعِبَادَةُ أَفْضَلُ ، وَالْعِبْرَةُ إِنَّمَا هِيَ بِالِاسْتِقَامَةِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ تَكُونَ إِلَّا كَرَامَةً بِخِلَافِ الْخَارِقِ ، فَقَدْ يَقَعُ كَرَامَةً ، وَقَدْ يَقَعُ فِتْنَةً . انْتَهَى . وَقَدْ وَرَدَ لَهَا عَلَامَاتٌ أَكْثَرُهَا لَا تَقَعُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَمْضِيَ ، مِنْهَا مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فِي صَبِيحَتِهَا لَا شُعَاعَ لَهَا ، وَلِأَحْمَدَ عَنْهُ : مِثْلَ الطَّسْتِ . وَلَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : مِثْلَ الطَّسْتِ صَافِيَةً . وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : لَيْلَةُ الْقَدْرِ طَلْقَةٌ ، لَا حَارَةٌ وَلَا بَارِدَةٌ ، تُصْبِحُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا حَمْرَاءَ ضَعِيفَةً ، وَلِأَحْمَدَ عَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا : أَنَّهَا صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا ، صَاحِيَةٌ لَا حَرَّ فِيهَا وَلَا بَرْدَ ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ يُرْمَى بِهِ فِيهَا ، وَإِنَّ أَمَارَاتِهَا أَنَّ الشَّمْسَ فِي صَبِيحَتِهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ فِيهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، لَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ إِلَّا صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : لَيْلَةُ الْقَدْرِ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ ، تُضِيءُ كَوَاكِبُهَا ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يُضِيءَ فَجْرُهَا ، وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَكْثَرُ فِي الْأَرْضِ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : لَا يُرْسَلُ فِيهَا شَيْطَانٌ وَلَا يَحْدُثُ فِيهَا دَاءٌ ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ : يَقْبَلُ اللَّهُ التَّوْبَةَ فِيهَا مِنْ كُلِّ تَائِبٍ ، وَهِيَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِهَا ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الْأَشْجَارَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَسْقُطُ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى مَنَابِتِهَا ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَسْجُدُ فِيهَا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ : أَنَّ الْمِيَاهَ الْمَالِحَةَ تَعْذُبُ لَيْلَتَهَا . وَلِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ نَحْوَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ، وَأَسْأَلُهُ الْعَوْنَ عَلَى التَّمَامِ خَالِصًا لِوَجْهِهِ ، مُقَرِّبًا إِلَى دَارِ السَّلَامِ ، مُتَوَسِّلًا بِحَبِيبِهِ خَيْرِ الْأَنَامِ .