716 حَدِيثٌ ثَامِنٌ وَأَرْبَعُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ ، وَلَا الْعَمَائِمَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْبَرَانِسَ ، وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ ؛ فَيَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَمُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ مَا دَامَ مُحْرِمًا . وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ سَوَاءً . رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَفِي مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْقُمُصِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَالْبَرَانِسِ يَدْخُلُ الْمَخِيطُ كُلُّهُ بِأَسْرِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لِبَاسُ شَيْءٍ مِنْهُ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْخِطَابِ فِي اللِّبَاسِ الْمَذْكُورِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ بِلِبَاسِ الْقَمِيصِ وَالدِّرْعِ وَالسَّرَاوِيلِ ، وَالْخُمُرِ ، وَالْخِفَافِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطِّيبَ كُلَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْرَبَهُ مُتَطَيِّبًا بِهِ زَعْفَرَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فَيَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ هَلْ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ الطِّيبَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ أَمْ لَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ إِحْرَامَ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُحْرِمَ عَنْ لُبْسِ الْبَرَانِسِ وَالْعَمَائِمِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - فِيهِ . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ نَهَى الْمَرْأَةَ الْحَرَامَ عَنِ النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَامَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْحَرَمِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْعَمَائِمَ ، وَلَا الْبَرَانِسَ ، وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ ، وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى مَا قَالَ اللَّيْثُ . وَرَوَاهُ أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ مَوْقُوفًا ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَفْعُهُ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَيْضًا ؛ فَهَذَا يُصَحِّحُ مَا رَوَاهُ اللَّيْثُ وَحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ ، وَمَا مَسَّهُ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مِنْ مُعَصْفَرٍ ، أَوْ خَزٍّ ، أَوْ حُلِيٍّ ، أَوْ سَرَاوِيلَ ، أَوْ قُمُصٍ ، أَوْ خُفٍّ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَبْدَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ إِلَى قَوْلِهِ : وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْخِفَافَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ ؛ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا يَلْبَسُ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ ، وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ . وَعَلَى كَرَاهِيَةِ النِّقَابِ لِلْمَرْأَةِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَجْمَعِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي كَرَاهِيَةِ الِانْتِقَابِ ، وَالتَّبَرْقُعِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّي وَجْهَهَا وهي محرمة ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : تُغَطِّي الْمُحْرِمَةُ وَجْهَهَا إِنْ شَاءَتْ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا لَا تَفْعَلُ ، وَعَلَيْهِ النَّاسُ . وَأَمَّا الْقُفَّازَانِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا أَيْضًا فَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يُلْبِسُ بَنَاتَهُ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ الْقُفَّازَيْنِ ، وَرَخَّصَتْ فِيهِمَا عَائِشَةُ أَيْضًا ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ ، لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ لَبِسَتِ الْمَرْأَةُ الْقُفَّازَيْنِ افْتَدَتْ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي ذَلِكَ أَحَدُهُمَا تَفْتَدِي ، وَالْآخَرُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّوَابُ - عِنْدِي - قَوْلُ مَنْ نَهَى الْمَرْأَةَ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا الْفِدْيَةَ لِثُبُوتِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ بَعْدَمَا ذَكَرْنَا فِي أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ لِبَاسُ الْقُمُصِ ، وَالْخِفَافِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَسَائِرِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا طِيبَ فِيهَا ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالرَّجُلِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ إِحْرَامَهَا فِي وَجْهِهَا دُونَ رَأْسِهَا ، وَأَنَّهَا تُخَمِّرُ رَأَسَهَا وَتَسْتُرُ شَعْرَهَا وهي محرمة . وَأَجْمَعُوا أَنَّ لَهَا أَنْ تُسْدِلَ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا سِدْلًا خَفِيفًا تَسْتَتِرُ بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ إِلَيْهَا ، وَلَمْ يُجِيزُوا لَهَا تَغْطِيَةَ وَجْهِهَا وهي محرمة إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَسْمَاءَ . رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ : كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ فِي ذَلِكَ كَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ ، فَإِذَا مَرَّ بِنَا رَاكِبٌ سَدَلْنَا الثَّوْبَ مِنْ قِبَلِ رُؤوسِنَا ، وَإِذَا جَاوَزَنَا الرَّاكِبُ رَفَعْنَاهُ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الرَّجُلَ الْمُحْرِمَ لَا يُخَمِّرُ رَأْسَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْمِيرَةِ وَجْهِهِ ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَا فَوْقَ الذَّقْنِ مِنَ الرَّأْسِ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ لَا يُغَطِّيَهُ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُغَطُّونَ وُجُوهَهُمْ وَهُمْ مُحْرِمُونَ . ذَكَرَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْقَرَافِصَةُ بْنُ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيُّ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ يُغَطِّي وَجْهَهُ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، قَالَ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرَجِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : كُلُوا ، فَقَالُوا : وَلَا تَأْكُلُ ، فَقَالَ : إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَطَاوُسٍ أَنَّهُمْ أَجَازُوا لِلرَّجُلِ الْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ . وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : كَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ ، وَأَنْ يُغَطِّيَ مَا فَوْقَ ذَقْنِهِ ، لِأَنَّ إِحْرَامَهُ عِنْدَهُ فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ ، قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ : فَإِنْ فَعَلَ ؟ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا ، وَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا لِمَا جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فَيَمَنْ غَطَّى وَجْهَهُ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ أَنَّهُ يَفْتَدِي . وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قِيلَ : أَرَأَيْتَ مُحْرِمًا غَطَّى وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ؟ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : إِنْ نَزَعَهُ مَكَانَهُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَرَكَهُ ، فَلَمْ يَنْزِعْهُ مَكَانَهُ حَتَّى انْتَفَعَ بِذَلِكَ افْتَدَى . قُلْتُ : وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِذَا غَطَّتْ وَجْهَهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُوسِعُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسْدِلَ رِدَاءَهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا إِذَا أَرَادَتْ سِتْرًا ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُرِيدُ سِتْرًا ، فَلَا تُسْدِلُ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْخُلَ الْخِبَاءَ وَالْفُسْطَاطَ ، وَإِنْ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ أَنْ يَرْمِيَ عَلَيْهَا ثَوْبًا . وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِظْلَالِهِ عَلَى دَابَّتِهِ ، أَوْ عَلَى الْمَحْمَلِ ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : أَصَحُّ لِمَنْ أَحْرَمَتْ لَهُ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ عَنْهُ وَكَرِهَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ الْمُحْرِمُ عَلَى مَحْمَلِهِ ، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَظِلُّ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ، وَأَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنِ اسْتَظَلَّ الْمُحْرِمُ فِي مَحْمَلِهِ افْتَدَى ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَظِلَّ إِذَا جَافَى ذَلِكَ عَنْ رَأْسِهِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا وَجَدَ إِزَارًا لَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا هَلْ لَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ ، وَإِنْ لَبِسَهَا عَلَى ذَلِكَ هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لَا . وَفِي الْمُوَطَّأِ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا وَلَا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرَاوِيلَ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلَاتِ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا ، قَالَ : وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا كَمَا اسْتَثْنَى فِي الْخُفَّيْنِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَيَرَوْنَ عَلَى مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ الْفِدْيَةَ ، وَسَوَاءً عِنْدَ مَالِكٍ وَجَدَ الْإِزَارَ ، أَوْ لَمْ يَجِدْ . وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ إِزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ ، وَالْخُفُّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ . وَرَوَى زُهَيْرٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ هَلْ يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ وَلَا يَقْطَعُهُمَا ؛ فَذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ ، وَلَمْ يَقْطَعْهُمَا ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ عَطَاءٌ : وَفِي قَطْعِهِمَا فَسَادٌ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَقَطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا : مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : ابْنُ عُمَرَ قَدْ زَادَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْئًا نَقَصَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَحَفِظَهُ ابْنُ عُمَرَ ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَالْمَصِيرُ إِلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ، أَوْلَى ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ والليث أَنَّ مَنْ لَبِسَ خُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ أَوْ غَيْرَ مَقْطُوعَيْنِ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِلنَّعْلَيْنِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِذَا لَبِسَهُمَا مَقْطُوعَيْنِ ، وَهُوَ وَاجِدٌ لِلنَّعْلَيْنِ ، قَالَ : وَمَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ افْتَدَى عَلَى كُلِّ حَالٍ وَجَدَ إِزَارًا ، أَوْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَفْتُقَ السَّرَاوِيلَ . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ ، وَهُوَ وَاجِدٌ لِلنَّعْلَيْنِ فَمَرَّةً قَالَ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَمَرَّةً قَالَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : مَنِ ابْتَاعَ خُفَّيْنِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَجَرَّبَهُا وَقَاسَهُمَا فِي رِجْلِهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَرْكَهُمَا حَتَّى مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ حَرٍّ ، أَوْ بَرْدٍ ، أَوْ مَطَرٍ افْتَدَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ حَتَّى لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَلَا بَأْسَ بِلِبَاسِ الْمُحْرِمَةِ الْخِفَافَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ انْصَرَفَ عَنْ ذَلِكَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ ، ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَانَ أَرْخَصَ لِلنِّسَاءِ فِي الْخُفَّيْنِ ؛ فَتَرَكَ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا إِنَّمَا كَانَ مِنْ وَرَعِ ابْنِ عُمَرَ وَكَثْرَةِ اتِّبَاعِهِ ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ اسْتَعْمَلَ مَا حَفِظَ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى بَلَغَهُ فِيهِ الْخُصُوصُ . وَمِمَّا وَصَفْتُ مِنْ وَرَعِهِ وَتَوَقُّفِهِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ وَجَدَ الْقُرَّ ، فَقَالَ : يَا نَافِعُ أَلْقِ عَلَيَّ ثَوْبًا ، قَالَ : فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا ، فَقَالَ : أَتُلْقِي عَلَيَّ هَذَا وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ ؟ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُلْقَى عَلَيْهِ الْبُرْنُسُ ؟ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّمَا يَكْرَهُونَ الدُّخُولَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اسْتَعْمَلَ الْعُمُومَ فِي اللِّبَاسِ ، لِأَنَّ التَّغْطِيَةَ وَالِامْتِهَانَ قَدْ يُسَمَّى لِبَاسًا أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ أَنَسٍ ؟ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ . قَالَ أَسَدٌ ، وَأَبُو ثَابِتٍ وَسَحْنُونٌ ، وَأَبُو زَيْدٍ ، قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُدْخِلَ مَنْكِبَهُ فِي الْقَبَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ ، وَلَا يَزِرَهُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَكَانَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَطْرَحَ قَمِيصَهُ عَلَى ظَهْرِهِ يَتَرَدَّى بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ ، قَالَ : لَا ، قِيلَ لَهُ : فَلِمَ كَرِهَ أَنْ يَدْخُلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقَبَاءِ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ، وَلَمْ يَزِرْهُ ؟ قَالَ : لِأَنَّ ذَلِكَ دُخُولٌ فِي الْقَبَاءِ وَلِبَاسٌ لَهُ ؛ فَلِذَلِكَ كَرِهَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولُونَ : لَا بَأْسَ أَنْ يُدْخِلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقَبَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَكَرِهَ ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَتَرَدَّى بِهِ . وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا أَدْخَلَ كَتِفَيْهِ فِي قَبَاءٍ افْتَدَى ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كَتِفَيْهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ يَدَيْهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ عَقَدَ إِزَارَهُ عَلَى عُنُقِهِ افْتَدَى ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْهِمْيَانَ وَالْمِنْطَقَةَ لِلْمُحْرِمِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : أَوْثِقْ عَلَيْكَ نَفَقَتَكَ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مُتَقَدِّمُوهُمْ وَمُتَأَخِّرُوهُمْ ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ السُّيُورَ وَلَكِنْ يُدْخِلُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ . وَقَالَ مَالِكٌ : أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا جَعَلَ فِي طَرَفَيْهَا جَمِيعًا سُيُورًا يَعْقِدُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ . وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ الْهِمْيَانَ وَالْإِزَارَ عَلَى وَسَطِهِ ، وَالْمِنْطَقَةُ مِثْلُ ذَلِكَ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُحْرِمِ يَعْصِبُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ عَنْ ضَرُورَةٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ الرَّأْسُ وَالْجَسَدُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ عَصَبَ رَأْسَهُ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، وَإِنْ عَصَبَ بَعْضَ جَسَدِهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ عَصَبَ رَأْسَهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَكَذَلِكَ إِذَا شَدَّ السَّيْرَ عَلَى رَأْسِهِ ، أَوْ حَمَلَ خُرْجَهُ عَلَى رَأْسِهِ ، قَالَ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ الْمُحْرِمُ خُرْجَهُ وَجِرَابَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِذَا كَانَ فِيهِ زَادُهُ ، وَاحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ كَمَا أُرْخِصَ لَهُ فِي حَلِّ مِنْطَقَةِ نَفْسِهِ ، قَالَ : وَأَمَّا لَوْ تَطَوَّعَ بِحَمْلِهِ ، أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، قَالَ : وَالْأَطْبَاقُ وَالْغَرَايِرُ وَالْأَحْرِجَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَوَاءٌ فِي الْمُحْرِمِ لَبِسَ نَاسِيًا ، أَوْ عَامِدًا ، أَوْ تَطَيَّبَ ، أَوْ حَلَقَ نَاسِيًا ، أَوْ عَامِدًا لِضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْكَفَّارَةُ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا إِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً ، قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا يَكُونُ الصِّيَامُ وَالطَّعَامُ مَكَانَ الْهَدْيِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَجَزَاءِ الصَّيْدِ لا غير ، قَالَ : وَأَمَّا دَمُ الْمُتْعَةِ ، أَوِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ عَلَى مَنْ عَجَزَ ، عَنِ الْمَشْيِ ، أَوْ وَطِئَ أَهْلَهُ ، أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، أَوْ رَجُلٌ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْحَجِّ فَجَبَرَهُ بِالدَّمِ ، أَيَّ شَيْءٍ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ حَجِّهِ ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ فِيهِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَامَ فَقَطْ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِطْعَامٌ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَالصَّوْمُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَصَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعَ ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : كُلُّ مَنْ لَبِسَ عَامِدًا ، أَوْ تَطَيَّبَ عَامِدًا ، فَلَيْسَ بِمُخَيَّرٍ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الدَّمُ لا غير ، قَالُوا : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةٍ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ عَلَى حَسْبِمَا تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ : إِنْ شَاءَ صَامَ ، وَإِنْ شَاءَ نَسَكَ بِشَاةٍ ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ عَلَى حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَنْ لَبِسَ ، أَوْ تَطَيَّبَ نَاسِيًا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : النَّاسِي وَالْعَامِدُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ سَوَاءٌ . وَقَالَ دَاوُدُ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِنْ لَبِسَ مِنْ ضَرُورَةٍ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إِنْ لَبِسَ عَامِدًا وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَإِنْ حَلَقَ شَعْرَ جَسَدِهِ ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِضَرُورَةٍ ، وَلَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ لَمْ يَرَ عَلَى اللَّابِسِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ شَيْئًا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي أَحْرَمَ ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَصُفْرَةُ خَلُوقٍ ؛ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَزْعِ الْجُبَّةِ وَغَسْلِ الْخَلُوقِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِفِدْيَةٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ وَأَحْكَامَهُ فِي بَابِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَمَنْ أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى النَّاسِي ، وَغَيْرِهِ فَحُجَّتُهُ أَنَّ الْفِدْيَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِيمَنْ فَعَلَهَا مِنْ ضَرُورَةٍ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ؛ فَالضَّرُورَةُ وَغَيْرُ الضَّرُورَةِ وَالنِّسْيَانُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، لِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةٍ فَأَحْرَى أَنْ تَجِبَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، وَالنَّاسِي قِيَاسٌ عَلَى الْمُضْطَرِّ وَالْعَامِدُ أَحْرَى بِذَلِكَ وَأَوْلَى . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَبِسَ ، أَوْ تَطَيَّبَ فِي مَوَاطِنَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ لَبِسَ الْقَمِيصَ وَالسَّرَاوِيلَ وَالْعِمَامَةَ وَالْقَلَنْسُوَةَ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الثِّيَابِ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ ، وَكَانَتْ حَاجَتُهُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَطَيَّبَ مِرَارًا فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ وَفَوْرٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ مَرَّةٍ فِدْيَةٌ ، فِدْيَةٌ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ والليث ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ) أَيْضًا لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ ، فَإِنْ كَفَّرَ ، ثُمَّ صَنَعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَا يَلْبَسُ ، أَوْ يَتَطَيَّبُ فِدْيَةٌ بَعْدَ فِدْيَةٍ أَبَدًا ، وَأَمَّا الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ لِبَاسَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا فَإِنْ غَسَلَ ذَلِكَ الثَّوْبَ حَتَّى تَذْهَبَ رِيحُ الزَّعْفَرَانِ مِنْهُ وَخَرَجَ عَنْهُ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ أَيْضًا . وَكَانَ مَالِكٌ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ يَكْرَهُ الثَّوْبَ الْغَسِيلَ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ إِذَا بَقِيَ فِيهِ مِنْ لَوْنِهِ شَيْءٌ ، وَقَالَ : لَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ ، وَإِنْ غَسَلَهُ إِذَا بَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ لَوْنِهِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ صَبَغَهُ بِالْمِشْقِ وَأَحْرَمَ فِيهِ ، وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْحَدِيثَ ، فَقَالَ فِيهِ : وَلَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ ، أَوْ زَعْفَرَانٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي عِمْرَانَ : رَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ ، وَهُوَ يَتَعَجَّبُ مِنَ الْحِمَّانِيِّ كَيْفَ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : هَذَا - عِنْدِي - ، ثُمْ وَثَبَ مِنْ فَوْرِهِ فَجَاءَ بِأَصْلِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ كَمَا قَالَ الْحِمَّانِيُّ : وَالْوَرْسُ نَبَاتٌ يَكُونُ باليمن كَشِبْهِ الْعُصْفُرِ صَبْغُهُ مَا بَيْنَ الصُّفْرَةِ وَالْحُمْرَةِ وَرَائِحَتُهُ طَيِّبَةٌ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُصْفُرِ فَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْعُصْفُرَ لَيْسَ بِطِيبٍ وَيَكْرَهُونَ لِلْحَاجِّ اسْتِعْمَالَ الثَّوْبِ الَّذِي يُنْتَفَضُ فِي جِلْدِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ : الْعُصْفُرُ طِيبٌ ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنِ اسْتَعْمَلَ شَيْئًا مِنْهُ فِي اللِّبَاسِ ، وَغَيْرِهِ إِذَا اسْتَعْمَلَهُ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَهَذِهِ جُمَلُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْأَحْكَامِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - عَلَى عَوْنِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ · ص 103 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عمر لا تلبسوا القمص ولا العمائم · ص 26 716 ( 3 ) بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ 677 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ ، وَلَا الْعَمَائِمَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْبَرَانِسَ ، وَلَا الْخِفَافَ . إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ . وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ . 15253 - سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ ، فَقَالَ : لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا . وَلَا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرَاوِيلَ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلَاتِ ، فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا . وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا ، كَمَا اسْتَثْنَى فِي الْخُفَّيْنِ . 15254 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ مَا دَامَ مُحْرِمًا ، وَفِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقُمُصِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَالْبَرَانِسِ يَدْخُلُ الْمَخِيطُ كُلُّهُ فَلَا يَجُوزُ لِبَاسُ شِيءٍ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا مَنْ شَذَّ عَنْهُ مِمَّنْ لَا يَجِدُ خِلَافًا عَنْهُمْ ، بَلْ هُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ . 15255 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْخِطَابِ فِي اللِّبَاسِ الْمَذْكُورِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ بِلِبَاسِ الْقَمِيصِ وَالدِّرْعِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْخُمُرِ وَالْخِفَافِ . 15256 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ إِحْرَامَ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْبَرَانِسِ وَالْعَمَائِمِ . 15257 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا ، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا وَتَسْتُرَ شَعْرَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ ، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تَسْدُلَ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَرْقِ رَأْسِهَا سَدْلًا خَفِيفًا تَسْتَتِرُ بِهِ عَنْ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَيْهَا . 15258 - وَلَمْ يُجَوِّزْ لَهَا تَغْطِيَةَ رَأْسِهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَسْمَاءَ . 15259 - رَوَى مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، قَالَتْ : كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . 15260 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ يَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ كَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَإِذَا مَرَّ بِنَا رَاكِبٌ سَدَلْنَا الثَّوْبَ مِنْ قِبَلِ رُءُوسِنَا ، وَإِذَا جَاوَزَنَا الرَّاكِبُ رَفَعْنَاهُ . 15261 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النِّبِيِّ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) أَنَّهُ نَهَى الْمَرْأَةَ الْحَرَامَ عَنِ النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ . 15262 - رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ ؟ . . . ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ . 15263 - قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) كَمَا رَوَاهُ اللَّيْثُ ، وَرَوَاهُ أَبُو قُرَّةَ وَمُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ . 15264 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَفْعُهُ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا . 15265 - وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَيْضًا . 15266 - وَعَلَى كَرَاهَةِ النِّقَابِ لِلْمَرْأَةِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي كَرَاهَةِ التَّبَرْقُعِ وَالنِّقَابِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ : أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّي وَجْهَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ . 15267 - وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : تُغَطِّي الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَجْهَهَا إِنْ شَاءَتْ . 15268 - وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا لَا تَفْعَلُ . وَعَلَيْهِ النَّاسُ . 15269 - وَأَمَّا الْقُفَّازَانِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا أَيْضًا . 15270 - وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يُلْبِسُ بَنَاتِهِ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ الْقُفَّازَيْنِ . 15271 - وَرَخَّصَتْ فِيهِمَا عَائِشَةُ أَيْضًا . 15272 - وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . 15273 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 15274 - وَقَدْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا . 15275 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ لَبِسَتِ الْمَرْأَةُ قُفَّازَيْنِ افْتَدَتْ . 15276 - وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي ذَلِكَ : أَحَدُهُمَا : تَفْتَدِي . وَالْآخَرُ : لَا شَيْءَ عَلَيْهَا . 15277 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّوَابُ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ نَهَى الْمَرْأَةَ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا الْفِدْيَةَ لِثُبُوتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) . 15278 - وَأَمَّا الرَّجُلُ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يُخَمِّرُ رَأْسَهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْمِيرِ وَجْهِهِ ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 15279 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ فَقَدْ أَوْضَحَ وَجْهَ قَوْلِهِ وَحُجَّتَهُ فِي ذَلِكَ . 15280 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا وَجَدَ إِزَارًا لَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ . وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا هَلْ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ السَّرَاوِيلَ ؟ وَإِنْ لَبِسَهَا عَلَى ذَلِكَ هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لَا ؟ 15281 - فَقَوْلُ مَالِكٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْهُ . 15282 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ . 15283 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي إِيجَابِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ ، فَقَالَا : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَجَدَ الْإِزَارَ أَوْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ ، إِلَّا أَنْ يَشُقَّ السَّرَاوِيلَ وَيَفْتَقَهُ وَيَتَّزِرَ بِهِ . 15284 - وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ : إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ إِزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 15285 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ . 15286 - وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّمْهِيدِ . 15287 - وَاخْتَلَفُوا فِيمن لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ : هَلْ يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ وَلَا يَقْطَعُهُمَا ؟ . 15288 - ذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَلَا يَقْطَعُهُمَا . 15289 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 15290 - قَالَ عَطَاءٌ : فِي قَطْعِهِمَا فَسَادٌ ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ . 15291 - وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ بَعْدَ أَنْ يَقْطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ . 15292 - وَبِهَذَا قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ . 15293 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : ابْنُ عُمَرَ قَدْ زَادَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْئًا نَقَصَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَحَفِظَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ . 15294 - قَالَ : وَالْمَصِيرُ إِلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَوْلَى . 15295 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ فِيمَنْ لَبِسَ خُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ أَوْ غَيْرَ مَقْطُوعَيْنِ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِلنَّعْلَيْنِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . 15296 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِذَا لَبِسَهُمَا مَقْطُوعَيْنِ وَهُوَ وَاجِدٌ نَعْلَيْنِ . 15297 - قَالَ : وَمَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ افْتَدَى عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَجَدَ إِزَارًا أَوْ لَمْ يَجِدْ ، إِلَّا أَنْ يُعْتِقَ السَّرَاوِيلَ . 15298 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ وَهُوَ وَاجِدٌ النَّعْلَيْنِ ، فَمَرَّةً قَالَ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . 15299 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . 15300 - وَمَرَّةً قَالَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 15301 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ حَتَّى لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ وَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ فِي الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 15302 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ انْصَرَفَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ مِنْ جَوَازِ لِبَاسِ الْخُفَّيْنِ غَيْرَ مَقْطُوعَيْنِ لِلْمُحْرِمَةِ كَمَا تَلْبَسُ الْمَخِيطَ . 15303 - وَقَدْ كَرِهَ ابْنُ عُمَرَ أَيْضًا أَنْ يُلْقَى عَلَيْهِ بُرْنُسٌ ، أَوْ ثَوْبٌ مَخِيطٌ وَهُوَ مَرِيضٌ مُحْرِمٌ ، وَقَالَ لِنَافِعٍ : أَتُلْقِي عَلَيَّ هَذَا ؟ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ . 15304 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِنِ ابْنِ عُمَرَ وَرَعٌ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ ، فَإِنَّمَا يَكْرَهُونَ مِنَ الْبُرْنُسِ وَالثَّوْبِ الْمَخِيطِ الدُّخُولَ فِيهِ . 15305 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمٌ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ ، ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ لِلنِّسَاءِ فِي لُبْسِ الْخُفَّيْنِ ; فَتَرَكَ ذَلِكَ . 15306 - وَقَالَ مَالِكٌ : مَنِ ابْتَاعَ خُفَّيْنِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَجَرَّبَهُمَا أَوْ قَاسَهُمَا فِي رِجْلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَإِنْ تَرَكَهُمَا حَتَّى مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَطَرٍ افْتَدَى . 15307 - فِي الْأَسَدِيَّةِ ، عَنْ أَسَدٍ ، وَسُحْنوُنٍ ، وَأَبِي ثَابِتٍ ، وَأَبِي زَيْدٍ : قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُدْخِلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقِبَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ وَلَا يَزِرُهُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعْمَ . قُلْتُ : فَكَانَ يَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَطْرَحَ قَمِيصَهُ عَلَى ظَهْرِهِ . بِرِدَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ ؟ قَالَ : لَا . 15308 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ مَا كَرِهَ مَالِكٌ : الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ . 15309 - وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولَانِ : لَا بَأْسَ أَنْ يُدْخِلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقَبَاءِ . 15310 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ . 15311 - وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَتَرَدَّى بِهِ . 15312 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا أَدْخَلَ الْمُحْرِمُ كَفَّيْهِ فِي الْقَبَاءِ افْتَدَى ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ فِيهِ كَفَّيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 15313 - وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ، وَالشَّافِعِيِّ . 15314 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ ذِرَاعَيْهِ . 15315 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ عَقَدَ إِزَارَهُ عَلَى عُنُقِهِ افْتَدَى . 15316 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ · ص 339 3 - بَاب مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ 710 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْبَرَانِسَ ، وَلَا الْخِفَافَ ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ . قَالَ يَحْيَى : سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا ذُكِرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ فَقَالَ : لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا ، وَلَا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرَاوِيلَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلَاتِ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا كَمَا اسْتَثْنَى فِي الْخُفَّيْنِ . 3 - بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْإِحْرَامُ الدُّخُولُ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ وَالتَّشَاغُلُ بِأَعْمَالِهِمَا ، وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَسْتَشْكِلُ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ وَيَبْحَثُ فِيهِ كَثِيرًا ، وَإِذَا قِيلَ إِنَّهُ النِّيَّةُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الْحَجِّ الَّذِي الْإِحْرَامُ رُكْنُهُ ، وَشَرْطُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ ، وَيَعْتَرِضُ عَلَى أَنَّهُ التَّلْبِيَةُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَالْإِحْرَامُ هُنَا رُكْنٌ ، وَكَانَ يُحْرِمُ عَلَى تَعْيِينِ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ النِّيَّةُ فِي الِابْتِدَاءِ انْتَهَى . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُحْرِمَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَحْرَمَ بِمَعْنَى دَخَلَ فِي الْحُرْمَةِ أَيْ أَدْخَلَ نَفْسَهُ وَصَيَّرَهَا مُتَلَبِّسَةً بِالسَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِلْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي عِبَادَةِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةُ أَوْ هُمَا مَعًا ، فَحَرُمَ عَلَيْهِ الْأَنْوَاعُ السَّبْعَةُ : لُبْسُ الْمَخِيطِ ، وَالطِّيبُ ، وَدَهْنُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ ، وَإِزَالَةُ الشَّعَرِ وَالظُّفُرِ ، وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ ، وَالصَّيْدُ ، فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ النِّيَّةَ مُغَايِرَةٌ لَهُ لِشُمُولِهَا لَهُ وَلِغَيْرِهِ لِأَنَّهَا قَصْدُ فِعْلِ الشَّيْءِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ ، فَأَرْكَانُ الْحَجِّ مَثَلًا : الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالْوُقُوفُ وَالسَّعْيُ ، وَالنِّيَّةُ : فِعْلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِهَذَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ ، وَكَانَ الَّذِي كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ . 716 710 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا ) ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ، ( سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ؟ ) وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ : مَا نَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ إِذَا أَحْرَمْنَا ؟ وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ . وَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَاللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُمَا ، نَعَمْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْطُبُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ ، وَأَشَارَ نَافِعٌ إِلَى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَظَهَرَ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ . وَلِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ بِذَلِكَ فِي عَرَفَاتٍ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ابْتَدَأَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : أَجَابَ بِهِ السَّائِلَ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْمِيمِ جَمْعُ قَمِيصٍ ، وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ : لَا يَلْبَسُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْأَشْهَرِ خَبَرٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ إِذْ هُوَ جَوَابُ السُّؤَالِ أَوْ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَبِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ وَكُسِرَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . ( وَلَا الْعَمَائِمَ ) جَمْعُ عِمَامَةٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَعُمُّ جَمِيعَ الرَّأْسِ ، ( وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ) جَمْعُ سِرْوَالٍ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَالسَّرَاوِينُ بِالنُّونِ لُغَةٌ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ لُغَةٌ أَيْضًا . ( وَلَا الْبَرَانِسَ ) جَمْعُ بُرْنُسٍ بِضَمِّ النُّونِ ، قَالَ الْمَجْدُ : قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ أَوْ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ ، دُرَّاعَةٌ كَانَ أَوْ جُبَّةٌ . ( وَلَا الْخِفَافَ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ ، جَمْعُ خُفٍّ ، فَنَبَّهَ بِالْقَمِيصِ عَلَى كُلِّ مَا فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ الْمَخِيطُ ، وَالْمَخِيطُ الْمَعْمُولُ عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ ، وَبِالسَّرَاوِيلِ عَلَى الْمَخِيطِ الْمَعْمُولِ عَلَى قَدْرِ عُضْوٍ مِنْهُ كَالتُّبَّانِ وَالْقُفَّازِ وَغَيْرِهِمَا ، وَبِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ مَا يُغَطِّي الرَّأْسَ مَخِيطًا أَوْ غَيْرَهُ ، وَبِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ مَا يَسْتُرُ الرِّجْلَ مِنْ مَدَاسٍ وَجَوْرَبٍ وَغَيْرِهِمَا . وَالْمُرَادُ بِتَحْرِيمِ الْمَخِيطِ مَا يُلْبَسُ عَلَى الْوَضْعِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ ، فَلَوِ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ مَثَلًا فَلَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذَكَرَ الْعِمَامَةَ وَالْبُرْنُسَ مَعًا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ لَا بِالْمُعْتَادِ وَلَا بِالنَّادِرِ وَمِنْهُ الْمِكْتَلُ يَحْمِلُهُ عَلَى رَأْسِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : إِنْ أَرَادَ لَبِسَهُ كَالْقُبَّعِ صَحَّ مَا قَالَ ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ وَضْعِهِ عَلَى رَأْسِهِ عَلَى هَيْئَةِ الْحَامِلِ لَهُ لَا يَضُرُّ فِي مَذْهَبِهِ كَالِانْغِمَاسِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا ، وَكَذَا سَتْرُ الرَّأْسِ بِالْيَدِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى اخْتِصَاصِ النَّهْيِ بِالرَّجُلِ ، فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ . فَإِنْ قِيلَ : السُّؤَالُ وَقَعَ عَمَّا يَجُوزُ لُبْسُهُ وَالْجَوَابُ وَقَعَ عَمَّا لَا يَجُوزُ فَمَا حِكْمَتُهُ ؟ أَجَابَ الْعُلَمَاءُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ : بِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزْلِهِ لِأَنَّ مَا لَا يُلْبَسُ مُنْحَصِرٌ فَصَرَّحَ بِهِ ، وَأَمَّا الْجَائِزُ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ فَقَالَ : لَا يُلْبَسُ كَذَا أَيْ يُلْبَسُ مَا سِوَاهُ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : أَجَابَ بِمَا لَا يُلْبَسُ لِيَدُلَّ بِالِالْتِزَامِ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْجَوَابِ لِأَنَّهُ أَحْصَرُ وَأَخْصَرُ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ حَقَّ السُّؤَالِ أَنْ يَكُونَ عَمَّا لَا يُلْبَسُ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْعَارِضَ فِي الْإِحْرَامِ الْمُحْتَاجَ لِبَيَانِهِ ، إِذِ الْجَوَازُ ثَابِتٌ بِالْأَصْلِ الْمَعْلُومِ بِالِاسْتِصْحَابِ فَكَانَ اللَّائِقُ السُّؤَالُ عَمَّا لَا يُلْبَسُ ، قَالَ : وَهَذَا يُشْبِهُ أُسْلُوبَ الْحَكِيمِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 215 ) الْآيَةَ ، فَعَدَلَ عَنْ جِنْسِ الْمُنْفَقِ وَهُوَ الْمَسْؤولُ عَنْهُ إِلَى جِنْسِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجَوَابِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ كَيْفَ كَانَ وَلَوْ بِتَغْيِيرٍ أَوْ زِيَادَةٍ وَلَا تُشْتَرَطُ الْمُطَابَقَةُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْ نَافِعٍ . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عُوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ وَهِيَ شَاذَّةٌ وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ لَا عَلَى نَافِعٍ . وَرَوَاهُ سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ؟ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَأَبُو عُوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ نَافِعٍ ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ مَرَّةً مَا يَتْرُكُ وَمَرَّةً مَا يَلْبَسُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ نَافِعٍ ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ ، رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَاسْتَقَامَتْ رِوَايَةُ نَافِعٍ لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا وَاتَّجَهَ الْبَحْثُ الْمُتَقَدِّمُ وَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ ، بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِمَا يَحْصُرُ أَنْوَاعَ مَا يُلْبَسُ كَأَنْ يُقَالَ مَا لَيْسَ بِمَخِيطٍ ، وَلَا عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ كَالْقَمِيصِ أَوْ بَعْضِهِ كَالسَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ وَلَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ أَصْلًا وَلَا يُلْبَسُ مَا مَسُّهُ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ ( إِلَّا أَحَدًا ) بِالنَّصْبِ عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ ، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بَعْدَ النَّفْيِ وَشِبْهِهِ ( لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ ) زَادَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ زِيَادَةً حَسَنَةً تُفِيدُ ارْتِبَاطَ ذِكْرِ النَّعْلَيْنِ بِمَا سَبَقَ وَهِيَ قَوْلُهُ : وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ ( فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ) ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ لَكِنَّهُ لَمَّا شُرِعَ لِلتَّسْهِيلِ لَمْ يُنَاسِبِ التَّثْقِيلَ وَإِنَّمَا هُوَ لِلرُّخْصَةِ ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ أَحَدٍ فِي الْإِثْبَاتِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ : وَقَدْ ظَهَرْتَ فَلَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى أَحَدٍ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا قَالَ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ أَحَدًا لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِثْبَاتِ إِلَّا أَنْ يَعْقُبَهُ النَّفْيُ وَكَانَ الْإِثْبَاتُ حِينَئِذٍ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ، وَنَظِيرُ هَذَا زِيَادَةُ الْبَاءِ ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ فِي النَّفْيِ ، وَقَدْ زِيدَتْ فِي الْإِثْبَاتِ الَّذِي هُوَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ( سُورَةُ الْأَحْقَافِ : الْآيَةُ 33 ) ، ( وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ) وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ ، وَفِيهِ أَنَّ وَاجِدَ النَّعْلَيْنِ لَا يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنْ صَارَا كَالنَّعْلَيْنِ جَازَ وَإِلَّا فَمَتَى سَتَرَا مِنْ ظَاهِرِ الرِّجْلِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا لِلْفَاقِدِ ، وَهُوَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ لِفَقْدِهِ أَوْ تَرْكِ بَذْلِ الْمَالِكِ لَهُ أَوْ عَجْزِهِ عَنِ الثَّمَنِ إِنْ وُجِدَ مَعَهُ ، أَوْ عَنِ الْأُجْرَةِ وَلَوْ بِيعَ بِغَبْنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ ، أَوْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ إِلَّا إِنْ أُعِيرَ لَهُ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا إِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : تَجِبُ كَمَا إِذَا احْتَاجَ لِحَلْقِ رَأْسِهِ يَحْلِقُ وَيَفْتَدِي ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ ، وَأَيْضًا لَوْ وَجَبَتْ فَدِيَةٌ لَمْ يَكُنْ لِلْقَطْعِ فَائِدَةٌ لِأَنَّهَا تَجِبُ إِذَا لَبِسَهُمَا بِلَا قَطْعٍ ، فَإِنْ لَبِسَهُمَا مَعَ وُجُودِ نَعْلَيْنِ افْتَدَى عِنْدَ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا فِدْيَةَ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَانِ ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ قَطْعَهُمَا شَرْطٌ فِي جَوَازِ لُبْسِهِمَا خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ فِي إِجَازَةِ لُبْسِهِمَا بِلَا قَطْعٍ لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ : وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُوَافِقُ عَلَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيِّدِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بِهِ هُنَا فَإِنَّ حَمْلَهُ عَلَيْهِ جَيِّدٌ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، وَذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى الصُّوَرِ الْمُطْلَقَةِ ، فَلَوْ عَمِلَ بِالْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَلْغَى الْأَمْرَ وَذَلِكَ لَا يَسُوغُ ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ نَسْخَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ - وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ - : انْظُرُوا أَيُّهُمَا قَبْلُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيَّ قَالَ : حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ قَبْلُ لِأَنَّهُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ . وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا فِي الْأُمِّ فَقَالَ : كِلَاهُمَا صَادِقٌ حَافِظٌ ، وَزِيَادَةُ ابْنِ عُمَرَ لَا تُخَالِفُ ابْنَ عَبَّاسٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَزَبَتْ عَنْهُ أَوْ شَكَّ أَوْ قَالَهَا فَلَمْ يَنْقُلْهَا عَنْهُ بَعْضُ رُوَاتِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافَقَتَهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : وَإِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلِيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَبَعْضُهُمْ سَلَكَ التَّرْجِيحَ فَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رَفْعِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ مَرْدُودٌ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْأَمْرِ بِالْقَطْعِ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ ، عَلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا ، وَلَا يَرْتَابُ أَحَدٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ جَاءَ بِإِسْنَادٍ وُصِفَ بِأَنَّهُ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ نَافِعٌ وَسَالِمٌ ، بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَأْتِ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ حَتَّى قَالَ الْأَصِيلِيُّ : إِنَّهُ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ لَا يُعْرَفُ مَعَ أَنَّهُ مَعْرُوفٌ مَوْصُوفٌ بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَلَّ بِقَوْلِ عَطَاءٍ : الْقَطْعُ فَسَادٌ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْفَسَادَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا نَهَى عَنْهُ الشَّارِعُ لَا فِيمَا أَذِنَ فِيهِ ، وَحَمْلُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْأَمْرَ بِالْقَطْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى الِاشْتِرَاطِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ لَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ ، ( وَلَا تَلْبَسُوا ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ ( مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ ) بِالتَّعْرِيفِ ، وَلِيَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ زَعْفَرَانٌ بِالتَّنْكِيرِ مُنَوَّنٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَلِفٌ وَنُونٌ فَقَطْ ، وَهُوَ لَا يُمْنَعُ الصَّرْفَ . ( وَلَا الْوَرْسُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ، نَبْتٌ أَصْفَرُ طَيِّبُ الرِّيحِ يُصْبَغُ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَيْسَ الْوَرْسُ بِطِيبٍ ، وَلَكِنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى اجْتِنَابِ الطِّيبِ وَمَا يُشْبِهُهُ فِي مُلَايَمَةِ الشَّمِّ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّطَيُّبُ ، وَهَذَا الْحُكْمُ شَامِلٌ لِلنِّسَاءِ ، قِيلَ : فَعَدَلَ عَمَّا تَقَدَّمَ إِشَارَةً إِلَى اشْتِرَاكِهِمَا وَفِيهِ نَظَرٌ ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ نُكْتَةَ الْعُدُولِ أَنَّ الَّذِي يُخَالِطُهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ أَوْ لَا يَلْبَسُهُ قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ النُّكْتَتَيْنِ . وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ : نَبَّهَ بِهِمَا عَلَى مَا هُوَ أَطْيَبُ رَائِحَةً مِنْهُمَا كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِمَا ، وَإِذَا حَرُمَ فِي الثَّوْبِ فَفِي الْبَدَنِ أَوْلَى ، وَفِي مَعْنَاهُ تَحْرِيمُهُ فِي الْمَأْكُولِ لِأَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ تَطْيِيبَ طَعَامِهِمْ كَمَا يَقْصِدُونَ تَطْيِيبَ لِبَاسِهِمْ ، وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَهَذَا فِيمَا يُقْصَدُ لِلتَّطَيُّبِ بِهِ ، أَمَّا الْفَوَاكِهُ كَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَأَزْهَارِ الْبَرِّ كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَنَحْوِهِمَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلتَّطَيُّبِ انْتَهَى . لَكِنْ فِي حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ فِي الْمَأْكُولِ الْمُطَيَّبِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : لَا يَحْرُمُ لِأَنَّ الْوَارِدَ اللُّبْسُ ، وَالتَّطَيُّبُ وَالْأَكْلُ لَا يُعَدُّ تَطَيُّبًا . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجِمَاعِ وَلِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلْحَجِّ ، فَإِنَّ الْحَاجَّ أشعث أَغْبَرُ ، وَالْقَصْدُ عَنْ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا وَمَلَاذِّهَا ، وَيَنْجَمِعَ هَمُّهُ لِمَقَاصِدِ الْآخِرَةِ وَالِاتِّصَافِ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ ، وَلِيَتَذَكَّرَ الْقُدُومَ عَلَى رَبِّهِ فَيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى مُرَاقَبَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ ، وَلِيَتَذَكَّرَ بِهِ الْمَوْتَ وَلُبْسَ الْأَكْفَانِ ، وَيَتَذَكَّرَ الْبَعْثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً ، وَلِيَتَفَاءَلَ بِتَجَرُّدِهِ عَنْ ذُنُوبِهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ ، السِّتَّةُ عَنْ مَالِكٍ ، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ . ( قَالَ يَحْيَى : سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا ذُكِرَ ) فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ( عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : ) مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ، ( وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَا يَجِدُ الْإِزَارَ ، وَالْخُفُّ لِمَنْ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ ، ( فَقَالَ : لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا ، وَلَا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرَاوِيلَ ) عَلَى صِفَةِ لُبْسِهَا بِلَا فَتْقٍ ؛ ( لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ( عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلَاتِ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مَنْ لُبِسَ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي ) لَا يَجُوزُ ( لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا كَمَا اسْتَثْنَى فِي الْخُفَّيْنِ ) فَيُحْمَلُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ عَلَى مَا إِذَا فَتَقَهُ وَجَعَلَ مِنْهُ شِبْهَ إِزَارٍ ، فَيَجُوزُ كَمَا جَازَ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ ، أَوْ عَلَى حَالِهِ لِضَرُورَةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَلَكِنْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، كَمَا لَوِ اضْطُرَّ إِلَى تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ فَيُغَطِّيهَا وَيَفْتَدِي جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَشَارَ إِلَيْهِمَا عِيَاضٌ ، وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ : الْأَصْلُ أَنَّ تَضْيِيعَ الْمَالِ حَرَامٌ ، وَالرُّخْصَةُ جَاءَتْ فِي اللُّبْسِ ، فَظَاهِرُهَا إِبَاحَةُ اللُّبْسِ الْمُعْتَادِ إِبَاحَةً لَا تَقْتَضِي غَرَامَةً ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ ، فَإِذَا فَتَقَ السِّرْوَالَ وَاتَّزَرَ بِهِ لَمْ يَسْتُرْهَا وَالْخُفُّ لَا يُغَطِّي عَوْرَةً ، إِنَّمَا هُوَ لِبَاسُ رِفْقٍ وَزِينَةٍ فَلَا يَشْتَبِهَانِ فِيهِ نَظَرٌ ، فَالْمَانِعُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ الَّذِي قَالَ بِهِ أَحْمَدُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَأَنَّهُ لَا فِدْيَةَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْهَا ، وَزَعْمُهُ أَنَّهَا لَا تَسْتُرُ الْعَوْرَةَ إِنْ فُتِقَتْ وَاتَّزَرَ بِهَا مُكَابَرَةٌ ، وَالْغَرَامَةُ لِلْمُحْرِمِ بِالْفِدْيَةِ مَعْهُودَةٌ كَثِيرًا وَتَخْيِيرُهُ بَيْنَ الْفَتْقِ وَالِاتِّزَارِ وَبَيْنَ لُبْسِهَا كَمَا هِيَ وَالْفِدْيَةِ تَنْفِي ضَرَرَهُ .