ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنُ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ القرشي الزُّهْرِيُّ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَبَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَعَامِرٌ هَذَا أَحَدُ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، وَهُمْ خَمْسَةُ إِخْوَةٍ كُلُّهُمْ رَوَى الْحَدِيثَ : عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ هَذَا سَكَنَ الْمَدِينَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ : إنَّهُ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ . وَمُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ سَكَنَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا ، وَرَوَى عَنْهُ أَهْلُهَا ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ . وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَقَتَلَهُ الْحَجَّاجُ ، وَابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَوَى عَنْهُ الْعِلْمَ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ، وَمُوسَى بْنُ سَعْدٍ رَوَى عَنْهُ الْحَدِيثَ وَعَنِ ابْنِهِ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى . وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ وَلِيَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ ، ثُمَّ قَتَلَهُ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَقَتَلَ مَعَهُ ابْنَهُ حَفْصَ بْنَ عُمَرَ . وَأَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَثِقَاتِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ وَأَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْخَبَرِ مِنْهُمْ ، وَكُلُّ بَنِي سَعْدٍ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعَيْنِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَيَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ : وَلَا تَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي أَوْ إِلَّا ابْنَتِي - عَلَى مَا رُوِيَ مِنَ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ نَقَلَةِ حَدِيثِهِ هُنَا - وَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ ; لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ وَلَهُ بَنَاتُ ، وَمَرَضُهُ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِيمَا ذَكَرَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ فِيهِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ : عَامَ الْفَتْحِ . وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ذَلِكَ فِيهِ عَنْهُ غير ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَسَنَذْكُرُ رِوَايَتَهُ فِي ذَلِكَ وَقَوْلَ مَنْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 1495 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَبِي وَجَعٌ قَدِ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ بَلَغَ مِنِّي الْوَجَعُ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا تَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : الثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ فِيهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ! يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ . هَذَا حَدِيثٌ قَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ إِسْنَادِهِ ، وَجَعَلَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَصْلًا فِي مِقْدَارِ الْوَصِيَّةِ وَأنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ بِهَا الثُّلُثَ ، إِلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ اخْتِلَافًا عِنْدَ نَقَلَتِهِ . فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ فِيهِ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ . انْفَرَدَ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِيمَا عَلِمْتُ . وَقَدْ رَوَيْنَا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، فَكُلُّهُمْ قَالَ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ؛ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَرِضْتُ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ مَرَضًا أَشَفَيْتُ مِنْهُ ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ لِي مَنْ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : قُلْتُ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : قَالَ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَمَالِكٌ : حَجَّةَ الْوَدَاعِ ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَامَ الْفَتْحِ . قَالَ : وَالَّذِينَ قَالُوا حَجَّةَ الْوَدَاعِ أَصْوَبُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ أَجِدْ ذِكْرَ عَامِ الْفَتْحِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، رَوَاهُ عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَمْرٍو الْقَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَخَلَّفَ سَعْدًا مَرِيضًا حِينَ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ مُعْتَمِرًا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ وَجِعٌ مَغْلُوبٌ ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي مَالًا ، وَإِنِّي أُورَثُ كَلَالَةً ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ أَوْ أَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . هَكَذَا فِي حَدِيثِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ أَفَأُوصِي عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَصْحَابُهُ لَا ابْنُ عُيَيْنَةَ وَلَا غَيْرُهُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ أَوْ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ وَلَمْ يَقُلْ : أَفَأُوصِي ، فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَوْلُهُ : أَفَأَتَصَدَّقُ - كَانَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هِبَاتِ الْمَرِيضِ وَصَدَقَاتِهِ وَعِتْقِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِهِ لَا مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَعَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ . وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ثُمَّ تُوُفِّيَ ، فَأَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْهُمْ دَاوُدُ فِي هِبَةِ الْمَرِيضِ أَنَّهَا مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ شُذُوذُهُمْ عَنِ السَّلَفِ وَمُخَالَفَةِ الْجُمْهُورِ وَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ هُوَ الَّذِي قَالَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي أَوْ بِمَالِي ؟ وَأَمَّا مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ فَإِنَّمَا قَالَ : أَفَأُوصِي ؟ وَلَمْ يَقُلْ : أَفَأَتَصَدَّقُ ؟ وَالَّذِي أَقُولُهُ : إِنَّ ابْنَ شِهَابٍ هُوَ الَّذِي قَالَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَفَأَتَصَدَّقُ ؟ لِأَنَّ غَيْرَ ابْنِ شِهَابٍ رَوَاهُ عَنْ عَامِرٍ فَقَالَ فِيهِ : أَفَأُوصِي ؟ كَمَا قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . رَوَى شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ، قَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عَفْرَاءَ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ... وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ لَهُ : أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالنِّصْفُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ... . فَهَذِهِ الْآثَارُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ . وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِهِ إِذَا تَرَكَ وَرَثَةً مِنْ بَنِينَ أَوْ عَصَبَةٍ . وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَتْرُكْ بَنِينَ وَلَا عَصَبَةً وَلَا وَارِثًا بِنَسَبٍ أَوْ نِكَاحٍ ؛ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ . وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مِثْلَهُ ، وَقَالَ بِقَوْلِهِمَا قَوْمٌ مِنْهُمْ مَسْرُوقٌ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَحْمَدَ . وَذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ يَقُولُ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَدَعَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ ، وَهَذَا لَا وَرَثَةَ لَهُ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ عُنِيَ بِالْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنْ أَبَا مُوسَى أَجَازَ وَصِيَّةَ امْرَأَةٍ بِمَالِهَا كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ مَسْعُودٍ : إِنَّكُمْ مِنْ أَحْرَى حَيٍّ بِالْكُوفَةِ أَنْ يَمُوتَ وَلَا يَدَعُ عَصَبَةً وَلَا رَحِمًا ، فَمَا يمنعه إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ قَالَ : إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ لِأَحَدٍ وَلَا عَصَبَةٌ يَرِثُونَهُ فَإِنَّهُ يُوصِي بِمَالِهِ كُلِّهِ حَيْثُ شَاءَ . وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ - مِثْلَهُ . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِهِ ، كَانَ لَهُ بَنُونَ ، أَوْ وُرِثَ كَلَالَةً ، أَوْ وَرِثَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ بَيْتَ مَالِهِمْ عَصَبَةُ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ . وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ طَوَائِفَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصٌ لِلْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِمِقْدَارٍ لَا يُتَعَدَّى ، وَكَانَ مُرَادُهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كَلَامِهِ مَا بَيَّنَهُ عَنْهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ ؛ يَعْنِي لِتُبَيِّنَ لَهُمْ مُرَادَ رَبِّهِمْ فِيمَا احْتَمَلَهُ التَّأْوِيلُ مِنْ كِتَابِهِمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فِي بَابِ نَافِعٍ وَبَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرِ مِنَ الثُّلُثِ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ جَازَتْ ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ لَمْ يَجُزْ مِنْهَا إِلَّا الثُّلُثُ . وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : إِنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرِ مِنَ الثُّلُثِ لَا تَجُوزُ ، أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ أَوْ لَمْ يُجِيزُوهَا ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدٍ حِينَ قَالَ لَهُ : أُوصِي بِشَطْرِ مَالِي ؟ قَالَ : لَا ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إِنْ أَجَازَهُ وَرَثَتُكَ جَازَ . وَكَذَلِكَ قَالُوا : إِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ ، أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ أَوْ لَمْ يُجِيزُوهَا ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ يُجِيزُونَ ذَلِكَ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ ، وَيَجْعَلُونَهَا هِبَةً مُسْتَأْنَفَةً مِنْ قِبَلِ الْوَرَثَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ . وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْغَايَةُ الَّتِي إِلَيْهَا تَنْتَهِي الْوَصِيَّةُ وَأنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَأَنَّ التَّقْصِيرَ عَنْهُ أَفْضَلُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَقِبِ قَوْلِهِ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ : وَلَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ؟ فَاسْتَحَبَّ لَهُ الْإِبْقَاءَ لِوَرَثَتِهِ . وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ ، ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ قَلِيلًا وَمَالُهُ كَثِيرًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْلُغَ الثُّلُثَ فِي وَصِيَّتِهِ . وَاسْتَحَبَّ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْوَصِيَّةَ بِالرُّبُعِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : السُّنَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الرُّبُعُ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يُعْرَفُ فِي مَالِهِ شُبُهَاتٌ فَيَجُوزُ لَهُ الثُّلُثُ ، لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ لِإِسْحَاقَ حُجَّةً فِي قَوْلِهِ : السُّنَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الرُّبْعُ ، وَهَذَا الَّذِي نَزَعَ بِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ سُنَّةً . وَقَدْ رُوِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ كَانَ يُفَضِّلُ الْوَصِيَّةَ بِالْخُمُسِ ، وَبِذَلِكَ أَوْصَى وَقَالَ : رَضِيتُ لِنَفْسِي مَا رِضَى اللَّهُ لِنَفْسِهِ . كَأَنَّهُ يَعْنِي خُمُسَ الْغَنَائِمِ ، وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ الوصية بالثلث ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فِي الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ . وَهُوَ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَطَلْحَةُ ضَعِيفٌ ، رَوَى عَنْهُ هَذَا الْخَبَرَ وَكِيعٌ وَابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لَا تَجُوزُ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الثُّلُثُ وَسَطٌ لَا غَبْنَ فِيهِ وَلَا شَطَطَ ، وَهَذَا لَا نَدْرِي مَا هُوَ ; لِأَنَّ الْغَايَةَ لَيْسَتْ بِوَسَطٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ حُكْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ وَسَطٌ أَيْ عَدْلٌ ، وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، فَلَيْتَهُمْ نَقَصُوا إِلَى الرُّبُعِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ ، وَالْقُضَاةُ يُجِيزُونَهُ ، وَالرُّبُعُ قَصْدٌ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : الثُّلُثُ جَهْدٌ ، وَهُوَ جَائِزٌ . وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : أَوْصَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالرُّبُعِ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانَ الْخُمُسُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الرُّبُعِ ، وَالرُّبُعِ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الثُّلُثِ . قَالَ الثَّوْرِيُّ : وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ وَأَبَا قِلَابَةَ يَقُولَانِ : أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : أَوْصَانِي أَبِي أَنْ أَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ : أَيُّ الْوَصِيَّةِ أَعْدَلُ ؟ فَمَا تَتَابَعُوا عَلَيْهِ فَهِيَ وَصِيَّتُهُ ، فَسَأَلْتُ ، فَتَتَابَعُوا عَلَى الْخُمُسِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ : صَاحِبُ الرُّبُعِ أَفْضَلُ مَنْ صَاحِبِ الثُّلُثِ ، وَصَاحِبُ الْخُمُسِ أَفْضَلُ مَنْ صَاحِبِ الرُّبُعِ - يَعْنِي فِي الْوَصِيَّةِ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِلَّا عَلَى مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَقَدْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إِلَّا فِرْقَةً شَذَّتْ فَأَوْجَبَتْ ذَلِكَ . وَالْآيَةُ بِإِيجَابِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ مَنْسُوخَةٌ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي بَابِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَمْ يُوصِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً كَانَ أَبْدَرَ النَّاسِ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تُعْطِيَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الغنى وَتَخْشَى الْفَقْرَ ، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ النَّفْسُ الْحُلْقُومَ قُلْتَ : هَذَا لِفُلَانٍ ، وَهَذَا لِفُلَانٍ ! وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ الزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ كَانَا يُشَدِّدَانِ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْوَصِيَّةِ ، فَقَالَ : مَا كَانَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَفْعَلَا ، تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا أَوْصَى ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ ، فَإِنْ أَوْصَى فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَلَا بَأْسَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ هَذَا بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مَا يُوصِي فِيهِ ; لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَتْرُكُهُ صَدَقَةً . قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَوْنٍ يَقُولُ : إِنَّمَا الْوَصِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ ، فَأَحَبُّ إِلَيَّ إِذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ غَنِيًّا عَنْهَا أَنْ يَدَعَهَا . وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ فِي الْحَدِيثِ وَأَنَا ذُو مَالٍ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَا مَالٍ مَا أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوَصِيَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : لَأَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ؟ وَقَدْ مَنَعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوِ ابْنُ عُمَرَ مَوْلًى لَهُمْ مِنْ أَنْ يُوصِيَ ، وَكَانَ لَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَقَالَ : إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنْ تَرَكَ خَيْرًا وَلَيْسَ لَكَ كَبِيرُ مَالٍ . وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَا يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ وَرَثَتُهُ كَثِيرًا وَمَالُهُ قَلِيلًا أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ . قَالَ : وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ : قَلِيلٌ . وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ رَجُلٍ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَهُ عِدَّةٌ مِنَ الْوَلَدِ ، فَقَالَتْ : مَا فِي هَذَا فَضْلٌ عَنْ وَلَدِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عِيَادَةُ الْعَالِمِ وَالْخَلِيفَةِ وَسَائِرِ الْجُلَّةِ لِلْمَرِيضِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِالنِّيَّاتِ ، لِقَوْلِهِ : وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ فِيهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا ابْتَغَى بِهِ وَجْهَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْبَنِينَ وَالزَّوْجَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ ، وَأنْ تَرَكَ الْمَالَ لِلْوَرَثَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِهِ إِلَّا لِمَنْ كَانَ وَاسِعَ الْمَالِ ، وَالْأُصُولُ تُعَضِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ ; لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَرْضٌ ، وَأَدَاءُ الْفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنَ التَّطَوُّعِ . وَلَوِ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَكَانَ مَذْهَبًا ؛ لِقَوْلِهِ : حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي امْرَأَتِكَ . وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ فَمَعْنَاهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أُخَلَّفُ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِي الْمُهَاجِرِينَ الْمُنْصَرِفِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، وَتُنْفِقُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ - أَيْقَنَ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ ، فَاسْتَفْهَمَهُ هَلْ يَبْقَى بَعْدَ أَصْحَابِهِ ؟ فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِضَرْبٍ مِنْ قَوْلِهِ : لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّكَ إِنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِتَصْرِيحٍ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ كَانَ كَمَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَقَ فِي ذَلِكَ ظَنُّهُ ، وَعَاشَ سَعْدٌ حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ وَاسْتَضَرَّ بِهِ آخَرُونَ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ : سَأَلْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِيهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، فَقَالَ : أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ ، فَقَتَلَ قَوْمًا عَلَى رِدَّةٍ فَأَضَرَّ بِهِمْ ، وَاسْتَتَابَ قَوْمًا سَجَعُوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ فَتَابُوا فَانْتَفَعُوا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِمَّا يُشْبِهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدٍ هَذَا الْكَلَامُ قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ الشَّعِثِ الرَّأْسِ : مَالَهُ ؟ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ ! فَقَالَ الرَّجُلُ : فِي سَبِيلِ اللَّهِ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ : أَمِيرُكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : نَعَى إِلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ ، فَقُتِلُوا ثَلَاثَتُهُمْ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا قِصَّةُ عَامِرِ بْنِ سِنَانٍ حِينَ ارْتَجَزَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَيْرِهِ إِلَى خَيْبَرَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ يَا عَامِرُ ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ أَمْتَعْتَنَا بِهِ ! قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا اسْتَغْفَرَ لِإِنْسَانٍ قَطُّ يَخُصُّهُ بِذَلِكَ إِلَّا اسْتُشْهِدَ ، فَاسْتُشْهِدَ عَامِرٌ يَوْمَ خَيْبَرَ . وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِتَصْرِيحٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَوْلِ وَلَا تَبْيِينٍ فِي الْمُرَادِ وَالْمَعْنَى ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ كُلُّهُ كَمَا تَرَى . وَقَدْ خُلِّفَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ نَحْوَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَهُ وَسَيْرَهُ وَطَرَفًا مِنْ فَضَائِلِهِ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُهَاجِرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمُقَامُ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا وُقِتَ لَهُ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لِلْمُهَاجِرِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الصَّدْرِ ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ هِيَ الَّتِي كَانَ يَحْرُمُ بِهَا عَلَى الْمُهَاجِرِ الرُّجُوعُ إِلَى الدَّارِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّمَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ لِيَفِرَّ الرَّجُلُ بِدِينِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ : لَا هِجْرَةَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ ظَاهِرُهَا فِي الْهِجْرَةِ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ ، مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَقْدَانَ الْقُرَشِيِّ - وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ . وَرَوَى ابْنُ مُحَيْرِيزٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَمِنْهَا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : هَذِهِ الْهِجْرَةُ هِجْرَةُ الْمَعَاصِي غَيْرُ الْهِجْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، كَمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ صَالِحِ بْنِ بَشِيرِ بْنِ فُدَيْكٍ قَالَ : خَرَجَ فُدَيْكٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولُ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا فُدَيْكُ ، أَقِمِ الصَّلَاةَ ، وَآتِ الزَّكَاةَ ، وَاهْجُرِ السُّوءَ ، وَاسْكُنْ مِنْ أَرْضِ قَوْمِكَ حَيْثُ شِئْتَ - تَكُنْ مُهَاجِرًا . وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ : أَفْضَلُ الْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ هِجْرَةٌ مُفْتَرَضَةٌ بِالْجُمْلَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ عَلَيْهِمِ الْهِجْرَةَ إِلَى نَبِيِّهِمْ حَتَّى فَتَحَ عَلَيْهِ مَكَّةَ ، فَقَالَ حِينَئِذٍ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ . فَمَضَتِ الْهِجْرَةُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ مَنْ كَانَ مُهَاجِرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ وَاسْتِيطَانُهَا وَتَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمُ الْمُقَامَ مَعَهُ ، فَلَمَّا مَاتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افْتَرَقُوا فِي الْبُلْدَانِ . وَقَدْ كَانُوا يَعُدُّونَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَرْجِعَ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ؛ أَيْ لَا هِجْرَةَ مُبْتَدَاةً يَهْجُرُ بِهَا الْمَرْءُ وَطَنَهُ هِجْرَانًا لَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِ مَكَّةَ قُرَيْشٍ خَاصَّةً بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُهَاجِرًا مِنْهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَيَدَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا بَيِّنٌ مِمَّا ذَكَرْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَابٌ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِذَا أَطَاقَتْ أُسْرَتُهُ أَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْمُقَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ عَنْهَا فَرْضًا وَاجِبًا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ الْمُقَامُ فِي دَارٍ تَجْرِي عَلَيْهِ فِيهَا أَحْكَامُ الْكُفْرِ وَتَكُونُ كَلِمَتُهُ فِيهَا سُفْلَى وَيَدُهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، هَذَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَطْعِ الذَّرَائِعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ ; لِأَنَّ سَعْدًا وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَرُبَّمَا حَمَلَ غَيْرَهُ حُبُّ الْوَطَنِ عَلَى دَعْوَى الْمَرَضِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، وَلَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ! وَقَوْلُهُ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَهُ فِي مَرَضِهِ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَدَعُ مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَنِصْفِهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَبِثُلُثِهِ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، سَعْدُ إِنَّكَ إِنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ تُوجَرُ فِي نَفَقَتِكَ كُلِّهَا حَتَّى فِيمَا تَجْعَلُ فِي امْرَأَتِكَ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَرْهَبُ أَنْ أَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا ، فَادْعُ اللَّهَ لِي ! قَالَ : اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ، اللهم اشْفِ سَعْدًا . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَأُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ عَسَى أَنْ تُخَلَّفَ ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَعِيشَ بَعْدِي حَتَّى يُضَرَّ بِكَ قَوْمٌ وَيَنْتَفِعَ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ! . وَفِي قَوْلِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَرْهَبُ أَنْ أَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْزَنُ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ; لِأَنَّهُ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ، لَا أَنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ كَمَا ظَنَّ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسِّيَرِ ، وَالْخَبَرُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا نَصًّا . وَقَدْ رَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَرِضْتُ بِمَكَّةَ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمُوتُ بِأَرْضِي الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا ؟ ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ، وَفِي آخِرِهِ : لَكِنْ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ الْبَائِسُ قَدْ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ : خَلَّفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَعْدٍ رَجُلًا ، فَقَالَ : إِنْ مَاتَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا . قَالَ سُفْيَانُ : لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا . وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ : سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْجِوَارِ بِمَكَّةَ فَرَخَّصَ فِيهِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا كُرِهَ لِئَلَّا يَغْلُوَ السِّعْرُ ، وَكُرِهَ لِمَنْ هَاجَرَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَسِّرِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ : اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا حَتَّى تُخْرِجَنَا مِنْهَا . لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا . وَأَمَّا سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فَرَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ حَلِيفٌ لَهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَابِرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ : تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ · ص 373 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارفي وصية سعد بن أبي وقاص بشطر ماله · ص 27 ( 3 ) بَابُ الْوَصِيَّةُ فِي الثُّلُثِ لَا تَتَعَدَّى 1466 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ; أَنَّهُ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَا» فَقُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : «لَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، إِلَّا أُجِرْتَ ، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ» قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ ، فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا ، إِلَّا ازْدَدتَّ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ» . 33328 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، إِلَّا ابْنَ عُيَيْنَةَ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عَامَ الْفَتْحِ ، فَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ . 33329 - وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّةِ إِسْنَادِهِ . 33330 - وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ . 33331 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا لِلْمَرِيضِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي مَالِهِ مِنَ الْعَطَايَا الْمُقْبِلَةِ غَيْرِ الْوَصِيَّةِ : 33332 - فَقَالَ الْجُمْهُورُ : إِنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ فِيمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ ، وَيُعْتِقُ ، وَيَهَبُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ مِنْهُ كُلَّهَا فِي ثُلُثِهِ كَالْوَصَايَا . 33333 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ صِحَّتِهِ لَمْ يَقُلْ فِيهِ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ : أَفَأُوصِي ؟ وَإِنَّمَا قَالَ : أَفَأَتَصَدَّقُ ؟ وَلَمْ يُجِزْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّدَقَةِ إِلَّا الثُّلُثَ كَالْوَصِيَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا . 33334 - وَابْنُ شِهَابٍ حَافِظٌ غَيْرُ مُدَافَعٍ فِي حِفْظِهِ . 33335 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33336 - وَقَدْ قَالَ فِيهِ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ : أَفَأُوصِي . 33337 - وَكَذَلِكَ قَالَ : مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَفَأُوصِي ، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ سَوَاءً . 33338 - وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، وَقَدْ قَالَ بِأَنَّ هِبَةَ الْمَرِيضِ إِذَا قُبِضَتْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ . 33339 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَدَاوُدُ . 33340 - وَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ، فَقَالُوا : هِبَةُ الْمَرِيضِ ، قُبِضَتْ ، أَوْ لَمْ تُقْبَضْ إِذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الثُّلُثِ كَالْوَصَايَا . 33341 - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ ، مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا . 33342 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ، فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً; فَأَمْضَى لَهُ مِنْ مَالِهِ ثُلُثَهُ ، وَرَدَّ سَائِرَ مَالِهِ مِيرَاثًا . 33343 - وَهَذَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 33344 - وَأَجْمَعُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا مَاتَ عَنْ بَنِينَ ، أَوْ عَنْ كَلَالَةٍ تَرِثُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ فِي مَالِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ . 33345 - وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَتْرُكْ بَنِينَ ، وَلَا عَصَبَةً . 33346 - فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ . 33347 - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مِثْلُهُ . 33348 - وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدَةَ ، وَمَسْرُوقٍ . 33349 - وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ . 33350 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ . 33351 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَعُبَيْدَةَ ، وَمَسْرُوقٍ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33352 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَشَرِيكٌ الْقَاضِي : إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ . 33353 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَنِ الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَدَعَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ ، وَمَنْ كَانَ مِمَّنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ عُنِيَ بِالْحَدِيثِ ، وَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ . 33354 - وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ، كَانَ لَهُ بَنُونَ أَوْ وُرِثَ كَلَالَةً ، أَوْ وَرِثَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ . 33355 - وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ . 33356 - وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . 33357 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا يُصْرَفُ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا اسْتَحَقَّهُ الرَّجُلُ وَابْنُهُ ، وَلَا مَنْ يُحْجَبُ مَعَ مَنْ يَحْجُبُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَالٍ لَا مَالِكَ لَهُ مَصْرُوفٌ إِلَى نَظَرِ السُّلْطَانِ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَرَاهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَالِحِهِمْ . 33358 - وَأَجْمَعَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ . 33359 - وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بِالْعِرَاقِ ، وَالْحِجَازِ ، وَالْمَغْرِبِ ، وَالشَّامِ . 33360 - وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ ، فَلَمْ يُجِيزُوا الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ ، وَقَالُوا : لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا لِلْمُوصِي ذَلِكَ ، وَلَهُمْ أَنْ يُعْطُوا الْمُوصَى لَهُ مِنْ فَرَائِضِهِمْ ، وَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ مَا شَاءُوا . 33361 - وَكَرِهَ الْجَمَاعَةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَصِيَّةَ فِي الثُّلُثِ لِمَنْ يَرِثُهُ ذُرِّيَّتُهُ ، وَاسْتَحَبَّتْ مِنْهُمُ جَمَاعَةُ الْوَصِيَّةَ بِالْخُمُسِ . 33362 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : رَضِيتُ فِي وَصِيَّتِي بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ لِنَفْسِهِ . يَعْنِي مِنَ الْغَنِيمَةِ . 33363 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ ، وَأَبَا قِلَابَةَ يَقُولَانِ : أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . 33364 - وَاسْتَحَبَّتْ طَائِفَةٌ الْوَصِيَّةَ بِالرُّبُعِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 33365 - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : السُّنَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الرُّبُعُ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَعْرِفُ فِي مَالِهِ شُبُهَاتٍ ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِهِ لَا يَتَجَاوَزُهُ . 33366 - وَاسْتَحَبَّتْ طَائِفَةٌ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ ; لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَكُمْ فِي الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ . 33367 - رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ فِيهَا لِينٌ ، قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي «التَّمْهِيدِ» . 33368 - مِنْهَا مَا رَوَاهُ وَكِيعٌ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 33369 - وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَطَاءٍ غَيْرُ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو هَذَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، مُجْتَمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ . 33370 - وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ غَضَّ النَّاسُ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فِي الْوَصِيَّةِ ، لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ; لَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ . 33371 - قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ : أَرْضَى فِي وَصِيَّتِي بِمَا رَضِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْخُمُسِ . 33372 - قَالَ سُفْيَانُ : يَعْنِي خُمُسَ الْفَيْءِ; لِقَوْلِهِ : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الآية . 33373 - وَقَالَ قَتَادَةُ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ وَالْقُضَاةُ يُجِيزُونَهُ ، وَالرُّبُعُ قَصْدٌ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . 33374 - وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : الثُّلُثُ جَهْدٌ ، وَهُوَ جَائِزٌ . 33375 - وَقَالَ قَتَادَةُ : أَوْصَى عُمَرُ بِالرُّبُعِ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ ، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ . 33376 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : كَانَ الْخُمُسُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الرُّبُعِ ، وَالرُّبُعُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الثُّلُثِ . 33377 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33378 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عِيَادَةُ الْعَالِمِ وَالْخَلِيفَةِ ، وَسَائِرِ الْجِلَّةِ لِلْمَرِيضِ . 33379 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ لَا يَزْكُو مِنْهَا إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا . 33380 - وَفِيهِ أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْبَنِينِ وَالزَّوْجَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ الزَّاكِيَاتِ الصَّالِحَاتِ ، وَأَنَّ تَرْكَ الْمَالِ لِلْوَرَثَةِ إِذَا كَانَ فَضْلًا أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِهِ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ . 33381 - وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ : «أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي» ، فَمَعْنَاهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَأُخَلَّفُ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِي الْمُهَاجِرِينَ الْمُتَصَدِّقِينَ مَعَكَ إِلَى الْمَدِينَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ . قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنًا وَإِشْفَاقًا مِنْ بَقَائِهِ فِي مَوْضِعٍ قَدْ هَجَرَهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ . 33382 - وَأَمَّا جَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَلَى كَلَامِهِ ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِقْرَارِ; لِأَنَّ الْغَيْبَ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ ، وَلَكِنَّ مَنْ خُلِّفَ ، وَعَمِلَ صَالِحًا ، وَقَعَتْ بِهِ دَرَجَتُهُ . 33383 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، فَهَذَا مِنْ ظُنُونِهِ الصَّادِقَةِ الَّتِي كَانَ كَثِيرًا مِنْهَا يَقِينًا ، فَقَدْ خُلِّفَ سَعْدٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ ، وَهَلَكَ بِهِ آخَرُونَ . 33384 - رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِسَعْدٍ : وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ؟» فَقَالَ : أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ ، فَقَتَلَ قَوْمًا عَلَى رِدَّةٍ ، فَأَضَرَّ بِهِمْ ، وَاسْتَتَابَ قَوْمًا سَجَعُوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ ، فَتَابُوا ، فَانْتَفَعُوا . 33385 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّرَهُ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْكُوفَةِ عَلَى حَرْبِ الْقَادِسِيَّةِ ، وَعَمَّرَ سَعْدٌ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسً وَأَرْبَعِونَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ . 33386 - وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، فَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ لَهُمْ فِي أَنْ يُتِمَّ لَهُمْ هِجْرَتَهُمْ سَالِمَةً مِنْ آفَاتِ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الْمُتَقَرَّبِ بِهِجْرَتِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى هِجْرَتِهِمْ تِلْكَ ، وَكَانُوا يَسْتَعِيذُونَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَعُودُوا كَالْأَعْرَابِ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ; لِأَنَّ الْأَعْرَابَ لَمْ يُتَعَبَّدُوا بِالْهِجْرَةِ الَّتِي كَانَ يَحْرُمُ بِهَا عَلَى الْمُهَاجِرِ الرُّجُوعُ إِلَى وَطَنِهِ . 33387 - وَلَمْ تَكُنِ الْهِجْرَةُ مُقْتَصَرَةٌ فِي تَرْكِ الْوَطَنِ ، وَتَحْرِيمِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ ، إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهَا ، وَاتَّبَعُوهُ لِيَتِمَّ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ الْغَايَةُ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي سَبَقَ لَهُمْ ، فَعَلَيْهِمْ خَاصَّةٌ افْتُرِضَتِ الْهِجْرَةُ الْمُفْتَرَضُ فِيهَا الْبَقَاءُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ اسْتَقَرَّ ، وَالتَّحَوُّلُ مَعَهُ حَيْثُ تَحَوَّلَ لِنُصْرَتِهِ ، وَمُؤَازَرَتِهِ ، وَصُحْبَتِهِ ، وَالْحِفْظِ لِمَا يَشْرَعُهُ ، وَالتَّبْلِيغِ عَنْهُ . 33388 - وَلَمْ يُرَخَّصْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ ، وَتَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ; لِأَنَّ هِجْرَةَ دَارِ الْكُفْرِ حَيْثُ كَانَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنُ أَنْ يَهْجُرَ دَارَ الْكُفْرِ; لِئَلَّا تَجْرِيَ عَلَيْهِ فِيهَا أَحْكَامُ الشَّيْطَانِ ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ حَيْثُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يُحَرِّمْ فِي هِجْرَتِهِ هَذِهِ حَالَةَ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ إِذَا عَادَتْ تِلْكَ الدَّارُ دَارَ إِيمَانٍ وَإِسْلَامٍ . 33389 - وَلَيْسَ أَهْلُ مَكَّةَ كَذَلِكَ; لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَاقِيَةً إِلَى الْمَمَاتِ ، وَهُمُ الَّذِينَ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ الْمُهَاجِرُونَ ، وَمُدِحُوا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ . 33390 - أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرْخَصُ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ تَمَامِ نُسُكِهِ وَحَجِّهِ . 33391 - رَوَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ . 33392 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، قَالَ : خَلَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَعْدٍ رَجُلًا ، وَقَالَ لَهُ : ( إِنْ مَاتَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا ) . قَالَ سُفْيَانُ : لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا . 33393 - وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ) . 33394 - وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ : «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا» ; لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا . 33395 - وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ : سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ عَنِ الْمُقَامِ وَالْجِوَارِ بِمَكَّةَ ; فَقَالَ : أَمَّا الْمُهَاجِرُ فَلَا يُقِيمُ بِهَا ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ الْمُقَامُ بِمَكَّةَ خَشْيَةَ أَنْ يَكْثُرَ النَّاسُ بِهَا ، فَتَغْلُوا أَسْعَارُ أَهْلِهَا . 33396 - وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي أَخَافُ ، أَوْ قَالَ : إِنِّي أَرْهَبُ أَنْ أَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا ، فَادْعُ اللَّهَ لِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ...» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 33397 - وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا هِجْرَةَ تُبْتَدَأُ بَعْدَ الْفَتْحِ مُفْتَرَضَةٌ لَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِمْ . 33398 - ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ صِحَاحٍ كُلِّهَا ، وَفِي بَعْضِهَا : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ ، فَانْفِرُوا ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . 33399 - وَقَالَ لِبَعْضِهِمْ إِذْ سَأَلَهُ عَنِ الْهِجْرَةِ : «أَقِمِ الصَّلَاةَ ، وَآتِ الزَّكَاةَ ، وَمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَاجْتَنِبْ مَا نَهَاكَ عَنْهُ ، وَاسْكُنْ مِنْ أَرْضِ قَوْمِكَ حَيْثُ شِئْتَ» . 333400 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذِهِ الْهِجْرَةُ الْمُفْتَرَضَةُ الْبَاقِيَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ; إِلَّا أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ بِهِجْرَتِهِمْ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَدِينَةِ ، وَالرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ أَبَدًا . 33401 - أَلَا تَرَى أَنَّ عُثْمَانَ وَغَيْرَهُ كَانُوا إِذَا حَجُّوا لَا يَطُوفُونَ طَوَافَ الْوَدَاعِ إِلَّا وَرَوَاحِلُهُمْ قَدْ رُحِّلَتْ . 33402 - وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ صلى الله عليه وسلم حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِمَوْتِهِ ، فَافْتَرَقُوا فِي الْبُلْدَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - . 33403 - وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ . 33404 - وَفِيهِ : لَكِنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ الْبَائِسَ قَدْ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي قَدْ هَاجَرَ مِنْهَا . 33405 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا قَالَهُ شُيُوخُنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ : « يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ » مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ صَحِيحٌ . 33406 - وَمَعْلُومٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ : «الْبَائِسَ» إِنَّمَا كَانَ رُثِيَ بِذَلِكَ لِمَوْتِهِ بِمَكَّةَ ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ ، وَاخْتَارَ التَّوَدُّدَ بِهَا حَتَّى أَدْرَكَتْهُ فِيهَا مَنِيَّتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 33407 - وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . 33408 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَابِرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، قَالَ : تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . 33409 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ بَدْرِيٌّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِمَا يَنْبَغِي مِنْ ذِكْرِهِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارفي وصية سعد بن أبي وقاص بشطر ماله · ص 46 33410 - قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ ، وَيَقُولُ : غُلَامِي يَخْدِمُ فُلَانًا مَا عَاشَ ، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ ، فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ ، فَيُوجَدُ الْعَبْدُ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ ، قَالَ : فَإِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ تُقَوَّمُ ، ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ ، يُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِالثُّلُثِ بِثُلُثِهِ ، وَيُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِمَا قُوِّمَ لَهُ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ ، أَوْ مِنْ إِجَارَتِهِ ، إِنْ كَانَتْ لَهُ إِجَارَةٌ ، بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، فَإِذَا مَاتَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ مَا عَاشَ ، عَتَقَ الْعَبْدُ . 33411 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيمَا زَادَ مِنَ الْوَصَايَا عَلَى الثُّلُثِ أَنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ . 33412 - وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ ، وَغَلَّةِ الْبَسَاتِينِ ، وَسُكْنَى الْمَسَاكِينِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ : 33413 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَسَوَّارٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا الْحَسَنِ قَاضِيَا الْبَصْرَةِ : الْوَصِيَّةُ بِسُكْنَى الدَّارِ ، وَغَلَّةِ الْبَسَاتِينِ فِيمَا يُسْتَأْذَنُ ، وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَتِ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ . وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ ذَلِكَ إِذَا أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ . 33414 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ : الْوَصِيَّةُ بِكُلِّ ذَلِكَ بَاطِلٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ . 33415 - وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَنَافِعٌ طَارِئَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ ، لَمْ يَمْلِكْهَا الْمَيِّتُ قَبْلَ مَوْتِهِ . 33416 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ وَمَاتَ ، وَهُوَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلٌ . 33417 - وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ كَذَلِكَ; لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ ، وَهِيَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ، فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ الْإِجَارَةَ يَمْلِكُ الْمُؤَاجِرُ بِهَا الْبَدَلَ مِنْ مَنَافِعِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مِلْكِهِ ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ; لِأَنَّ الْمُؤَاجِرَ عَلَى مِلْكِهِ كُلُّ مَا يَطْرَأُ مِنَ الْمَنَافِعِ مَا دَامَ الْأَصْلُ فِي مِلْكِهِ ، وَكَانَ حَيًّا ، وَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِمَالِكٍ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ طَارِئَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ . 33418 - وَأَمَّا الْأَوْقَافُ ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَجَازَتْهَا بِخُرُوجِ مِلْكِ أَصْلِهَا عَنِ الْمُوقِفِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِيَتَحَرَّى عَلَيْهَا فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ ، وَلَيْسَتِ الْمَنَافِعُ فِيهَا طَارِئَةً عَلَى مِلْكِ الْمُوقِفِ ، لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَمْلِكَ الْمَيِّتُ شَيْئًا . 33419 - وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ أُصُولَ الْأَوْقَافِ عَلَى مِلْكِ الْمُوقِفِ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَنْقَطِعُ عَمَلُ الْمَرْءِ بَعْدَهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» فَذَكَرَ مِنْهَا صَدَقَةً يَجْرِي عَلَيْهِ نَفْعُهَا . 33420 - وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الثَّوَابَ ، وَالْأَجْرَ الَّذِي يَنَالُهُ الْمَيِّتُ فِيمَا يُوقِفُهُ مِنْ أُصُولِ مَالِهِ إِنَّمَا كَانَ; لِأَنَّ أَصْلَهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَبِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ كَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً ، فَعَمِلَ بِهَا غَيْرُهُ . 33421 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أبي لَيْلَى : مَنْ أَوْصَى بِفَرْعِ شَيْءٍ وَلَمْ يُوصِ بِأَصْلِهِ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . 33422 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَمَنْ تَابَعَهُمَا قَوْلٌ صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ أَكْثَرُ النَّاسِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارفي وصية سعد بن أبي وقاص بشطر ماله · ص 48 33423 - قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يُوصِي فِي ثُلُثِهِ ، فَيَقُولُ : لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا ، وَلِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا ، يُسَمِّي مَالًا مِنْ مَالِهِ ، فَيَقُولُ وَرَثَتُهُ : قَدْ زَادَ عَلَى ثُلُثِهِ ، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا أَهْلَ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ ، وَيَأْخُذُوا جَمِيعَ مَالِ الْمَيِّتِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَسِّمُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ ، فَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ ثُلُثَهُ ، فَتَكُونُ حُقُوقُهُمْ فِيهِ إِنْ أَرَادُوا بَالِغًا مَا بَلَغَ . 33424 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِمَالِكٍ ، وَأَصْحَابُهَا يَدْعُونَهَا مَسْأَلَةَ خَلْعِ الثُّلُثِ . 33425 - وَخَالَفَهُمْ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَأَنْكَرُوهَا عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ . 33426 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ بِمَوْتِ الْمُوصِي ، وَقَبُولِ الْمُوصَى لَهُ إِيَّاهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي . 33427 - وَإِذَا صَحَّ مِلْكُ الْمُوصَى لَهُ لِلشَّيْءِ الْمُوصَى بِهِ ، فَكَيْفَ تَجُوزُ فِيهِ الْمُعَاوَضَةُ بِثُلُثٍ لَا يَبْلُغُ إِلَّا مَعْرِفَتَهُ ، وَلَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ . 33428 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْبِيَاعَاتُ وَالْمُعَاوَضَاتُ فِي الْمَجْهُولَاتِ . 33429 - وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مِلْكُ مَالِكٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ ، فَكَيْفَ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُوصَى لَهُ مَا قَدْ مَلَكَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي ، وَقَبُولِهِ لَهُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . 33430 - وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ أَنَّ الثُّلُثَ مَوْضِعٌ لِلْوَصَايَا ، فَإِذَا امْتَنَعَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُخْرِجُوا مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ تَعَدَّى فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ خُيِّرُوا بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمُوا لِلْمُوَصَّى لَهُ مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ لَهُمْ ، أَوْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ ثُلُثَ الْمَيِّتِ ، كَمَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ ، وَالْعَبْدُ قِيمَتُهُ أَلْفٌ كَانَ سَيِّدُهُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ ، فَلَا يَكُونُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَى الْعَبْدِ سَبِيلٌ ، وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ الْعَبْدَ إِلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ يُسَاوِي أَضْعَافَ قِيمَةِ الْجِنَايَةِ . 33431 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ الْوَرَثَةَ إِذَا ادَّعَوْا أَنَّ الشَّيْءَ الْمُوصَى بِهِ أَكْثَرُ مِنَ الثُّلُثِ كُلِّفُوا بَيَانَ ذَلِكَ ، فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ ، وَكَانَ كَمَا ذَكَرُوا أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ يَأْخُذُ مِنَ الْمُوصِي لَهُ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ ، وَكَانَ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ بِذَلِكَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ أُجْبِرُوا عَلَى الْخُرُوجِ عَنْهُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ .
شرح الزرقاني على الموطأباب الْوَصِيَّةِ فِي الثُّلُثِ لَا تَتَعَدَّى · ص 112 3 - بَاب الْوَصِيَّةِ فِي الثُّلُثِ لَا تَتَعَدَّى 1450 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، فَقُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ ، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ وَيَقُولُ : غُلَامِي يَخْدُمُ فُلَانًا مَا عَاشَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ ، فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ فَيُوجَدُ الْعَبْدُ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ ، قَالَ : فَإِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ تُقَوَّمُ ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ ، يُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِالثُّلُثِ بِثُلُثِهِ ، وَيُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِمَا قُوِّمَ لَهُ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ إِجَارَتِهِ إِنْ كَانَتْ لَهُ إِجَارَةٌ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، فَإِذَا مَاتَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ مَا عَاشَ عَتَقَ الْعَبْدُ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِي الَّذِي يُوصِي فِي ثُلُثِهِ فَيَقُولُ : لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا ، وَلِفُلَانٍ : كَذَا وَكَذَا يُسَمِّي مَالًا مِنْ مَالِهِ ، فَيَقُولُ وَرَثَتُهُ : قَدْ زَادَ عَلَى ثُلُثِهِ ، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا أَهْلَ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ ، وَيَأْخُذُوا جَمِيعَ مَالِ الْمَيِّتِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْسِمُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ فَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ ثُلُثَهُ فَتَكُونُ حُقُوقُهُمْ فِيهِ ، إِنْ أَرَادُوا بَالِغًا مَا بَلَغَ . 3 - بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الثُّلُثِ لَا يتَعَدَّى 1495 1450 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، أَحَدُ الْعَشَرَةِ ( أَنَّهُ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي ) بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ ، يَزُورُنِي ( عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ) سَنَةَ عَشْرٍ ، هَكَذَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ إِلَّا ابْنَ عُيَيْنَةَ فَقَالَ : فِي فَتْحِ مَكَّةَ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهُ وَهْمٌ مِنْهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْفَرَائِضِ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ : بِمَكَّةَ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْفَتْحَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَقَدْ وَجَدْتُ لِابْنِ عُيَيْنَةَ مُسْتَنَدًا عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَالْبُخَارِيِّ فِي التَّارِيخِ وَابْنِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْقَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ مَكَّةَ فَخَلَفَ سَعْدًا مَرِيضًا حَيْثُ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ مُعْتَمِرًا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَغْلُوبٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا وَإِنِّي أُورَثُ كَلَالَةً أَفَأُوصِي بِمَالِي ؟ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَيِّتٌ أَنَا بِالدَّارِ الَّتِي خَرَجْتُ مِنْهَا مُهَاجِرًا ؟ قَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَرْفَعَكَ اللَّهُ حَتَّى يَنْفَعَ بِكَ أَقْوَامًا . الْحَدِيثَ ، فَلَعَلَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنْ حَدِيثٍ إِلَى حَدِيثٍ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَرَّتَيْنِ : مَرَّةً عَامَ الْفَتْحِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنَ الْأَوْلَادِ أَصْلًا ، وَمَرَّةً عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَكَانَتْ لَهُ بِنْتٌ فَقَطْ ( مِنْ وَجَعٍ ) اسْمٌ لِكُلِّ مَرَضٍ ( اشْتَدَّ بِي ) أَيْ قَوِيَ عَلَيَّ ، وَفِي رِوَايَةٍ : أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى ) أَيِ الْغَايَةَ ( وَأَنَا ذُو مَالٍ ) كَثِيرٍ ؛ لِأَنَّ التَّنْوِينَ لِلْكَثْرَةِ ، وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ : ذُو مَالٍ كَثِيرٍ ( وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : مَعْنَاهُ لَا يَرِثُنِي مِنَ الْوَلَدِ أَوْ مِنْ خَوَاصِّ الْوَرَثَةِ أَوْ مِنَ النِّسَاءِ ، وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ لِسَعْدٍ عَصَبَاتٌ لِأَنَّهُ مِنْ زُهْرَةَ وَكَانُوا كَثِيرًا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَرِثُنِي مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ أَوْ خَصَّهَا بِذِكْرٍ عَلَى تَقْدِيرِ : لَا يَرِثُنِي مِمَّنْ أَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ وَالْعَجْزَ إِلَّا ابْنَةٌ ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ أَوِ اسْتَكْثَرَ لَهَا التَّرِكَةَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذِهِ الْبِنْتُ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ أَنَّ اسْمَهَا عَائِشَةُ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهِيَ غَيْرُ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ الَّتِي رَوَتْ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْوَصَايَا وَالطِّبِّ ، وَهِيَ تَابِعِيَّةٌ عَمَّرَتْ حَتَّى أَدْرَكَهَا مَالِكٌ وَرَوَى عَنْهَا ، وَمَاتَتْ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ النَّسَّابِينَ لِسَعْدٍ ابْنَةً تُسَمَّى عَائِشَةَ غَيْرَ هَذِهِ ، وَذَكَرُوا أَنَّ أَكْبَرَ بَنَاتِهِ أُمُّ الْحَكَمِ الْكُبْرَى وَأُمُّهَا بِنْتُ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ ، وَذَكَرُوا لَهُ بَنَاتٍ أُخْرَى أُمَّهَاتُهُنَّ مُتَأَخِّرَاتُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبِنْتَ هِيَ أُمُّ الْحَكَمِ الْمَذْكُورَةُ لِتَقَدُّمِ تَزْوِيجِ سَعْدٍ بِأُمِّهَا وَلَمْ أَرَ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ . وَقَالَ فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ : وَهَمَ مَنْ قَالَ عَائِشَةَ لِأَنَّهَا أَصْغَرُ أَوْلَادِهِ . ( أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ ) بِالتَّثْنِيَةِ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلِاسْتِخْبَارِ ، هَكَذَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا فِي الصَّحِيحِ ، وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ سَأَلَ أَوَّلًا عَنِ الْكُلِّ ثُمَّ عَنِ الثُّلُثَيْنِ ثُمَّ عَنِ النِّصْفِ ثُمَّ عَنِ الثُّلُثِ ، وَذَلِكَ مَجْمُوعٌ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَحْمَدَ ، وَبِكِيرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنِ النَّسَائِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، وَكَذَا لَهُمَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ ، وَالْمُرَادُ بِالتَّصَدُّقِ الْوَصِيَّةُ ، وَإِنِ احْتَمَلَ التَّنْجِيزَ لِأَنَّ الْمَخْرَجَ مُتَّحِدٌ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْلِيقِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ . ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، قَالَ ) سَعْدٌ ( فَقُلْتُ : فَالشَّطْرِ ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى ثُلُثَيْ مَالِي ، أَيْ : فَأَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ ؟ وَقَيَّدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ ، أَيْ : أُسَمِّي أَوْ أُعَيِّنُ الشَّطْرَ ، وَرَجَّحَ السُّهَيْلِيُّ فِي أَمَالِيهِ الْجَرَّ ، قَالَ : لِأَنَّ النِّصْفَ بِإِضْمَارِ أَفْعَلُ وَالْخَفْضُ مَرْدُودٌ ، أَيْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ثُلُثَيْ مَالِي وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ أَتَصْدَّقُ بِهِ . ( قَالَ : لَا ) وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : النِّصْفُ كَثِيرٌ ، قُلْتُ : فَالثُّلُثُ . ( ثُمَّ قَالَ ) بَعْدَ أَنْ سَأَلَ عَنِ الثُّلُثِ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثُّلُثَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ ، أَوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ نَحْوَ : عَيِّنِ الثُّلُثَ ، وَبِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : مَشْرُوعٌ الثُّلُثُ ، أَوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ ، أَيِ : الثُّلُثُ كَافٍ ، أَوْ فَاعِلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ ، أَيْ : يَكْفِيكَ الثُّلُثُ . ( وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ) بِمُثَلَّثَةٍ ، أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَسُوقٌ بِالنِّسْبَةِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ بِالثُّلُثِ ، وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْقُصَ عَنْهُ وَهُوَ مَا يَبْتَدِرُهُ الْفَهْمُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِبَيَانِ أَنَّ التَّصَدُّقَ بِالثُّلُثِ هُوَ الْأَكْمَلُ ، أَيْ كَثِيرٌ أَجْرُهُ وَأَنَّ مَعْنَاهُ كَثِيرٌ غَيْرُ قَلِيلٍ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا أَوْلَى مَعَانِيهِ ، يَعْنِي أَنَّ الْكَثْرَةَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ عَوَّلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبُعِ لَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا ، وَغَضَّ بِغَيْنٍ وَضَادٍ مُعْجَمَتَيْنِ ، أَيْ نَقَصَ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ : كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ . وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ : كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ قَالَ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ سَعْدٍ : أَوْصَيْتُ بِمَالِي كُلِّهِ ، قَالَ : فَمَا تَرَكْتَ لِوَلَدِكَ ، أَوْصِ بِالْعُشُرِ ، فَمَا زَالَ يَقُولُ وَأَقُولُ حَتَّى قَالَ : أَوْصِ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ . يَعْنِي بِالْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي مُوَطَّأِ التِّنِّيسِيِّ بِالشَّكِّ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمَحْفُوظُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِالْمُثَلَّثَةِ اهـ . وَبِهِ يُعْلَمُ تَسَمُّحُ مَنْ قَالَ : رُوِيَ بِمُثَلَّثَةٍ وَبِمُوَحَّدَةٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ عِنْدَ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِالشَّكِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُ الْعُلَمَاءِ فِي قَصْرِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الثُّلُثِ لَا أَصْلَ لَهُمْ غَيْرَهُ . ( إِنَّكَ ) بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِالْفَتْحِ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الْجَرِّ ، أَيْ لِأَنَّكَ ( أَنْ تَذَرَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، تَتْرُكَ ( وَرَثَتَكَ ) بِنْتَكَ الْمَذْكُورَةَ وَأَوْلَادَ أَخِيكَ هَاشِمِ ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الصَّحَابِيِّ وَإِخْوَتِهِ ، فَعَبَّرَ بِوَرَثَةٍ لِيُدْخِلَ الْبِنْتَ وَغَيْرَهَا مِمَّنْ يَرِثُ لَوْ مَاتَ إِذْ ذَاكَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ ( أَغْنِيَاءَ ) بِمَا تَتْرُكُ لَهُمْ ( خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً ) فُقَرَاءَ ، جَمْعُ عَائِلٍ وَفِعْلُهُ يُعِيلُ إِذَا افْتَقَرَ ( يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ) أَيْ يَسْأَلُونَهُمْ بِأَكُفِّهِمْ ، يُقَالُ : تَكَفَّفَ النَّاسَ وَاسْتَكَفَّ إِذَا بَسَطَ كَفَّهُ لِلسُّؤَالِ ، أَوْ سَأَلَ مَا يَكُفُّ عَنْهُ الْجُوعَ ، أَوْ سَأَلَ كَفَافًا مِنْ طَعَامِ ، أَوِ الْمَعْنَى يَطْلُبُونَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَكُفِّ النَّاسِ ، وَلَا يُنَافِي هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ : وَأَنَا ذُو مَالٍ يُؤْذِنُ بِكَثْرَتِهِ ، فَإِذَا تَصَدَّقَ بِثُلُثَيْهِ أَوْ شَطْرِهِ وَأَبْقَى ثُلُثَهُ بَيْنَ بِنْتِهِ وَغَيْرِهَا لَا يَصِيرُونَ عَالَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَى التَّقْدِيرِ لِأَنَّ بَقَاءَ الْمَالِ الْكَثِيرِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ ، إِذْ لَوْ تَصَدَّقَ الْمَرِيضُ بِثُلُثَيْهِ مَثَلًا ثُمَّ طَالَتْ حَيَاتُهُ وَنَقَصَ وَفَنِيَ الْمَالُ فَقَدْ تجحف الْوَصِيَّةُ بِالْوَرَثَةِ ، فَرَدَّ الشَّارِعُ الْأَمْرَ إِلَى شَيْءٍ مُعْتَدِلٍ وَهُوَ الثُّلُثُ ، وَقَدْ رُوِيَ : أَنْ تَذَرَ ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى التَّعْلِيلِ وَبِكَسْرِهَا عَلَى الشَّرْطِيَّةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُمَا صَحِيحَانِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا مَعْنَى لِلشَّرْطِ هُنَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَا جَوَابَ لَهُ وَيَبْقَى خَيْرٌ لَا رَافِعَ لَهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : سَمِعْنَاهُ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ بِالْكَسْرِ ، وَأَنْكَرَهُ شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ يَعْنِي ابْنَ الْخَشَّابِ ، وَقَالَ : لَا يَجُوزُ الْكَسْرُ لِأَنَّهُ لَا جَوَابَ لَهُ لِخُلُوِّ لِفْظَةِ ( خَيْرٌ ) مِنَ الْفَاءِ وَغَيْرِهَا مِمَّا اشْتُرِطَ فِي الْجَوَابِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَقْدِيرِهِ . وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ : جَزَاءُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ خَيْرٌ وَحَذْفُ الْفَاءِ جَائِزٌ كَقِرَاءَةِ طَاوُسٍ : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 220 ) أَيْ فَهُوَ خَيْرٌ ، وَمِنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ كَقَوْلِهِ : مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرْهَا . فَقَدْ بَعُدَ عَنِ التَّحْقِيقِ وَضَيَّقَ حَيْثُ لَا ضِيقَ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ قَلِيلٌ فِي غَيْرِهِ ، قَالَ : وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ اللُّقَطَةِ ، أَيْ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا بِحَذْفِ الْفَاءِ ، وَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ : الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ : إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ مَا هُوَ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ، فَقَالَ : ( وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا ) تَطْلُبُ ( وَجْهَ اللَّهِ ) ذَاتَهُ عَزَّ وَجَلَّ ( إِلَّا أُجِرْتَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ، فَهُوَ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ كَأَنَّهُ قِيلَ : لَا تَفْعَلْ لِأَنَّكَ إِنْ مِتَّ تَرَكْتَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ وَإِنْ عِشْتَ تَصَدَّقْتَ وَأَنْفَقْتَ ، فَالْأَجْرُ حَاصِلٌ لَكَ فِي الْحَالَيْنِ ، وَنَبَّهَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ ( حَتَّى مَا تَجْعَلُ ) أَيِ الَّذِي تَجْعَلُهُ ( فِي فِي ) أَيْ فَمِ ( امْرَأَتِكَ ) وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ : اللُّقْمَةُ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ . وَقَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ تَجْعَلُ بِالرَّفْعِ وَ مَا كَافَّةٌ كَفَّتْ حَتَّى عَمَلَهَا تَعَقَبَّهُ فِي الْمَصَابِيحِ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّرْكِيبِ حِينَئِذٍ إِنْ تَأَمَّلْتَ ، بَلْ هِيَ اسْمٌ مَوْصُولٌ وَحَتَّى عَاطِفَةٌ ، أَيْ إِلَّا أُجِرْتَ بِتِلْكَ النَّفَقَةِ حَتَّى بِالشَّيْءِ الَّذِي تَجْعَلُهُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ ، وَلَا يُرَدُّ أَنَّ شَرْطَ حَتَّى الْعَاطِفَةِ عَلَى الْمَجْرُورِ وَإِعَادَةِ الْخَافِضِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَالِكٍ قَيَّدَهُ بِأَنْ لَا تَتَعَيَّنَ لِلْعَطْفِ نَحْوَ : عَجِبْتُ مِنَ الْقَوْمِ حَتَّى بَنِيهِمْ ، وَمَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ جَوَازُ الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَخْفُوضِ بِغَيْرِ إِعَادَةِ الْخَافِضِ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مَالِكٍ لِكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ نَثْرًا وَنَظْمًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْعَطْفَ عَلَى الْمَنْصُوبِ الْمُتَقَدِّمِ ، أَيْ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً حَتَّى الشَّيْءَ الَّذِي تَجْعَلُهُ فِي فِي امْرَأَتِكَ ، لَاسْتَقَامَ وَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ اهـ . وَوَجْهُ تَعَلُّقِ هَذَا بِالْوَصِيَّةِ أَنَّ سُؤَالَ سَعْدٍ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ رَغِبَ فِي كَثْرَةِ الْأَجْرِ ، فَلَمَّا مَنَعَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ سَلَّاهُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَفْعَلُهُ فِي مَالِهِ مِنْ صَدَقَةٍ نَاجِزَةٍ وَمِنْ نَفَقَةٍ وَلَوْ وَاجِبَةٍ يُؤْجَرُ بِهَا إِذَا ابْتَغَى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، وَلَعَلَّهُ خَصَّ الْمَرْأَةَ بِالذِّكْرِ لِاسْتِمْرَارِ نَفَقَتِهَا دُونَ غَيْرِهَا . قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أَجْرَ الْوَاجِبِ يَزْدَادُ بِالنِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الزَّوْجَةِ وَاجِبٌ وَفِيهِ الْأَجْرُ ، فَإِذَا نَوَى بِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ازْدَادَ أَجْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِيهِ : أَنَّ الثَّوَابَ فِي الْإِنْفَاقِ مَشْرُوطٌ بِصِحَّةِ النِّيَّةِ وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا عَسِرٌ إِذَا عَارَضَهُ مُقْتَضَى الشَّهْوَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُحَصِّلُ الْغَرَضَ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى يَبْتَغِيَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ، وَيَشُقَّ تَخْلِيصُ هَذَا الْقَصْدِ مِمَّا يَشُوبُهُ ، قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَاتِ إِذَا أُدِّيَتْ عَلَى قَصْدِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ أُثِيبَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : حَتَّى مَا تَجْعَلُ لَا تَخْصِيصَ لَهُ بِغَيْرِ الْوَاجِبِ ، وَلَفْظَةُ حَتَّى هُنَا تَقْتَضِي الْمُبَالَغَةَ فِي تَحْصِيلِ الْأَجْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى ، كَمَا يُقَالُ : جَاءَ الْحَاجُّ حَتَّى الْمُشَاةُ . هَذَا وَقَوْلُ الزَّيْنِ ابْنِ الْمُنِيرِ عَبَّرَ بِوَرَثَتِكَ وَلَمْ يَقُلْ بَنِيكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِأَنَّ سَعْدًا إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَوْتِهِ مِنَ الْمَرَضِ وَبَقَائِهَا بَعْدَهُ حَتَّى تَرِثَهُ ، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ تَمُوتَ قَبْلَهُ ، فَأَجَابَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامٍ كُلِّيٍّ مُطَابِقٍ لِكُلِّ حَالَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَرَثَتَكَ وَلَمْ يَخُصَّ بِنْتًا مِنْ غَيْرِهَا . تَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْ تَذَرَ بِنْتَكَ لَيْسَ مُتَعَيَّنًا لِأَنَّ مِيرَاثَهُ لَمْ يَكُنْ مُنْحَصِرًا فِيهَا ، فَقَدْ كَانَ لِأَخِيهِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَوْلَادٌ إِذْ ذَاكَ مِنْهُمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ الصَّحَابِيُّ ، قُتِلَ بِصِفِّينَ ، فَعَبَّرَ بِوَرَثَتِكَ لِتَدْخُلَ الْبِنْتُ وَغَيْرُهَا مِمَّنْ يَرِثُ لَوْ مَاتَ إِذْ ذَاكَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَ : وَقَوْلُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ عَبَّرَ بِوَرَثَتِكَ لِأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ سَعْدًا يَعِيشُ وَيَأْتِيهِ أَوْلَادٌ غَيْرُ الْبِنْتِ ، فَكَانَ كَذَلِكَ ، وَوُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ بَنِينَ لَا أَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ قُصُورٌ شَدِيدٌ ، فَإِنَّ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَامِرٍ ، وَمُصْعَبٍ ، وَمُحَمَّدٍ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ أَبِيهِمْ سَعِدٍ ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ ، عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَلَمَّا ذَكَرْتُ الثَّلَاثَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ اقْتَصَرَ الْقُرْطُبِيُّ عَلَيْهِمْ فَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ ذُكُورٍ غَيْرَهُمْ عُمَرَ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَيَحْيَى ، وَإِسْحَاقَ ذَكَرَهُمُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ ، وَفَاتَهُ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ غَيْرِ السَّبْعَةِ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ وَهُمْ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَعَمْرٌو وَعِمْرَانُ ، وَصَالِحٌ ، وَعُثْمَانُ ، وَإِسْحَاقُ الْأَصْغَرُ ، وَعُمَرُ الْأَصْغَرُ ، وَعُمَيْرٌ مُصَغَّرٌ وَغَيْرُهُمْ ، وَذَكَرَ لَهُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بِنْتًا ، وَكَأَنَّ ابْنَ الْمَدِينِيِّ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ مِنْهُمْ . ( قَالَ ) سَعْدٌ : ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأُخَلَّفُ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ وَفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ ، مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ( بَعْدَ أَصْحَابِي ) الْمُنْصَرِفِينَ مَعَكَ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ مَرَضِي ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الْإِقَامَةَ بِهَا لِكَوْنِهِمْ هَاجَرُوا مِنْهَا وَتَرَكُوهَا لِلَّهِ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ ) بَعْدَ أَصْحَابِكَ ( فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ ) أَيْ بِالْعَمَلِ ( دَرَجَةً وَرِفْعَةً ) عِنْدَ اللَّهِ ( وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ ) بِأَنْ يَطُولَ عُمُرُكَ فَلَا تَمُوتَ بِمَكَّةَ ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ : وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ ، أَيْ يُطِيلَ عُمُرَكَ ( حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ ) أَيِ الْمُسْلِمُونَ بِالْغَنَائِمِ بِمَا سَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ . ( وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ) وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ الْهَالِكُونَ عَلَى يَدَيْكَ وَجُنْدِكَ . وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ النَّفْعَ مَا وَقَعَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْفُتُوحِ كَالْقَادِسِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، وَبِالضُّرِّ مَا وَقَعَ مِنْ تَأْمِيرِ ابْنِهِ عُمَرَ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْحُسَيْنَ وَمَنْ مَعَهُ . وَرَدَّهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ تَكَلُّفٌ بِلَا ضَرُورَةٍ تُحْمَلُ عَلَى إِرَادَةِ الضُّرِّ الْحَاصِلِ مِنْ وَلَدِهِ لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ هُوَ الضَّرَرُ لِلْكُفَّارِ . وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : لَمَّا أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ أُتِيَ بِقَوْمٍ ارْتَدُّوا فَاسْتَتَابَهُمْ ، فَتَابَ بَعْضُهُمْ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ فَقَتَلَهُمْ ، فَانْتَفَعَ بِهِ مَنْ تَابَ وَحَصَلَ الضَّرَرُ لِلْآخَرِينَ ، وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِخْبَارِهِ بِالْغَيْبِ فَإِنَّهُ عَاشَ حَتَّى فَتَحَ الْعِرَاقَ وَحَصَلَ نَفْعُ الْمُسْلِمِينَ بِهِ وَضُرُّ الْكُفَّارِ ، وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ : سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، فَيَكُونُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً . ( اللَّهُمَّ أَمْضِ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مِنَ الْإِمْضَاءِ وَهُوَ الْإِنْفَاذُ ، أَيْ أَتْمِمْ ( لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ) الَّتِي هَاجَرُوهَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ( وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ) بِتَرْكِ هِجْرَتِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ عَنْ مُسْتَقِيمِ حَالِهِمْ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَذَرَّعَ بِالْمَرَضِ أَحَدٌ لِأَجْلِ حُبِّ الْوَطَنِ . ( لَكِنِ الْبَائِسُ ) بِمُوَحَّدَةٍ وَهَمْزَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ، الَّذِي عَلَيْهِ أَثَرُ الْبُؤْسِ ، أَيْ شِدَّةُ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ ( سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَلَامٍ وَتَاءِ تَأْنِيثٍ ، الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ ، وَقِيلَ مِنْ حُلَفَائِهِمْ ، وَقِيلَ مِنْ مَوَالِيهِمْ ، وَقِيلَ هُوَ فَارِسِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ ، حَالَفَ بَنِي عَامِرٍ وَشَهِدَ بَدْرًا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي اسْمِهِ خَوْلِيٌّ بِكَسْرِ اللَّامِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ بِسُكُونِ الْوَاوِ ، وَأَغْرَبَ الْقَابِسِيُّ فَقَالَ بِفَتْحِهَا . وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ . وَلِأَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ : يَرْحَمُ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عَفْرَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَ الدَّاوُدِيُّ : هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ . وَقَالَ الدِّمْيَاطِيُّ : هُوَ وَهْمٌ ، وَالْمَعْرُوفُ ابْنُ خَوْلَةَ ، قَالَ : وَلَعَلَّ الْوَهْمَ مِنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، فَالزُّهْرِيُّ أَحْفَظُ مِنْهُ اهـ . وَقَدْ وَافَقَهُ جَمَاعَةٌ . وَقَالَ التَّيْمِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ لِأُمِّهِ اسْمَيْنِ خَوْلَةَ وَعَفْرَاءَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحَدَهُمَا اسْمٌ وَالْآخَرُ لَقَبٌ ، أَوْ أَحَدُهُمَا اسْمُ أُمِّهِ وَالْآخَرُ اسْمُ أَبِيهِ أَوِ الْآخَرُ اسْمُ جَدَّةٍ لَهُ ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ عَفْرَاءَ اسْمُ أُمِّهِ وَالْآخَرُ اسْمُ أَبِيهِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّهُ خَوْلَةُ أَوْ خَوْلِيٌّ ( يَرْثِي ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ ، يَتَوَجَّعُ وَيَتَحَزَّنُ ( لَهُ ) لِأَجْلِهِ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَلَا يَصِحُّ كَسْرُهَا ؛ لِأَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ وَهُوَ كَانَ قَدْ ( مَاتَ بِمَكَّةَ ) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَبِهِ جَزَمَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي تَارِيخِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : مَاتَ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ مَعَ قُرَيْشٍ سَنَةَ سَبْعٍ ، فَتَوَجَّعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَوْتِهِ فِي أَرْضٍ هَاجَرَ مِنْهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَمْ يُهَاجِرْ ، فَسَبَبُ بُؤْسِهِ عَدَمُ هِجْرَتِهِ ، فَإِنَّمَا بُؤْسُهُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْإِقَامَةَ فِي أَرْضٍ هَاجَرُوا مِنْهَا وَتَرَكُوهَا مَعَ حُبِّهِمْ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى ؛ فَلِذَا خَشِيَ سَعْدٌ أَنْ يَمُوتَ بِهَا ، وَتَوَجَّعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ خَوْلَةَ أَنْ مَاتَ بِهَا ، وَرُوِيَ أَنَّهُ خَلَّفَ مَعَ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَجُلًا وَقَالَ : إِنْ تُوفِّيَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا . وَالرِّثَاءُ يُطْلَقُ عَلَى التَّوَجُّعِ وَالتَّحَزُّنِ وَهَذَا هُوَ الْمُبَاحُ الَّذِي فَعَلَهُ الْمُصْطَفَى ، وَيُطْلَقُ عَلَى ذِكْرِ أَوْصَافِ الْمَيِّتِ الْبَاعِثَةِ عَلَى تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَاللَّوْعَةِ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ : نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَرَاثِي وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ : نَهَانَا أَنْ نَتَرَاثَى . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : زَعَمَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ : يَرْثِي . . . إِلَخْ ، مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ . قَالَ الْحَافِظُ : وَكَأَنَّهُمُ اسْتَنَدُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُ فَصَّلَ ذَلِكَ ، لَكِنْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ : الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ، قَالَ سَعْدٌ يَرْثِي لَهُ . . . إِلَخْ ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي وَصْلِهِ فَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِإِدْرَاجِهِ . وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي الطِّبِّ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا : ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ وَجْهِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ ، قَالَ : فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهَا . وَلِمُسْلِمٍ : قُلْتُ : فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَشْفِيَنِي ، قَالَ : اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ زِيَارَةِ الْمَرِيضِ لِلْإِمَامِ فَمَنْ دُونَهُ ، وَيَتَأَكَّدُ بِاشْتِدَادِ الْمَرَضِ وَوَضْعِ الْيَدِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَمَسْحِ وَجْهِهِ وَالْعُضْوِ الَّذِي يَأْلَمُهُ وَالْفَسْحِ لَهُ بِطُولِ الْعُمْرِ ، وَجَوَازُ إِخْبَارِ الْمَرِيضِ بِشِدَّةِ مَرَضِهِ وَقُوَّةِ أَلَمِهِ إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِمَّا يُمْنَعُ أَوْ يُكْرَهُ مِنَ التَّبَرُّمِ وَعَدَمِ الرِّضَا بَلْ لِطَلَبِ دُعَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ وَرُبَّمَا اسْتُحِبَّ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الِاتِّصَافَ بِالصَّبْرِ الْمَحْمُودِ ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ أَثْنَاءَ الْمَرَضِ كَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ بَعْدَ الْبُرْءِ أَجْوَزَ ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ وَالطَّاعَةِ إِذَا كَانَ مِنْهَا مَا لًا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ قَامَ غَيْرُهُ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ مَقَامَهُ ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا خَافَ أَنْ يَمُوتَ فِي الدَّارِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فَيَفُوتَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَجْرِ هِجْرَتِهِ ، فَأَخْبَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ إِنْ تَخَلَّفَ عَنْ دَارِ هِجْرَتِهِ فَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا مِنْ حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ بِهِ أَجْرٌ يُعَوِّضُ مَا فَاتَهُ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى ، وَالْحَثُّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ وَأَنَّ صِلَتَهُمْ أَفْضَلُ ، وَالْإِنْفَاقُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ إِذَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ صَارَ طَاعَةً ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِأَقَلِّ الْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْعَادِيَّةِ ، وَهِيَ وَضْعُ اللُّقْمَةِ فِي فَمِ الزَّوْجَةِ ؛ إِذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ غَالِبًا إِلَّا عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ وَالْمُمَازَحَةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَيُؤْجَرُ فَاعِلُهُ إِذَا قَصَدَ بِهِ قَصْدًا صَحِيحًا ، فَكَيْفَ بِمَا فَوْقَ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : وَجَوَازُ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ إنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ أَنَّ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لَا يُبَالِي بِالْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ لِأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ مَنْ يَخْشَى عَلَيْهِ الْفَقْرَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيلًا مَحْضًا وَإِنَّمَا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْأَحَظِّ الْأَنْفَعِ ، وَلَوْ كَانَ تَعْلِيلًا مَحْضًا لَاقْتَضَى جَوَازُ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءُ ، وَلَنَفَّذَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إِجَازَتِهِمْ وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ مَحْضٌ فَهُوَ لِلنَّقْصِ عَنِ الثُّلُثِ لَا لِلزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ الْإِيصَاءَ بِالثُّلُثِ ، وَأَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ عَلَى الْمُوصِي قَالَ : إِلَّا أَنَّ الِانْحِطَاطَ عَنْهُ أَوْلَى وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ تَرَكَ وَرَثَتَهُ فُقَرَاءَ ، وَفِيهِ الِاسْتِفْسَارُ عَنِ الْمُجْمَلِ إِذَا احْتَمَلَ وُجُوهًا ؛ لِأَنَّ سَعْدًا لَمَّا مُنِعَ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ احْتَمَلَ عِنْدَهُ الْمَنْعُ فِيمَا دُونَهُ وَالْجَوَازُ فَاسْتَفْسَرَ عَنْهُ ، وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْوَرَثَةِ ، وَأَنَّ خِطَابَ الشَّارِعِ الْوَاحِدِ يَعُمُّ مَنْ كَانَ بِصِفَتِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ لِإِطْبَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ سَعْدٍ هَذَا وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ إِنَّمَا وَقَعَ لَهُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِالرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ لِلْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ : وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ كَمَا مَرَّ ، وَمَنْ قَالَ بِالرَّدِّ لَا يَقُولُ بِظَاهِرِهِ لِأَنَّهُمْ يُعْطُونَهَا فَرْضَهَا ثُمَّ يَرُدُّونَ عَلَيْهَا الْبَاقِيَ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَرِثُ الْجَمِيعَ ابْتِدَاءً ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَنَائِزِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ ، وَتَابَعَ شَيْخَهُ الزُّهْرِيَّ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ . ( مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ وَيَقُولُ : غُلَامِي يَخْدُمُ فُلَانًا مَا عَاشَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ ) بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ ( فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ ، فيؤخذ الْعَبْدُ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ ، قَالَ : فَإِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ ) وَفِي نُسْخَةٍ الْغُلَامِ ( تُقَوَّمُ ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ ، يُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِالثُّلُثِ بِثُلُثِهِ وَيُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِمَا قُوِّمَ لَهُ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ إِجَارَتِهِ إِنْ كَانَتْ لَهُ إِجَارَةٌ بِقِدْرِ حِصَّتِهِ ، فَإِذَا مَاتَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ مَا عَاشَ عَتَقَ الْعَبْدُ ) عَمَلًا بِالْوَصِيَّةِ . ( مَالِكٌ : فِي الَّذِي يُوصِي فِي ثُلُثِهِ فَيَقُولُ لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا يُسَمِّي مَالًا مِنْ مَالِهِ ، فَيَقُولُ وَرَثَتُهُ : قَدْ زَادَ عَلَى ثُلُثِهِ ، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا أَهْلَ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ وَيَأْخُذُوا جَمِيعَ مَالِ الْمَيِّتِ ) الْبَاقِيَ بَعْدَ إِعْطَائِهِمْ ( وَبَيْنَ أَنْ يَقْسِمُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ فَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ ثُلُثَهُ فيكون حُقُوقُهُمْ فِيهِ إِنْ أَرَادُوا بَالِغًا مَا بَلَغَ ) لِأَنَّ الْوَرَثَةَ كَمَا لَمْ يُمَكِّنُوا الْمَيِّتَ مِنْ بَخْسِ حُقُوقِهِمْ فَلَا يَبْخَسُونَ حَقَّهُ ، فَإِمَّا أَجَازُوا فِعْلَهُ وَإِلَّا دَفَعُوا جَمِيعَ مَالِهِ وَهُوَ الثُّلُثُ ، وَتُلَقَّبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِخَلْعِ الثُّلُثِ وَلَهَا صُوَرٌ فِي الْفُرُوعِ .