سعيد بن أبي سعيد المقبري يُكَنَّى بِأَبِي سَعْدٍ ، وَاسْمُ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ ، وَهُوَ مَوْلَى لِبَنِي جُنْدَعٍ مِنْ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ ، كَانَ مُكَاتِبًا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَأَدَّى كِتَابَتَهُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُتِقَ ، وَلَهُمَا جَمِيعًا رِوَايَةٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُمَا قَدْ سَمِعَا مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَسَمَاعُهُمَا وَاحِدٌ مِمَّنْ سَمِعَا مِنْهُ ، أَوْ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ ، وَكَانَا ثِقَتَيْنِ ، وَسَعِيدٌ فِي الرِّوَايَةِ أَشْهَرُ مِنْ أَبِيهِ ، رَوَى عَنْهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَاللَّيْثُ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ اخْتَلَطَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ ، وَسَمَاعُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ ، وَكَذَلِكَ مَالِكٌ . وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، فَقِيلَ : كَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَ بِهَا سُكْنَاهُ قَبْلَ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِي خِلَافَةِ هِشَامٍ قَبْلَ مَوْتِ الزُّهْرِيِّ بِعَامٍ ، وَقِيلَ : سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَقِيلَ : سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ أَبُوهُ أَبُو سَعِيدٍ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقِيلَ : فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْمَقْبُرِيُّ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَسْكُنُ عَلَى الْمَقْبَرَةِ ، وَفِي الْمَقْبُرَةِ لُغَتَانِ : مَقْبُرَةٌ وَمَقْبَرَةٌ ، بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ . لِمَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ ، أَحَدُهَا مَوْقُوفٌ يَسْتَنِدُ مَرْفُوعًا مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ . 1728 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِسَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ . لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ لِلْمُوَطَّأِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مالك ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ جَمَاعَةٌ ، أَجَلُّهُمْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ; لِأَنَّهُ فِي دَرَجَةٍ مَعَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ فِي أَبِي سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ سَمِعَ أَبُو سَعِيدٍ مِنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ آدَابٌ وَسُنَنٌ ، مِنْهَا التَّأْكِيدُ فِي لُزُومِ الصَّمْتِ ، وَقَوْلُ الْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْخَيْرِ غَنِيمَةٌ ، وَالسُّكُوتَ سَلَامَةٌ ، وَالْغَنِيمَةُ أَفْضَلُ مِنَ السَّلَامَةِ ، وَكَذَلِكَ قَالُوا : قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ ، وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ . قَالَ عَمَّارٌ الْكِلَبِيُّ : وَقُلِ الْخَيْرَ وَإِلَّا فَاصْمُتَنَّ فَإِنَّهُ مَنْ لَزِمَ الصَّمْتَ سَلِمْ وَقَالَ آخَرُ : وَمَنْ لَا يَمْلِكُ الشَّفَتَيْنِ يَسْخُو بِسُوءِ اللَّفْظِ مِنْ قِيلٍ وَقَالَ وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ : رَأَيْتُ اللِّسَانَ عَلَى أَهْلِهِ إِذَا سَاسَهُ الْجَهْلُ لَيْثًا مُغِيرًا وَقَالَ آخَرُ : لِسَانُ الْفَتَى حَتْفُ الْفَتَى حِينَ يَجْهَلُ وَكُلُّ امْرِئٍ مَا بَيْنَ فَكَّيْهِ مَقْتَلُ فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالصَّمْتِ ، لَا قَائِلُ الْخَيْرِ وَذَاكِرُ اللَّهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى وَكَثِيرًا مِمَّا قِيلَ فِيهِ مِنَ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَتَقَصَّيْتُهُ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا الشُّؤْمُ إِلَّا فِي اللِّسَانِ ، وَمَا شَيْءٌ أَحَقُّ بِطُولِ السِّجْنِ مِنْهُ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الطَّيِّبِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ بِلَالٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ هَاشِمٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ فِرْزٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ رَدَّ غَيْظَهُ دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ ، وَمَنْ حَفِظَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إِلَى اللَّهِ قَبِلَ عُذْرَهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ صَمَتَ نَجَا . وَقَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : أَرْبَعٌ لَا مِثْلَ لَهُنَّ : الصَّمْتُ وَهُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ ، وَالتَّوَاضُعُ ، وَذِكْرُ اللَّهِ ، وَقِلَّةُ الْمَشْيِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يُكْتَبُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ كَلَامِهِ ، فَذَكَرَ سُنَيْدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ قَالَ : يَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى مَا يُعَلِّلُ بِهِ الرَّجُلُ صَبِيَّهُ ، وَالْمَرْأَةُ صَبِيَّهَا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ قَالَ : كَانَتِ الْحَسَنَاتُ عَنْ يَمِينِهِ وَكَانَتِ السَّيِّئَاتُ عَنْ شِمَالِهِ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ قَالَ : وَحَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ قَالَ : يَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَنِينِهِ فِي مَرَضِهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُطَرِّفٍ ، قَالَ : مَا ظَفِرْتُ مِنْ أَيُّوبَ بِشَيْءٍ إِلَّا بِأَنِينِهِ . قَالَ لَيْثٌ : فَحَدَّثْتُ بِهِ طَاوُسًا وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَمَا أَنَّ حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ بِهَذَا قَوْمٌ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ ، فَقَالُوا : لَا يَكْتُبُ إِلَّا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ . ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ قَالَ : يَا غُلَامُ اسْقِنِي الْمَاءَ ، وَأَسْرِجِ الْفَرَسَ ، لَا يَكْتُبُ إِلَّا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يُحَدِّثُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : يَكْتُبُ عَنِ الْإِنْسَانِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَلَا يُكْتَبُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَازِمٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ قَالَ : لَا يَكْتُبُ عَلَيْهِ إِلَّا مَا يُؤْجَرُ فِيهِ وَيُؤْزَرُ فِيهِ ، قَالَ : لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ : تَعَالِي حَتَّى نَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا ، أَكَانَ يَكْتُبُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ حَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ : يَقُولُ يَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ أَلْقَي مِنْهُ أَطْعِمْنِي وَاسْقِنِي ، وَكَتَبَ الْبَقِيَّةَ . وَذَكَرَ عَنِ الْأَحْنَفِ وَجْهًا رَابِعًا ، قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ : يَكْتُبُ الْخَيْرَ وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ ، فَإِذَا أَصَابَ الْعَبْدُ الْخَطِيئَةَ قَالَ : امْسِكْ ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ نَهَاهُ أَنْ يَكْتُبَهَا ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُصِرَّ عَلَيْهَا كَتَبَهَا . وَقَالَ عَطَاءٌ : كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ . وَقَالَ شُفَيٌّ الْأَصْبَحِيُّ : مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَايَاهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ ، وَإِيَّاكُمُ وَالشُّحَّ ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا ، وَأَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا ، وَبِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . وَذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، وَهُوَ آخِذٌ بلِسَانَهُ بِيَدِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : إِنَّ ذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ . وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، مِثْلَهُ ، وَزَادَ فِيهِ : وَقَالَ : لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْجَسَدِ إِلَّا وَهُوَ يَشْكُو اللِّسَانَ إِلَى اللَّهِ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَرْفَعُهُ ، قَالَ : إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ أَصْبَحَتِ الْأَعْضَاءُ تَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّ اللِّسَانِ ، وَتَقُولُ : اتَّقِ اللَّهَ فِينَا ، فَإِنَّكَ إِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا . حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدِ بْنِ ثِرْثَالٍ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الطَّيِّبِ بْنِ حَمْزَةَ الْبَلْخِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حُبَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الصَّهْبَاءِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، يَرْفَعُهُ فَذَكَرَهُ . وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكره بمعناه مَرْفُوعًا . قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : رَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ جَالِسًا عِنْدَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ يَكْتُبُ هَذَا الْحَدِيثَ . قَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَعْقُوبُ بْنُ الْمُبَارَكِ هَكَذَا وَجَدُتُهُ فِي كِتَابِي ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الْكَاغَذِيِّ . وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ ، عَنْ يَعْقُوبٍ الدَّوْرَقِيِّ ، فَلَمْ يُجِزْ بِهِ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ : وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَوْقُوفًا . وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَلْمَانَ ، قَالَ : مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَقَّ بِطُولِ السِّجْنِ مِنَ اللِّسَانِ . وَرَوَى الْحَكَمُ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، مِثْلَهُ . وَمِنْ هَاهُنَا اتَّخَذَ الْقَائِلُ قَوْلَهُ : وَمَا شَيْءٌ إِذَا فَكَّرْتَ فِيهِ أَحَقَّ بِطُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانِ وَمِنَ الْآدَابِ أَيْضًا وَالسُّنَنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : الْحَضُّ عَلَى بِرِّ الْجَارِ ، وَإِكْرَامِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، أَنَّهُ قَالَ : مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ . وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَوْصَى بِالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ، قَالُوا : الْجَارُ ذُو الْقُرْبَى : جَارُكَ مِنْ قَرَابَتِكَ ، وَالْجَارُ الْجُنُبُ قَالُوا : الْجَارُ الْمُجَانِبُ ، وَقَالُوا : الْجَارُ مِنْ غَيْرِ قَرَابَتِكَ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ . وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ يَشْكُو جَارَهُ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيًا يُنَادِي : أَلَا إِنَّ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ ، فَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ خَافَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : أَرْبَعِينَ دَارًا يَمِينًا وَشِمَالًا ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ، ذَكَرَهُ سُنَيْدٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ سُنَيْدٌ : وَأَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ - قَالَهَا ثَلَاثًا - قَالُوا : وَمَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْجَارُ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ، قَالُوا : وَمَا بَوَائِقُهُ ؟ قَالَ : شَرَّهُ . وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى إِكْرَامِ الضَّيْفِ وَإِجَازَتِهِ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ مَنْدُوبٌ إليها غَيْرُ مُفْتَرِضَةٍ ، لِقَوْلِهِ : جَائِزَتُهُ ، وَالْجَوَائِزُ لَا تَجِبُ فَرْضًا ; لِأَنَّهَا إِتْحَافُ الضَّيْفِ بِأَطْيَبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي تَفْسِيرِ جَائِزَتِهِ : يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ . قَالَ : يُحْسِنُ ضِيَافَتَهُ وَيُكْرِمُهُ . وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُضِيفُ . رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَقُتَيْبَةُ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ . وَرَوَى أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ بَقِيَّةَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ : يَا أَبَا عَمْرٍو ، الضَّيْفُ يَنْزِلُ بِنَا فَنُطْعِمُهُ الزَّيْتُونَ وَالْكَامَخَ ، وَعِنْدَنَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ : الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا يَفْعَلُ هَذَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمَ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَدْحِ مُضِيفِ الضَّيْفِ وَحَمْدِهِ وَالثَّنَاءِ بِذَلِكَ عَلَيْهِ وَكُلُّهُمْ يَنْدُبُ إِلَى ذَلِكَ وَيَجْعَلُهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَسُنَنِ الْمُرْسَلِينَ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلُ مَنْ ضَيَّفَ الضَّيْفَ ، وَحَضَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الضِّيَافَةِ وَنَدَبَ إِلَيْهَا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهَا فَرْضًا ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوْجِبْهَا ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجِبْهَا يَنْدُبُ إِلَيْهَا وَيَسْتَحِبُّهَا ، وَمِمَّنْ أَوْجَبَهَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَأَلْتُ اللَّيْثَ عَنْ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ تَمُرُّ بِهِ فَيُقَدِّمُ إِلَيْكَ طَعَامًا لَا تَدْرِي هَلْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ اللَّيْثُ : الضِّيَافَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا تَجُوزُ هِبَةُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ ، وَلَا دَعْوَتُهُ ، وَلَا عَارِيَتُهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ إِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . وَقَالَ اللَّيْثُ : لَا بَأْسَ بِضِيَافَتِهِ . وَقَدْ رَوَى الرَّبِيعُ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ ضِيَافَةٌ . وَقَالَ سَحْنُونٌ : إِنَّمَا الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى ، وَأَمَّا الْحَضَرُ فَالْفُنْدُقُ يَنْزِلُ فِيهِ الْمُسَافِرُ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ : مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ الْقُشَيْرِيُّ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَخِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَلَيْسَتْ عَلَى أَهْلِ الْمَدَرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْكَذِبِ ، وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ ، وَنُسِبَ إِلَى وَضْعِهِ . وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ اللَّيْثِ فِي الضِّيَافَةِ ، حَدِيثُ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْمِقْدَامِ أَبِي كَرِيمَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ ، فَإِنَّهُ دَيْنٌ إِنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ . وَرَوَى اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا ، فَنَمُرُّ بِقَوْمٍ لَا يُقْرُونَنَا ، فَمَا تَرَى ؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ . حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ بِمَكَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، فَذَكَرَهُ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَوْفٍ الْجُرَشِيُّ ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كْرِبَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ أَضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يَقْرُوهُ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَعْقُبَهُمْ بِمِثْلِ قُرَاهُ . وَرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ . وَرَوَى الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَاحِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ سَوَاءٌ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَطَرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَبُو أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ الرَّحَبِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ الْجُرَشِيِّ ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الكندي ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ ، فَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآثَارِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ اللَّيْثِ فِي وُجُوبِ الضِّيَافَةِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ قَالَ مُجَاهِدٌ : ذَلِكَ فِي الضِّيَافَةِ ، إِذَا لَمْ يُضِفْ ، فَقَدْ رَخَّصَ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ ، ذَكَرَهُ وَكِيعٌ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ ضَافَ رَجُلًا بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَلَمْ يُضِفْهُ ، فَنَزَلَتْ : إِلا مَنْ ظُلِمَ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُضِفْهُ ، لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ، قَالُوا : فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ ، وَالظُّلْمُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الضِّيَافَةِ . وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ الْعَدَوِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ . وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ سَوَاءً ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ إِكْرَامٌ وَبِرٌّ وَفَضِيلَةٌ لَا فَرِيضَةَ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا : مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، قَالَ : جِئْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي قَدْ كَادَتْ تَذْهَبُ أَبْصَارُنَا وَأَسْمَاعُنَا مِنَ الْجُوعِ ، فَجَعَلْنَا نَتَعَرَّضُ لِلنَّاسِ ، فَلَمْ يُضِفْنَا أَحَدٌ ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ ، فَتَعَرَّضْنَا لِلنَّاسِ ، فَلَمْ يُضْفِنَا أَحَدٌ ، فَأَتَيْنَاكَ ، فَذَهَبَ بِنَا إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَعِنْدَهُ أَرْبَعَةُ أَعْنُزٍ ، فَقَالَ : يَا مِقْدَادُ ، احْلِبْهُنَّ ، وَجَزِّئِ اللَّبَنَ لِكُلِّ اثْنَيْنِ جُزْءًا . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ الْمِقْدَادَ وَصَاحِبَهُ قَدِ اسْتَضَافَا فَلَمْ يُضَافَا ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْخُذَا مِمَّنِ اسْتَضَافَا قَدْرَ ضِيَافَتِهِمَا مَعَ شِدَّةِ حَاجَتِهِمَا ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الضِّيَافَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ جُمْلَةً ، أَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَنُسِخَتْ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَأْمُرُونَ بِالضِّيَافَةِ ، وَيَنْدُبُونَ إِلَيْهَا ، وَيَسْتَحِبُّونَهَا ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْبَوَادِي آكَدُ . وَقَوْلُهُمْ : لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ ضِيَافَةٌ ، يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ سُنَّتِهَا عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنِ الْبَادِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي إِيجَابِهَا فَرْضًا ، فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ مَضَى عَنْ مُجَاهِدٍ فِيهَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا ذَكَرْنَا . وَقَالَ سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ الْآيَةَ ، قَالَ : عَذَرَ اللَّهُ الْمَظْلُومَ كَمَا تَسْمَعُونَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ : " إِلا مَنْ ظُلِمَ " قَالَ : إِلَّا مِنْ أَثَرِ مَا قِيلَ لَهُ ، فَلَمْ يَقُلْ هَؤُلَاءِ : إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الضِّيَافَةِ ، وَلَا فِي قَوْلِهِمْ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ فِي الضِّيَافَةِ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : الضِّيَافَةُ مِنْ كَرَامَةِ الضَّيْفِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ وُجُوبِهَا ، قَالَ : وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ كَانَتْ وَاجِبَةً عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا لِقِلَّةِ عَدَدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَتَبَاعُدِ أَوْطَانِهِمْ ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ عَمَّ الْإِسْلَامُ ، وَتَقَارَبَ أَهْلُهُ فِي الْجِوَارِ ، قَالَ : وَفِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، قَالَ : وَالْجَائِزَةُ مِنْحَةٌ ، وَالْمِنْحَةُ إِنَّمَا تَكُونُ عَنِ اخْتِيَارٍ ، لَا عَنْ وُجُوبٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَرْضًا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ إِكْرَامَ الْجَارِ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، فَكَذَلِكَ الضَّيْفُ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي الْحَاضِرَةِ وَالْبَادِيَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهَذَا مَنْ سَوَّى بَيْنَ الضِّيَافَةِ فِي الْبَادِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ الْآثَارِ فِي تَأْكِيدِهَا إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي قَوْمٍ مُسَافِرِينَ مَنَعُوهَا . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَرْضًا مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَلَانِسِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - وَهُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي مَرَرْتُ بِرَجُلِ فِلْمٍ يُضِفْنِي ، وَلَمْ يُقِرْنِي ، أَفَأُجَازِيهِ ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ أَقِرْهُ . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : حَقُّ الضَّيْفِ ثَلَاثُ لَيَالٍ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ . وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَرَوَى شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُطْرِبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : إِكْرَامُ الضَّيْفِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَإِنْ أَصَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَضٌ أَوْ مَطَرٌ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَمَّا كَانَ مِنَ الضِّيَافَةِ صَدَقَةً كَمَا يَنْبَغِي لَهُ التَّنَزُّهُ ، عَنِ الصَّدَقَةِ ، وَلَيْسَتْ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ بِمُحَرَّمَةٍ عَلَى أَحَدٍ ، إِلَّا أَنَّ السُّؤَالَ مَكْرُوهٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَابِرٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَطَّانُ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْجَزَّارُ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أَصْهَارِهِ ، فَيَأْتِيهِ طَعَامُهُ مِنْ عِنْدِ دَارِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ ، فَيَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : احْبِسُوا عَنَّا صَدَقَتَكُمْ ، وَيَقُولُ لِنَافِعٍ : أَنْفِقْ مِنْ عِنْدِكَ الْآنَ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ ، يُرِيدُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ ، وَالثَّوَاءُ : الْإِقَامَةُ . قَالَ عَنْتَرَةُ : طَالَ الثَّوَاءُ عَلَى رُسُومِ الْمَنْزِلِ وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ : آَذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ وَقَالَ كُثَيِّرٌ : أُرِيدُ الثَّوَاءَ عِنْدَهَا وَأَظُنُّهَا إِذَا مَا أَطَلْنَا عِنْدَهَا الْمُكْثَ مَلَّتِ وَقَوْلُهُ : يُحْرِجُهُ ، أَيْ : يَضِيقُ عَلَيْهِ بِإِقَامَتِهِ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرَجَ وَتَضِيقَ نَفْسُهُ ، هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ · ص 33 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ · ص 301 1728 1729 - مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُومِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ ينوي عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ . 39710 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَتَيْنَا فِي التَّمْهِيدِ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ ، وَأَقْوَالِ السَّلَفِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي فَضْلِ الصَّمْتِ ، وَأَنَّهُ مَنْجَاةٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ صَمَتَ نَجَا ، إِلَّا أَنَّ الْكَلَامَ بِالْخَيْرِ ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَإِدْمَانَ الذِّكْرِ ، وَتِلَاوَةَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِذَلِكَ غَنِيمَةٌ ، وَالصَّمْتُ سَلَامَةٌ ، وَالْغَنِيمَةُ فَوْقَ السَّلَامَةِ . 39711 - وَذَكَرْنَا هُنَاكَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ . 39712 - وَأَمَّا الَّذِي يُكْتَبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ كَلَامِهِ ، فَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ النَّضْرُ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ قَالَ : يُكْتَبُ عَنِ الْإِنْسَانِ كُلُّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَلَا يُكْتَبُ . 397713 - وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : حَدَّثَنِي الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ تَعَالَى ] : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ قَالَ : لَا يَكْتُبُ إِلَّا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَا غُلَامُ اسْقِ الْمَاءَ وَاسَرْجِ الْفَرَسَ ، فَلَا يُكْتَبُ . 39714 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْصَى بِالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ، وَالْجَارِ الْجُنُبِ ، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ . 39715 - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ . 39716 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ جَارٌ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ . 39717 - وَذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ أَبَرَّ بِالْجَارِ مِنْكُمْ ، وَهَذَا قَائِلُهُمْ يَقُولُ : نَارِي وَنَارُ الْجَارِ وَاحِدَةٌ وَإِلَيْهِ قَبْلِي يَنْزِلُ الْقِدْرُ مَا ضَرَّ جَارٌ أَلَّا أُجَاوِرُهُ أَلَّا يَكُونَ لِبَابِهِ سِتْرُ أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي بَرَزَتْ حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي الْخِدْرُ 39718 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ . فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ أَخْلَاقُهُ قَوْلُ الْخَيْرِ أَوِ الصَّمْتُ ، وَبِرُّ الْجَارِ ، وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ ، فَهَذِهِ حِلْيَةُ الْمُؤْمِنِ وَشِمَتُهُ وَخُلُقُهُ . 39719 - وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . 39720 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، [ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ] عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا خَيْرَ فِي مَنْ لَا يُضِيفُ . 39721 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَدْحِ مُكْرِمِ الضَّيْفِ ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَحَمْدِهِ ، وَأَنَّ الضِّيَافَةَ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلُ مَنْ ضَيَّفَ الضَّيْفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 39722 - وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الضِّيَافَةِ فَكَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يُوجِبُهَا . 39723 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ : الضِّيَافَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ . 39724 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللَّيْثُ أَرَادَ أَنَّ الضِّيَافَةَ وَاجِبَةٌ [ فِي أَخْلَاقِ الْكِرَامِ ، وَلَكِنْ قَدْ حَكَى ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ إِيجَابِهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً ، فَأَجَازَ ] لِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ أَنْ يُضِيفَ مِمَّا بِيَدِهِ ، وَقَالَ بِهِ قَوْمٌ . 39725 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبْ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، فَإِنْ أَصْبَحَ بِفَنَائِهِ فَإِنَّهُ دَيْنٌ لَهُ ، إِنْ شَاءَ قَضَاهُ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ . 39726 - وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ مَرْفُوعَةٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى ، قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 39727 - وَحَدِيثُ [ اللَّيْثِ فِي ذَلِكَ ] هُوَ حُجَّةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ . 39728 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قُلْنَا ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَمُرُّ بِقَوْمٍ ، وَلَا يُقْرُونَا ، [ فَمَاذَا تَرَى ] ؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ ، فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي . 39729 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، إِذْ كَانَتِ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةً ، ثُمَّ أَتَى اللَّهُ تَعَالِي بِالْخَيْرِ وَالسَّعَةِ ، فَصَارَتِ الضِّيَافَةُ جَائِزَةٌ وَكَرَمًا مَنْدُوبًا إِلَيْهَا ، مَحْمُودًا فَاعِلُهَا عَلَيْهَا . 39730 - وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ ضِيَافَةٌ . 39731 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : إِنَّمَا الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الْحَضَرِ فَالْفُنْدُقُ يَنْزِلُ فِيهِ الْمُسَافِرُ . 39732 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَمَّامِ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَلَيْسَتْ عَلَى أَهْلِ الْمَدَرِ . 39733 - وَهَذَا عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ ، وَضَعَهُ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . 397734 - وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ الْعَلَاءِ الْقَسْرِيُّ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، فَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءً . 39735 - وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ أَنْ يُضِيفَ أَحَدًا ، وَلَا يَهَبَ ، وَلَا يُعِيرَ ، وَلَا يَدْعُوَ أَحَدًا إِلَى طَعَامٍ ، إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ . 39736 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ . 39737 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، وَالْحَاضِرَةِ وَالضِّيَافَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ . 39738 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَالّ عَلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَرْضًا لِأَنَّ الْجَائِزَةَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْعَطِيَّةُ وَالْمِنْحَةُ وَالصِّلَةُ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى اخْتِيَارٍ ، لَا عَنْ وُجُوبٍ . 39739 - وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلْيُكْرِمْ [ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ] ضَيْفَهُ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ إِكْرَامَ الْجَارِ وَصِلَتَهُ وَعَطِيَّتَهُ ، لَيْسَتْ بِفَرْضٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ أَيْضًا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ . 39740 - وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، سَمِعَهُ يَقُولُ : إِنَّ إِكْرَامَ الضَّيْفِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَضِيَافَتَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَإِنْ أَصَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَضٌ أَوْ مَطَرٌ ، فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ . 39741 - وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقْبَلُ الضِّيَافَةَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ يَقُولُ لِنَافِعٍ ، أَنْفِقْ فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ، وَيَقُولُ : احْبِسُوا عَنَّا صَدَقَتَكُمْ . 39742 - وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَن منْ أَطْعَمَ ضَيْفَهُ خُبْزَ الشَّعِيرِ وَعِنْدَهُ خُبْزُ الْبُرِّ ، أَوْ أَطْعَمَهُ الْخُبْزَ بِالزَّيْتِ وَعِنْدَهُ اللَّحْمُ ، فَقَالَ : هَذَا مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ وَالْآخِرِ . 39743 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ ، أَيْ لَا يُقِيمَ عَلَى ضِيَافَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ . 39744 - وَالثَّوَاءُ : الْإِقَامَةُ . 397450 قَالَ كُثَيِّرٌ : أُرِيدُ الثَّوَاءَ عِنْدَهَا وَأَظُنُّهَا إِذَا مَا أَطَلْنَا عِنْدَهَا الْمُكْثَ مَلَّتِ 39746 - وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ : أأذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ 39747 - وَقَوْلُهُ : حَتَّى يُحْرِجَهُمْ . أَيْ حَتَّى يُضَيِّقَ عَلَيْهِمْ ، وَيُضَيِّقَ نَفْسَهُ ، وَالْحَرَجُ الضِّيقُ فِي لُغَةِ الْقُرْآنِ .
شرح الزرقاني على الموطأباب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ · ص 476 1678 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ . 1728 1678 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ) كَيْسَانَ ( الْمَقْبُرِيِّ ) - بِضَمِّ الْبَاءِ ، وَفَتْحِهَا - الْمَدَنِيِّ - ( عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ ) - بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ - الْخُزَاعِيِّ ، ثُمَّ ( الْكَعْبِيِّ ) نِسْبَةً إِلَى كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو بَطْنٍ مِنْ خُزَاعَةَ اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى الْأَشْهَرِ ، وَقِيلَ : عَمْرُو بْنُ خُوَيْلِدٍ ، وَقِيلَ : هَانِئٌ وَقِيلَ : كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو ، وَقِيلَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ ، وَكَانَ مَعَهُ لِوَاءُ خُزَاعَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ نَزَلَ الْمَدِينَةَ ، وَلَهُ أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ ، ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ : سَمِعَتْ أُذُنَايَ ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ) الَّذِي خَلَقَهُ إِيمَانًا كَامِلًا ، ( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) الَّذِي إِلَيْهِ مَعَادُهُ ، وَفِيهِ جَزَاؤُهُ ، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ ، وَعَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ قَصْدًا إِلَى اسْتِمْرَارِ الْإِيمَانِ ، وَتَجَدُّدِهِ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ وَقْتًا فَوَقْتًا ؛ لِأَنَّهُ عَرَضٌ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ لِكَوْنِهِ فِعْلًا يُفِيدُ التَّجَدُّدَ وَالْحُدُوثَ ، وَهَذَا مِنْ خِطَابِ التَّهْيِيجِ مِنْ قَبِيلِ : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 23 ) أَيْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِ ، وَأَنَّ خِلَافَهُ لَا يَلِيقُ بِمَنْ يُؤْمِنُ بِذَلِكَ ، وَلَوْ قِيلَ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْغَرَضُ . ( فَلْيُقُلْ خَيْرًا ) يُثَابُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّفَكُّرِ ، فِيمَا يُرِيدُ التَّكَلُّمَ بِهِ ، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ قَالَهُ . ( أَوْ لِيَصْمُتْ ) - بِضَمِّ الْمِيمِ - أَيْ يَسْكُتْ عَنِ الشَّرِّ فَيَسْلَمْ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : مَنْ صَمَتَ نَجَا ، قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَقَدْ ضَبَطَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ - بِضَمِّ الْمِيمِ - وَكَأَنَّهُ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الطُّوفِيُّ : سَمِعْنَاهُ - بِكَسْرِهَا - وَهُوَ الْقِيَاسُ ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ فَعَلَ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - مَاضِيًا يَفْعِلُ - بِكَسْرِهَا - مُضَارِعًا نَحْوَ ضَرَبَ يَضْرِبُ ، وَيَفْعُلُ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - فِيهِ دَخِيلٌ كَمَا فِي الْخَصَائِصِ لِابْنِ جِنِّيٍّ ، انْتَهَى . أَيْ يَسْكُتُ عَنْ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَفَوَاتُهُمَا يُنَافِي حَالَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَشَرَفَ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَمْنِ ، وَلَا أَمَانَ لِمَنْ فَاتَهُ الْغَنِيمَةُ وَالسَّلَامَةُ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَوْ لِيَسْكُتْ ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، لَكِنَّ الصَّمْتَ أَخَصُّ ؛ لِأَنَّهُ السُّكُوتُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ ، أَمَّا السُّكُوتُ مَعَ الْعَجْزِ لِفَسَادِ آلَةِ النُّطْقِ ، فَهُوَ الْخَرَسُ ، أَوْ لِتَوَقُّفِهَا فَهُوَ الْعِيُّ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُصَدِّقَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ الْمُتَرَتِّبَيْنِ عَلَى الْكَلَامِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لَا يَخْلُو ، إِمَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يُحَصِّلُ لَهُ ثَوَابًا ، أَوْ خَيْرًا فَيَغْنَمُ ، أَوْ يَسْكُتَ عَنْ شَيْءٍ يَجْلِبُ لَهُ عِقَابًا ، أَوْ شَرًّا فَيَسْلَمُ ، فَـ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّقْسِيمِ فَيُسَنُّ لَهُ الصَّمْتُ حَتَّى عَنِ الْمُبَاحِ لِأَدَائِهِ إِلَى مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ ، وَبِفَرْضِ خُلُوِّهِ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ ضَيَاعُ الْوَقْتِ فِيمَا لَا يَعْنِي ، وَمِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ، قَالَ : وَأَفَادَ الْحَدِيثُ أَنَّ قَوْلَ الْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ لِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ قَوْلِ الْخَيْرِ ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي تَفْصِيلِ آفَاتِ الْكَلَامِ ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ حَصْرٍ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ آفَاتِ اللِّسَانِ أَسْرَعُ الْآفَاتِ لِلْإِنْسَانِ وَأَعْظَمُهَا فِي الْهَلَاكِ وَالْخُسْرَانِ ، فَالْأَصْلُ مُلَازَمَةُ الصَّمْتِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ وَالْحُصُولُ عَلَى الْخَيْرَاتِ ، فَحِينَئِذٍ تَخْرُجُ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مَخْطُومَةً وَبِأَزِمَّةِ التَّقْوَى مَزْمُومَةً ، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلُّهُ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ أَوْ آيِلٌ إِلَى أَحَدِهِمَا ، فَدَخَلَ فِي الْخَيْرِ كُلُّ مَطْلُوبٍ مِنْ فَرْضٍ ، وَنَفْلٍ فَأَذِنَ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، وَدَخَلَ فِيهِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا هُوَ شَرٌّ ، أَوْ يَؤُولُ إِلَيْهِ ، فَأُمِرَ بِالصَّمْتِ عَنْهُ ، فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ حَقَّ الْإِيمَانِ خَافَ وَعِيدَهُ وَرَجَا ثَوَابَهُ ، وَمَنْ آمَنَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ اسْتَعَدَّ وَاجْتَهَدَ فِي فِعْلِ مَا يَدْفَعُ بِهِ أَهْوَالَهُ ، فَيَأْتَمِرُ بِالْأَوَامِرِ وَيَنْتَهِي عَنِ النَّوَاهِي ، وَيَتَقَرَّبُ لِمَوْلَاهُ بِمَا يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ ، وَيَعْلَمُ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ مَا عَلَيْهِ ضَبْطَ جَوَارِحِهِ ، وَمِنْ أَكْثَرِ الْمَعَاصِي عَدَدًا وَأَيْسَرِهَا فِعْلًا مَعَاصِي اللِّسَانِ ، وَقَدِ اسْتَقْرَأَ الْمُحَاسِبُونَ لِأَنْفُسِهِمْ آفَاتِ اللِّسَانِ ، فَزَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ ، وَأَرْشَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ جُمْلَةً ، فَقَالَ : وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَمَنْ آمَنَ بِذَلِكَ حَقَّ إِيمَانِهِ اتَّقَى اللَّهَ فِي لِسَانِهِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَسَلْمَانُ : مَا شَيْءٌ أَحَقُّ بِطُولِ السِّجْنِ مِنَ اللِّسَانِ . ( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) أَيْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وُصِفَ بِهِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ، أَوْ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْحِسَابَ إِلَيْهِ ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا لَيْلَ بَعْدَهُ ، وَلَا يُقَالُ يَوْمٌ إِلَّا لِمَا بَعْدَهُ لَيْلٌ ، أَيْ يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ مَعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَهْوَالِ ، وَاكْتَفَى بِهِمَا عَنِ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ وَغَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِنُبُوءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ . ( فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ) بِالْبِشْرِ ، وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَبَذْلِ النَّدَى وَكَفِّ الْأَذَى ، وَتَحَمُّلِ مَا فَرَطَ مِنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ ، عَنْ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ ، وَقَدْ أَوْصَى اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فَمَنْ كَانَ مَعَ هَذَا التَّأْكِيدِ الشَّدِيدِ مُضِرًّا لِجَارِهِ كَاشِفًا لِعَوْرَاتِهِ ، حَرِيصًا عَلَى إِنْزَالِ الْبَوَائِقِ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ اعْتِقَادٍ وَنِفَاقٍ ، فَيَكُونُ كَافِرًا ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، وَأَمَّا عَلَى امْتِهَانِهِ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حُرْمَةِ الْجَارِ ، وَمِنْ تَأْكِيدِ عَهْدِ الْجِوَارِ فَيَكُونُ فَاسِقًا فِسْقًا عَظِيمًا ، وَمُرْتَكِبَ كَبِيرَةٍ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِالْكُفْرِ ، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ بَرِيدُ الْكُفْرِ ، فَيَكُونُ مِنَ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ وَمَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُبَالِغُونَ فِي رِعَايَتِهِ وَحِفْظِ حَقِّهِ . حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ أَبَرَّ مِنْكُمْ بِالْجَارِ ، هَذَا قَائِلُهُمْ قَالَ : نَارِي وَنَارُ الْجَارِ وَاحِدَةٌ وَإِلَيْهِ قَبْلِي يَنْزِلُ الْقَدَرُ مَا ضَرَّ جَارِيَ إِذْ أُجَاوِرُهُ أَنْ لَا يَكُونَ لِبَابِهِ سَتْرُ أَغُضُّ طَرْفِيَ إِذْ مَا جَارَتِي بَرَزَتْ حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي الْخِدْرُ وَقَالَ آخَرُ : أَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِي جَارَتِي حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا قَالَ الْحَافِظُ : وَاسْمُ الْجَارِ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ وَالْعَابِدَ وَالْفَاسِقَ وَالصَّدِيقَ وَالْعَدُوَّ وَالْغَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ وَالنَّافِعَ وَالضَّارَّ وَالْقَرِيبَ وَالْأَجْنَبِيَّ وَالْأَقْرَبَ دَارًا وَالْأَبْعَدَ ، وَلَهُ مَرَاتِبُ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ ، فَأَعْلَى مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُوَلُ كُلُّهَا ، ثُمَّ أَكْثَرُهَا وَهَلُمَّ جَرَّا إِلَى الْوَاحِدِ ، وَعَكْسُهُ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُخْرَى ، فَيُعْطَى كُلٌّ حَقَّهُ بِحَسَبِ حَالِهِ ، وَقَدْ تَتَعَارَضُ صِفَتَانِ فَتُرَجِّحُ أَوْ تُسَاوِي ، وَقَدْ حَمَلَهُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى الْعُمُومِ ، فَأَمَرَ لَمَّا ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ أَنْ يُهْدَى مِنْهَا لِجَارِهِ الْيَهُودِيِّ ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ، وَوَرَدَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ : الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ : جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَهُوَ الْمُشْرِكُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ ، وَحَقُّ الْإِسْلَامِ ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ رَحِمٌ ؛ حَقُّ الْإِسْلَامِ ، وَالْجِوَارِ ، وَالرَّحِمِ ، وَالْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ ، فَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ ، وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا ، وَيَجْمَعُ الْجَمِيعَ أَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ . وَجَاءَ تَفْسِيرُ الْإِحْسَانِ وَالْإِكْرَامِ لِلْجَارِ فِي أَخْبَارٍ أُخَرَ مِنْهَا : مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالْخَرَائِطِيُّ ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ جَارِي عَلِيَّ ؟ قَالَ : إِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ ، وَإِنْ مَاتَ شَيَّعْتَهُ ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ ، وَإِنَّ أَعْوَزَ سَتَرْتَهُ ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ ، وَلَا تَرْفَعْ بِنَاءَكَ فَوْقَ بِنَائِهِ فَتَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيحَ ، وَلَا تُؤْذِيهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا ، وَرَوَى الْخَرَائِطِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ مُعَاذٍ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الْجَارِ عَلَى جَارِهِ ؟ قَالَ : إِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضَتْهُ ، وَإِنِ اسْتَعَانَكَ أَعَنْتَهُ ، وَإِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ ، وَإِنِ احْتَاجَ أَعْطَيْتَهُ ، وَإِنِ افْتَقَرَ عُدْتَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ ، وَإِنْ مَاتَ اتَّبَعَتْ جِنَازَتَهُ ، وَلَا تَسْتَطِيلُ عَلَيْهِ الْبِنَاءَ فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَا تُؤْذِيهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا ، وَإِنِ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً ، فَأَهْدِ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا ، وَلَا تُخْرِجْ بِهَا وَلَدَكَ لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ ، وَرَوَاهُ الْخَرَائِطِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ ، وَأَسَانِيدُهُمْ وَاهِيَةٌ ، لَكِنَّ تَعَدُّدَ مَخَارِجِهَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا . قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : وَإِكْرَامُ الْجَارِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ ، وَالَّذِي يَشْمَلُ جَمِيعَ وُجُوهِ الْإِكْرَامُ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ ، وَمَوْعِظَتُهُ بِالْحُسْنَى ، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ ، وَتَرْكُ الْإِضْرَارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ حِسِّيًّا كَانَ أَوْ مَعْنَوِيًّا ، إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْإِضْرَارُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ ، وَالَّذِي يَخُصُّ الصَّالِحَ هُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ ، وَغَيْرَ الصَّالِحِ كَفُّهُ عَمَّا يَرْتَكِبُهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَيَعِظُ الْكَافِرَ بِعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ ، وَإِظْهَارِ مَحَاسِنِهِ ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ بِرِفْقٍ ، وَالْفَاسِقَ بِمَا يَلِيقُ بِهِ بِرِفْقٍ ، فَإِنْ أَفَادَ ، وَإِلَّا هَجَرَهُ قَاصِدًا تَأْدِيبَهُ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالسَّبَبِ ، وَهُنَا تَنْبِيهٌ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِإِكْرَامِ الْجَارِ مَعَ الْحَائِلِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْعَى حَقَّ الْحَافِظَيْنِ اللَّذَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا جِدَارٌ ، وَلَا حَائِلٌ ، فَلَا يُؤْذِيهِمَا بِأَنْوَاعِ الْمُخَالَفَاتِ فِي مُرُورِ السَّاعَاتِ ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُمَا يُسَرَّانِ بِالْحَسَنَاتِ وَيَحْزَنَانِ بِالسَّيِّئَاتِ ، فَيَنْبَغِي إِكْرَامُهُمَا وَرِعَايَةُ جَانِبِهِمَا بِالْإِكْثَارِ مِنْ عَمَلِ الطَّاعَاتِ ، وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَجَنُّبِ الْمَعَاصِي ، فَهُمَا أَوْلَى بِالْإِكْرَامِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْجِيرَانِ اهـ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : حَدُّ الْجِوَارِ فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ مَرْفُوعًا ، إِلَى أَرْبَعِينَ دَارًا ، وَلَمْ يَثْبُتْ ، وَعَنَوْا بِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، وَهَذَا دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا ، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ عِنْدَ النَّظَرِ أَنَّ الْجَارَ لَهُ مَرَاتِبٌ : الْأَوَّلُ الْمُلَاصَقَةُ ، وَالثَّانِي الْمُخَالَطَةُ بِأَنْ يَجْمَعَهُمَا مَسْجِدٌ ، أَوْ مَجْلِسٌ ، أَوْ بُيُوتٌ ، وَيَتَأَكَّدُ الْحَقُّ مَعَ الْمُسْلِمِ ، وَيَبْقَى أَصْلُهُ مَعَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْعَاصِي بِالتَّسَتُّرِ عَلَيْهِ اهـ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي ؟ قَالَ : إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا ، قَالَ الزَّوَاوِيُّ : هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا كَانَ الْمَشْيُ قَلِيلًا فَالْأَقْرَبُ بَابًا أَوْلَى بِهِ ، فَأَمَّا مَعَ السَّعَةِ وَكَثْرَةِ مَا يُهْدَى فَلْيُهْدِ إِلَى غَيْرِ وَاحِدٍ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ . ( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) إِيمَانًا كَامِلًا ، ( فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ) بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَالْإِتْحَافِ وَالزِّيَادَةِ ( جَائِزَتُهُ ) - بِجِيمٍ ، وَزَايٍ مَنْقُوطَةٍ - أَيْ مِنْحَتُهُ ، وَعَطِيَّتُهُ وَإِتْحَافُهُ بِأَفْضَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، رُوِيَ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ( يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ) وَبِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ثَانِي لِيُكْرِمْ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى يُعْطِي ، أَوْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ ، أَيْ بِجَائِزَتِهِ ، وَهِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَبَدَلُ اشْتِمَالٍ ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ : فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ ، قَالُوا : وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، ( وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ) بِالْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، أَوْ ثَلَاثَةٌ بَعْدَهُ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ ، لَكِنْ فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ : الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ ، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : مَعْنَى جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَنْ يُتْحِفَهُ ، وَيُكْرِمَهُ بِأَفْضَلِ مَا يَسْتَطِيعُهُ ، وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةٌ كَأَنَّهُ يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ كَمَا يَتَكَلَّفُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضِّيَافَةَ لِمَنْ أَرَادَ الْجَوَازَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَلِمَنْ أَرَادَ الْمَقَامَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ يَتَكَلَّفُ لَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، فَيُتْحِفُهُ وَيَزِيدُ فِي الْبِرِّ عَلَى مَا يُحْضِرُهُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ ، وَفِي الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ يُقَدِّمُ لَهُ مَا حَضَرَ ، فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثُ فَقَدْ مَضَى حَقُّهُ . ( فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ) مِمَّا يُحْضِرُهُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، ( فَهُوَ صَدَقَةٌ ) عَلَيْهِ ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِصَدَقَةٍ تَنْفِيرٌ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا سِيَّمَا الْأَغْنِيَاءُ يَأْنَفُونَ غَالِبًا مِنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أَصْهَارِهِ ، فَيَأْتِيهِ طَعَامُهُ مِنْ عِنْدِ دَارِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ ، فَيَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : احْبِسُوا عَنَّا صَدَقَتَكُمْ ، وَيَقُولُ لِنَافِعٍ : أَنْفِقْ مِنْ عِنْدِكَ الْآنَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو عُمَرَ فِي التَّمْهِيدِ . ( وَلَا يَحِلُّ لَهُ ) لِلضَّيْفِ ( أَنْ يَثْوِيَ ) - بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَكَسْرِ الْوَاوِ ، أَيْ يُقِيمَ ( عِنْدَهُ ) عِنْدَ مَنْ أَضَافَهُ ( حَتَّى يُحْرِجَهُ ) - بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَسْرِ الرَّاءِ ، وَجِيمٍ - مِنَ الْحَرَجِ ، وَهُوَ الضِّيقُ قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَيْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ حَتَّى يُؤَثِّمَهُ ، وَهُوَ أَنْ يَضُرَّ بِهِ مَقَامَهُ ، فَيَقُولَ أَوْ يَفْعَلَ مَا يُؤَثِّمُهُ ، انْتَهَى . وَلِمُسْلِمٍ : حَتَّى يُؤَثِّمَهُ ، أَيْ يُوقِعَهُ فِي الْإِثْمِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْتَابُهُ لِطُولِ إِقَامَتِهِ ، أَوْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُؤْذِيهِ ، أَوْ يَظُنُّ بِهِ ظَنًّا سَيِّئًا ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ الْحَرَجُ جَازَتِ الْإِقَامَةُ بَعْدَ بأَنْ يَخْتَارَ الْمُضِيفُ إِقَامَةَ الضَّيْفِ ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الضَّيْفِ أَنَّ الْمُضِيفَ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ ، ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ لِلِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ الضِّيَافَةَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الدِّينِ ، وَخُلُقِ النَّبِيِّينَ لَا وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ : جَائِزَةُ ، وَالْجَائِزَةُ تَفَضُّلٌ وَإِحْسَانٌ لَا تَجِبُ اتِّفَاقًا ، هَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ بَطَّالٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ : تَجِبُ الضِّيَافَةُ لَيْلَةً وَاحِدَةً لِلْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ : لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَحَدِيثُ الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا : إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حَتَّى كَانَتِ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةً ، أَوْ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِقِلَّةِ الْأَزْوَادِ ، ثُمَّ نُسِخَ ، وَبِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُضْطَرِّينَ ، فَإِنَّ ضِيَافَتَهُمْ وَاجِبَةٌ مِنْ حَيْثُ الِاضْطِرَارِ ، أَوْ مَخْصُوصٌ بِالْعُمَّالِ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ الْإِمَامُ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ ، أَوِ الْكَلَامُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ الْمَارَّةِ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ : أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا أَهْلُ الْحَضَرِ وَالْبَادِيَةِ . وَعِنْدَ مَالِكٍ ، وَسَحْنُونٍ : إِنَّمَا هِيَ عَلَى أَهْلِ الْبَوَادِي ، لَا عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ لِوُجُودِ الْفَنَادِقِ وَغَيْرِهَا لِلنُّزُولِ فِيهَا ، وَوُجُودِ الطَّعَامِ لِلْبَيْعِ فِيهَا . قَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ إِلَّا بِالْقِيَامِ بِكِفَايَتِهِ ، فَلَوْ أَطْعَمَهُ بَعْضَ كِفَايَتِهِ لَمْ يُكْرِمْهُ لِانْتِفَاءِ جُزْءِ الْإِكْرَامِ ، وَإِذَا انْتَفَى جُزْؤُهُ انْتَفَى كُلُّهُ . وَفِي كِتَابِ الْمُنْتَخَبِ مِنَ الْفِرْدَوْسِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مَعَ الضَّيْفِ ، فَلْيُلْقِمْهُ بِيَدِهِ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كُتِبَ لَهُ بِهِ عَمَلُ سَنَةٍ صِيَامُ نَهَارِهَا ، وَقِيَامُ لَيْلِهَا ، وَمِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ : مِنْ إِكْرَامِ الضَّيْفِ أَنْ يَضَعَ لَهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ حِينَ يَدْخُلُ الْمَنْزِلَ ، وَمِنْ إِكْرَامِهِ أَنْ يُرْكِبَهُ إِذَا انْقَلَبَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِنْ كَانَ بَعِيدًا ، وَأَنْ يَجْلِسَ تَحْتَهُ . وَرَوَى ابْنُ شَاهِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِرَفْعِهِ : مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ لُقْمَةَ حَلْوَةٍ ، لَمْ يَذُقْ مَرَارَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، هَذَا وَمَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ فِيمَنْ وَجَدَ فَاضِلًا عَنْ مَنْ يُمَوِّنُهُ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ . وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ، وَعَلَى زَوْجَتِهِ بِإِيثَارِهِمَا الضَّيْفَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَصِبْيَانِهِمَا حَيْثُ نَوَّمَتْهُمْ أُمُّهُمْ حَتَّى أَكَلَ الضَّيْفُ ، فَأُجِيبَ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ تَقْدِيمِ الضَّيْفِ عَلَى حَاجَةِ الصِّبْيَانِ بِأَنَّهُمْ لَمْ تَشْتَدَّ حَاجَتُهُمْ لِلْأَكْلِ ، وَإِنَّمَا خَافَ أَبَوَاهُمَا أَنَّ الطَّعَامَ لَوْ قُدِّمَ لِلضَّيْفِ وَهُمْ مُنْتَبِهُونَ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَى الْأَكْلِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا جِيَاعًا . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ تَجْمَعُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ الْفِعْلِيَّةَ وَالْقَوْلِيَّةَ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَامِلَ الْإِيمَانِ مُتَّصِفٌ بِالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ قَوْلًا بِالْخَيْرِ ، أَوْ سُكُوتًا عَنِ الشَّرِّ ، أَوْ فِعْلًا لِمَا يَنْفَعُ ، أَوْ تَرْكًا لِمَا يَضُرُّ ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُهُ مِنْ تَوَقُّفِ الْإِيمَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ ، بَلِ الْمُرَادُ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ كَمَا عُلِمَ ، أَوْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِجْلَابِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَمَا تَقُولُ لِوَلَدِكَ : إِنْ كُنْتَ ابْنِي فَأَطْعِمْنِي تَحْرِيضًا ، وَتَهْيِيجًا عَلَى الطَّاعَةِ لا أَنَّهُ بِانْتِفَاءِ الطَّاعَةِ تَنْتَفِي وَلَدِيَّتُهُ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَإِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدٍ نَحْوَهُ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ نَحْوَهُ .