1765 حَدِيثٌ خَامِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجٍّ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَتَنَاوَلَ قَصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ ، وَيَقُولُ : إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ صُعُودُ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِلْخُطْبَةِ ، وَتَنَاوُلُهُ فِي الْخُطْبَةِ الشَّيْءَ يَرَاهُ ، إِذَا كَانَ فِي تَنَاوُلِهِ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ لِيُعَلِّمَهُ مَنْ جَهِلَهُ ، وَفِيهِ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخُطْبَةِ ، وَتَعْلِيمُ مَا جَهِلُوهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ فِي الْخُطْبَةِ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْخُطْبَةِ ، وَغَيْرِهَا ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الِاعْتِبَارِ وَالتَّنْظِيرِ وَالْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ ، أَلَا تَرَاهُ خَافَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْهَلَاكَ إِنْ ظَهَرَ فِيهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ الْعَمَلِ الَّذِي كَانَ ظَاهِرًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ أُهْلِكُوا ، فَفِي هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَهْلَكَ قَوْمَا بِعَمَلٍ ؛ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ اجْتِنَابُ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، دَلِيلُ ذَلِكَ : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمُ اسْتَحَقَّ أَنْ يَنَالَهُ مَا نَالَهُمْ أَوْ يَعْفُوَ اللَّهُ كَذَلِكَ . قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ ، أَنَّهُ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَفْشُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَلَمْ يَشْتَهِرْ فِي نِسَائِهِمْ إِلَّا فِي حِينِ ارْتِكَابِهِمُ الْكَبَائِرَ ، وَإِعْلَانِهِمُ الْمَنَاكِرَ ، فَكَأَنَّهَا عَلَامَةٌ لَا تَكَادُ تَظْهَرُ إِلَّا فِي أَهْلِ الْفُسُوقِ وَالْمَعَاصِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . لَا أَنَّهَا فِعْلَةٌ يَسْتَحِقُّ مَنْ فَعَلَهَا الْهَلَاكَ عَلَيْهَا دُونَ أَنْ يُجَامِعَهَا غَيْرُهَا ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَنُو إِسْرَائِيلَ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِمْ نَهْيًا مُحَرِّمًا ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا ، فاستحقوا العقوبة ، وَالَّذِي مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ جَاءَ عَنْ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ مِنْ كَرَاهِيَةِ اتِّخَاذِ النِّسَاءِ الشُّعُورَ الْمُسْتَعَارَةَ ، وَوَصْلِهِنَّ بِذَلِكَ شُعُورَهُنَّ ، وَفِيهِ وُرُودُ الْحَدِيثِ بَلَعْنِ الْوَاصِلَةِ وَالْمُسْتَوْصِلَةِ ، وَالْوَاصِلَةُ هِيَ الْفَاعِلَةُ لِذَلِكَ ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ الطَّالِبَةُ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِهَا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ يُحَدِّثُ عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : تَزَوَّجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَمَرِضَتْ ، وَتَمَرَّطَ شَعْرُهَا فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوا فِيهِ ؛ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ . قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا : أُمُّ يَعْقُوبَ ، فَقَالَتْ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ ، فَقَالَ : وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، قَالَتْ : إِنِّي لَأَقْرَأُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا أَجِدُهُ ، قَالَ : إِنْ كُنْتِ قَرَأْتِهِ لَقَدْ وَجَدْتِهِ ، أَمَا قَرَأْتِ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قَالَتْ : بَلَى ، قَالَ : فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَتْ : إِنِّي لِأَظُنُّ أَهْلَكَ يَفْعَلُونَ بَعْضَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَاذْهَبِي فَانْظُرِي ، قَالَ : فَدَخَلَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا ، قَالَ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمْ تُجَامِعْنَا ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ ، فَقَالَ : إِنْ أُمِّي كَانَتْ تَمْشُطُ النِّسَاءَ أَتُرَى لِي أَنْ آكُلَ مِنْ مَالِهَا وَأَرِثَهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : إِنْ كَانَتْ لَا تَصِلُ فَلَا بَأْسَ ، هَذَا مِنْ وَرَعِ ابْنِ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَعْرَ بَنِي آدَمَ طَاهِرٌ ، أَلَا تَرَى إِلَى تَنَاوُلِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ فِي الْخُطْبَةِ قَصَّةَ الشَّعْرِ ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إِنَّ شَعْرَ بَنِي آدَمَ نَجِسٌ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَشْبَاهِهِ ، وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الصُّوفِ مِنَ الْحَيِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ ، وَأَمَّا الصُّوفُ مِنَ الْمَيْتَةِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْخُطْبَةِ بِالْمَوَاعِظِ وَالسُّنَنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَمُبَاحٌ ، لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ الْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ لِلْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ نَحْوَ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَرَدِّ السَّلَامِ ، وَلِلْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ مِنْ كتابنا غير هَذَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مَنْ زَعَمَ أَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ يُرِيدُ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ عَنْ تَغْيِيرِ مِثْلِ هَذَا وَالْحِفْظِ لَهُ وَالْعَمَلِ بِهِ وَنَشْرِهِ ، يُرِيدُ أَنَّ الْمَدِينَةَ قَدْ يَظْهَرُ فِيهَا ، وَيَعْمَلُ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ أَهْلِهَا بِمَا لَيْسَ سُنَّةً ، وَإِنَّمَا هُوَ بِدْعَةٌ ، وَاحْتَجَّ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ النَّاسَ عَلَيْهِ إِلَّا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ، وَقَدْ حَكَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَصْنَعُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَمَكَّةَ مِنْ إِخْرَاجِ إِمَائِهِمْ عُرَاةً مُتَّزِرَاتٍ ، وَأَبْدَانُهُنَّ ظَاهِرَةٌ ، وَصُدُورُهُنَّ ، وَعَمَّا يَصْنَعُ تُجَّارُهُمْ مِنْ عَرْضِ جَوَارِيهِمْ لِلْبَيْعِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً ، وَنَهَى عَنْهُ ، وَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ ، وَلَا أَمْرِ مَنْ يُفْتِي مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ مَنْ لَا وَرَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ ، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يَقُولُ : لَمَّا اتَّخَذَ عُرْوَةُ قَصْرَهُ بِالْعَقِيقِ عُوتِبَ فِي ذَلِكَ ، وَقِيلَ لَهُ : جَفَوْتَ عَنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ مَسَاجِدَكُمْ لَاهِيَةً وَأَسْوَاقَكُمْ لَاغِيَةً وَالْفَاحِشَةَ فِي فِجَاجِكُمْ عَالِيَةً ، فَكَانَ فِيمَا هُنَالِكَ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ عَافِيَةٌ ، ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ بَقِيَ إِنَّمَا بَقِيَ شَامِتٌ بِنَكْبَةٍ أَوْ حَاسِدٌ عَلَى نِعْمَةٍ ، قَالُوا : فَهَذَا عُرْوَةُ يُخْبِرُ عَنِ الْمَدِينَةِ بِمَا ذَكَرْنَا ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِ أَهْلِهَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا يَحْتَجُّ فِي مُوَطَّئِهِ وَغَيْرِهِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ عَمَلَ الْعُلَمَاءِ وَالْخِيَارِ وَالْفُضَلَاءِ لَا عَمَلَ الْعَامَّةِ السَّوْدَاءِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ ، وَمِثْلَهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا كِتَابِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادِهِ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . لَيْسَ عِنْدَ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسُ سُمِعَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجٍّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ · ص 216 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث معاوية إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ · ص 66 1765 1769 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ; أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، عَامَ حَجَّ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ ، وَيَقُولُ : إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ . 40236 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْوُجُوهِ الَّتِي يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُهَا مِنْ أَلْفَاظِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 40237 - وَأَمَّا الظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَاهُ ، فَهُوَ النَّهْيُ ، عَنْ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا بِشَعْرِ غَيْرِهَا . 40238 - وَفِي هَذَا الْمَعْنَى جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ، وَالْوَاصِلَةُ هِيَ الْفَاعِلَةُ ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ الطَّالِبَةُ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِهَا . 40239 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْبَغَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ ، يُحَدِّثُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : تَزَوَّجَتْ صَبِيَّةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَمَرِضَتْ وَتَمَرَّطَ شَعْرُهَا ، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوا فِيهِ ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ . 40240 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : إِنَّ أُمِّي كَانَتْ تُمَشِّطُ النِّسَاءَ ، أَتُرَى لِي أَنْ آكُلَ مِنْ مَالِهَا ؟ وَأَرِثَهُ عَنْهَا ؟ فَقَالَ : إِنْ كَانَتْ لَا تَصِلُ فَلَا بَأْسَ . 40241 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَإِذَا كَانَ هَذَا لِضَرُورَةٍ ، فَلَا يَحِلُّ ، فَكَيْفَ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ . 40242 - وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ قَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَهَا فِي التَّمْهِيدِ . 40243 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ . 40244 - وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَا يَرَى عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةً ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَمْ يُغَيِّرُوا ذَلِكَ الْمُنْكَرَ ، أَوْ جَهِلُوهُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَابُ السُّنَّةِ فِي الشَّعْرِ · ص 530 1717 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ ، كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ : إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ . 1765 1717 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ حُمَيْدِ ) - بِضَمِّ الْحَاءِ - ( ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ الثَّبْتِ الْحُجَّةِ : ( أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ) صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ الْأُمَوِيَّ ( عَامَ حَجَّ ) سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ ، فَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا فَخَطَبَنَا ( وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ) النَّبَوِيِّ بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : أَوَّلُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بَعْدَ الْخِلَافَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ ، وَآخِرُ حَجَّةٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ ، ( وَتَنَاوَلَ ) : أَخَذَ مُعَاوِيَةُ ( قُصَّةً ) - بِضَمِّ الْقَافِ ، وَشَدِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - خُصْلَةً ( مِنْ شَعَرٍ ) تَزِيدُهَا الْمَرْأَةُ فِي شَعَرِهَا لِتُوهِمَ كَثْرَتَهُ ، ( كَانَتِ ) الْقُصَّةُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : كَانَ ، أَيْ ذَلِكَ الشَّعَرُ ( فِي يَدَيْ حَرَسِيٍّ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ ، وَالرَّاءِ ، وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَاتِ وَتَحْتِيَّةٍ ، مِنْ خَدَمِهِ الَّذِينَ يَحْرُسُونَهُ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ : وَجَدْتُ هَذِهِ عِنْدَ أَهْلِي ، وَزَعَمُوا أَنَّ النِّسَاءَ يَزِدْنَهُ فِي شُعُورِهِنَّ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ : مَا كُنْتُ أَرَى يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ الْيَهُودِ ، ( يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ) أَيْ لِيُسَاعِدُوهُ عَلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ ، أَوْ لِيُنْكِرَ هُوَ عَلَيْهِمْ إِهْمَالَهُمْ إِنْكَارَ ذَلِكَ ، وَعَدَمَ تَغْيِيرِهِمْ لِذَلِكَ الْمُنْكَرِ . ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ ) الْقُصَّةِ الَّتِي تَصِلُهُ الْمَرْأَةُ بِشَعَرِهَا ، ( وَيَقُولُ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّمَا هَلَكَتْ ) وَلِمُسْلِمٍ : إِنَّمَا عُذِّبَ ( بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ ) أَيْ مِثْلَ هَذِهِ الْقُصَّةِ ، وَوَصَلَهَا بِالشَّعَرِ ( نِسَاؤُهُمْ ) . وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّاهُ الزُّورَ ، يَعْنِي الْوَصْلَةَ فِي الشَّعَرِ ، أَيْ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَتَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ ، وَالزُّورُ : الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ : إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ زِيَّ سُوءٍ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نَهَى عَنِ الزُّورِ . قَالَ : وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ ، قَالَ مُعَاوِيَةُ : أَلَا وَهَذَا الزُّورُ . قَالَ قَتَادَةُ : يَعْنِي مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ شُعُورَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيهِ الِاعْتِبَارُ وَالْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ لِخَوْفِهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْهَلَاكَ كَبَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَهُ اسْتَحَقَّهُ ، أَوْ يَعْفُو اللَّهُ ، وَوُجُوبُ اجْتِنَابِ عَمَلٍ هَلَكَ بِهِ قَوْمٌ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقُصَّةَ لَمْ تُفْشَ فِيهِمْ حَتَّى أَعْلَنُوا بِالْكَبَائِرِ ، فَكَأَنَّ الْقُصَّةَ عَلَامَةٌ لَا تَكَادُ تَظْهَرُ إِلَّا فِي أَهْلِ الْفِسْقِ ، لَا أَنَّهَا فَعْلَةٌ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهَا الْهَلَاكَ بِهَا دُونَ أَنْ يُجَامِعَهَا غَيْرُهَا . وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ نُهُوا تَحْرِيمًا عَنْ ذَلِكَ ، فَاتَّخَذُوهُ اسْتِخْفَافًا ، فَهَلَكُوا . وَالَّذِي مُنِعُوا مِنْهُ جَاءَ عَنْ نَبِيِّنَا مِثْلُهُ ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا : لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ ، وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ، وَالْوَاشِمَةَ ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ، انْتَهَى ، مُلَخَّصًا . وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَبَرٌ ، فَيَكُونُ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ دُعَاءٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَابْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيُونُسُ ، وَمَعْمَرٌ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَائِلًا : غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ : إِنَّمَا عُذِّبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ .