بَابُ الْمُزَارَعَةِ
وَمِنْ بَابِ الْمُزَارَعَةِ (ح267) أَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ الصَّيْدَلَانِيُّ ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكِّي ، أَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حجرٍ ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تُكْرَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا عَلَى الْأَرْبِعَاءِ وَشَيْءٌ مِنَ التِّبْنِ لَا أَدْرِي كَمْ هُوَ . (ح268) وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْلَمِيُّ الْكَاتِبُ ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، أَنَا أَبُو حَاتِمٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، أَنَا مُسْلِمٌ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ثَنَا [عَبْدُ اللَّهِ] بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَبِي زَيْدٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي أَرْضَهُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ ، ثُمَّ تَرَكَهُ ابْنُ عُمَرَ فَقُلْنَا لِطَاوُسٍ : مَا بَالُ ابْنِ عُمَرَ تَرَكَ الثُّلُثَ وَالرُّبْعَ ، وَأَنْتَ لَا تَدَعُهُ ، وَإِنَّمَا سَمِعْتُمَا حَدِيثًا وَاحِدًا - يَعْنِي حَدِيثَ رَافِعٍ - ؟ فَقَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ، مَا فَعَلْتُهُ ؛ وَلَكِنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَمْنَحَهَا أَخَاهُ خَيْرٌ . هَذَا حَدِيثٌ لَهُ طُرُقٌ وَفِيهِ اخْتِلَاطُ أَلْفَاظٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ : فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عَلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِمَّا يُخْرَجُ مِنْهَا كَالنِّصْفِ وَالثُّلْثِ وَالرُّبْعِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، وَمِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ : أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالُوا : وَيُؤَكِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَأَنْ يَمْنَحَهَا أَخَاهُ خَيْرٌ .
لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اللُّزُومِ ، وَإِنَّمَا اللَّفْظُ صَدَرَ مَصْدَرَ التَّخْيِيرِ . وَفِيهِمْ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا : (ح269) رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى الشَّطْرِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ . وخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ ، وَقَالُوا : الْعَقْدُ فَاسِدٌ ، وَرُوِيَ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَأُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَنَافِعٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمِنَ الْكُوفِيِّينَ : أَبُو حَنِيفَةَ .
وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ : (ح270) أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، أََنَا أَبُو عَلِيٍّ ، أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، أََنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي ، أَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ ثَنَا مُسْلِمٌ ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي ، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمُزَارِع ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ : يَا ابْنَ خَدِيجٍ ، مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ ؟ فَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ لِعَبْدِ اللَّهِ : سَمِعْتُ عَمِّي - وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا - يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى . ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الْأَرْضِ .
(ح271) وَقَالَ مُسْلِمٌ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، حَتَّى بَلَغَهُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يُحَدِّثُ فِيهَا بِنَهْي عن النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ . فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ بَعْدُ ، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْهَا بَعْدُ قَالَ : زَعَمَ ابْنُ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا . (ث042) قُرِئَ عَلَى أَبِي الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْجَوْهَرِيِّ ، أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِهِ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ ، ثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ حَمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطَّابِيُّ قَالَ : خَبَرُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ مُجْمَلٌ تُفَسِّرُهُ الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى ، وَقَدْ عَقَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَعْنَى مِنَ الْخَبَرِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ تَحْرِيمَ الْمُزَارِعَةِ بِشَطْرِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ: أَنْ يَتَمَانَحُوا أَرَاضِيهِمْ ، وَأَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
وَقَدْ ذَكَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ - فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ - النَّوْعَ الَّذِي حُرِّمَ مِنْهَا ، وَالْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا نَهَى عَنْهَا . قُلْتُ : أَرَادَ الْخَطَّابِيُّ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: (ح272) مَا أَخْبَرَنَا به أَبُو الْفَضَائِلِ بْنُ أَبِي الْمظهرِ ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ ، ثَنَا مُسْلِمٌ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، أَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا نبت عَلَى الْأَرْبِعَاءِ ، شَيْئًا يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ مِنَ التِّبْنِ ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : فَكَيْفَ هِيَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ؟ فَقَالَ رَافِعٌ : لَا بَأْسَ بِهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَقَدْ أَعْلَمَكَ رَافِعٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْمَجْهُولُ مِنْهُ دُونَ الْمَعْلُومِ ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنْ يَشْتَرِطُوا فِيهَا شُرُوطًا فَاسِدَةً ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ .
قُلْتُ : إِنَّمَا صَدَرَ هَذَا الْكَلَامُ مِنَ الْخَطَّابِيِّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي خَبَرِ رَافِعٍ إِنَّمَا هُوَ الْقَدْرُ الْمَجْهُولُ ، وَلَوِ اسْتَقْرَأَ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ لَبَانَ لَهُ أَنَّ النَّهْيَ تَنَاوَلَ الْمَجْهُولَ وَالْمَعْلُومَ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ . (ح273) أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي عِيسَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُطَرِّزِ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، أَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ ثَنَا مُسْلِمٌ ، ثَنَا أَبُو طَاهِرٍ ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : قال رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَزْرَعْهَا أَخَاهُ ، وَلَا يُكْرِيهَا أَخَاهُ ، وَلَا يُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ ، وَلَا بالرُّبْعِ ، وَلَا بطَعَامٍ مُسَمًّى . رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ نَحْوَهُ .
(ح274) وَقَالَ مُسْلِمٌ بِالْإِسْنَادِ : ثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، أَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عن عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : كَانَ لِرِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فُضُولُ أَرْضِينَ ، وَكَانُوا يُكْرُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمَنْحَهَا أَخَاهُ ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْهَا . وَيُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ جَابِرٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ . فَإِنْ قِيلَ : (ح 275) قَدْ رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ : يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعٍ ؛ إِنَّا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ ، إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدِ اقْتَتَلَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ كَانَ هذا شَأْنُكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي صَدَرَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَشُورَةِ وَالْإِرْشَادِ دُونَ الْإِلْزَامِ وَالْإِيجَابِ . وَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا غَيْرُ قَادِحٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلَالَةِ النَّهْيِ ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِلَفْظِ النَّهْيِ وَعُمُومِهِ دُونَ السَّبَبِ . فَإِنْ قِيلَ : قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : إِنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تُكْرَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ إِحَاطَةُ عِلْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ ، وَمَا لَمْ يثبت ذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ لَكُمُ ادِّعَاءُ النَّسْخِ إِذِ الْمَنْسُوخُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا .
يُقَالُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ : أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ : كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا ، أو كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ ، وَإِنَّ ذِكْرَ الصَّحَابِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْحُجَّةِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَسَكَتَ عَنْهُ ، دُونَ مَا لَمْ يُبَلِّغْهُ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ . ثُمَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، حَيْثُ قَالَ : لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى ، ثم قَالَ : خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَا كَانَ يَذْهَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْجَوَازِ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى إِذْنِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لما توقف فِي ذَلِكَ . ذِكْرُ خَبَرٍ يُصَرِّحُ بِالْإِذْنِ وَالنَّهْيِ بَعْدَهُ (ح 276) أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْقَاسِمِ الصَّيْدَلَانِيُّ أَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُزَكِّيُّ ، أَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ ، ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، ثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد ، وَإِسْحَاقُ ، قَالَ قُتَيْبَةُ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ - هُوَ ابْنُ رَفِيعٍ - عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَعَجَزَ عَنْهَا أَنْ يَزْرَعَهَا ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ : هَلْ لَكَ أَنْ أَزْرَعَ أَرْضَكَ ؛ فَمَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا ، قَالَ : فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقُلْتُ لَهُمَا ، فَقَالَا : ارْجِعْ إِلَيْهِ .
قال : فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ فَسَأَلْتُهُ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَقَالَا : انْطَلِقَا فَازْرَعْهَا ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا نَهَاكَ عَنْهُ . قَالَ : فَزَرَعَهَا الرَّجُلُ حَتَّى اهْتَزَّ زَرْعُهُ وَاخْضَرَّ ، وَكَانَتِ الْأَرْضُ عَلَى طَرِيقٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرَّ بِهَا يَوْمًا فَأَبْصَرَ الزَّرْعَ ، فَقَالَ : لِمَنْ هَذِهِ الْأَرْضُ ؟ فَقَالُوا : لِفُلَانٍ ، زَارَعَ بِهَا فُلَانًا . فَقَالَ : ادْعُوهُمَا إِلَيَّ جَمِيعًا ، قَالَ : فَأَتَيَاهُ فَقَالَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ : مَا أَنْفَقَ هَذَا فِي أَرْضِكَ فَرُدَّهُ إِلَيْهِ ، وَلَكَ مَا أَخْرَجَتْ أَرْضُكَ .