الْآثَارُ : أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمَّا قَنَتَ فِي الصُّبْحِ أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنَّمَا اسْتَنْصَرْنَا عَلَى عَدُوِّنَا ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْنُتُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَأَخْرَجَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي قُنُوتِ الْفَجْرِ : مَا شَهِدْت ، وَلَا عَلِمْت . انْتَهَى . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْآثَارِ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ صَحِبَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَنَتَيْنَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، فَلَمْ يَرَهُ قَانِتًا فِي الْفَجْرِ ، حَتَّى فَارَقَهُ ، قَالَ إبْرَاهِيمُ : وَأَهْلُ الْكُوفَةِ إنَّمَا أَخَذُوا الْقُنُوتَ عَنْ عَلِيٍّ ، قَنَتَ يَدْعُو عَلَى مُعَاوِيَةَ حِينَ حَارَبَهُ ، وَأَهْلُ الشَّامِ أَخَذُوا الْقُنُوتَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، قَنَتَ يَدْعُو عَلَى عَلِيٍّ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ بِدْعَةٌ ، وَضَعَّفَهُ . وَمِنْ أَحَادِيثِ الْخُصُومِ : مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا انْتَهَى . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ ، وَلَفْظُهُ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ؟ قَالَ : فَزَجَرَهُ أَنَسٌ ، وَقَالَ : مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا . قَالَ إِسْحَاقُ : وَقَوْلُهُ : ثُمَّ تَرَكَهُ يَعْنِي تَرَكَ تَسْمِيَةَ الْقَوْمِ فِي الدُّعَاءِ انْتَهَى . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لَهُ ، وَفِي الْخُلَاصَةِ لِلنَّوَوِيِّ ، صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي كِتَابِ الْمُسْتَدْرَكِ ، فَلْيُرَاجَعْ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَات . وَعَنْ الْحَاكِمِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ ، وَسَكَتَ عَنْهُ : قَالَ : وَلَهُ شَوَاهِدُ عَنْ أَنَسٍ ذَكَرْنَاهَا فِي السُّنَنِ . وَقَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ عَلَى التَّحْقِيقِ : هَذَا الْحَدِيثُ أَجْوَدُ أَحَادِيثِهِمْ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ وَثَّقُوا أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي كِتَابِ الْقُنُوتِ لِأَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ ، قَالَ : وَإِنْ صَحَّ ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَا زَالَ يَقْنُتُ فِي النَّوَازِلِ ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَا زَالَ يُطَوِّلُ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ الْقُنُوتَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الطَّاعَةِ ، وَالْقِيَامِ ، وَالْخُشُوعِ ، وَالسُّكُوتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ وَقَالَ : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ وَقَالَ : وَمَنْ يَقْنُتُ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَقَالَ : يَا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّك وَقَالَ : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وَقَالَ : كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ وَفِي الْحَدِيثِ : أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ التَّحْقِيقِ ، وَفِي الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ ، فَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ ، وَاسْمُهُ عِيسَى بْنُ مَاهَانَ ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : كَانَ يَخْلِط . وَقَالَ يَحْيَى : كَانَ يُخْطِئُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : كَانَ يَهِمُ كَثِيرًا ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ يَنْفَرِدُ بِالْمَنَاكِيرِ عَنْ الْمَشَاهِيرِ . انْتَهَى . وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ . وَسَكَتَ عَنْهُ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ ، ثُمَّ تَرَكَهُ . انْتَهَى . قُلْت : وَيُعَارَضُ أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، ثَنَا غَالِبُ بْنُ فَرْقَدٍ الطَّحَّانِ ، قَالَ : كُنْت عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ شَهْرَيْنِ ، فَلَمْ يَقْنُتْ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ انْتَهَى . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ ، قَالَ : لَمْ يُرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَانِتًا فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا . انْتَهَى . قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قُنُوتِ الْفَجْرِ ، فَذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، إلَى يَوْمِنَا ، فَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ، مِثْلِ : عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَسهلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَعَائِشَةَ ، وَمِنْ الْمُخَضْرَمِينَ : أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ، وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ ، وَمِنْ التَّابِعِينَ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَقَتَادَةُ ، وَطَاوُسٌ ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خيثمِ ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَزِيَادُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَحُمَيْدَ الطَّوِيلُ . وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، ثُمَّ قَالَ : وَخَالَفَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ فَمَنَعُوهُ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، مُحْتَجِّينَ بِأَحَادِيثَ : مِنْهَا : حَدِيثُ أَبِي حَمْزَةَ الْقَصَّابُ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : لَمْ يَقْنُتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا شَهْرًا ، لَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَقَالَ : تَابَعَهُ أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : لَمْ يَقْنُتْ فِي الْفَجْرِ قَطُّ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ الْيَمَامِيُّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : مَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا فِي الْوِتْرِ ، كَانَ إذَا حَارَبَ يَقْنُتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا ، يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ : رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى زُنْبُورٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ . وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْقُنُوتَ ، فَقَالَ : إنَّهُ لَبِدْعَةٌ ، مَا قَنَتَ غَيْرَ شَهْرٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ تَرَكَهُ ، رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ حَرْبٍ عَنْهُ ، قَالَ : وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِهِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، بِأَنَّهُ مَعْلُولٌ بِأَبِي حَمْزَةَ ، كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَا يُحَدِّثُ عَنْه . وَقَالَ أَحْمَدُ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ السَّعْدِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِثِقَةٍ ، وَأَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ، فَقَدْ قِيلَ فِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا قِيلَ فِي أَبِي حَمْزَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ ، فَقَدْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ ، وَأَبُو حَاتِمٍ . وَغَيْرُهُمْ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ ، كُلُّهَا وَاهِيَةٌ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا لِحُكْمٍ ثَابِتٍ بِطُرُقٍ صِحَاح . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ : فَمَعْلُولٌ أَيْضًا ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : قَالَ أَبِي ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : كَانَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَضَعُ الْحَدِيثَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ضَعِيفٌ جِدًّا ، ضَعَّفَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى وَأَبُو حَاتِمٍ وَالسَّاجِيُّ وَغَيْرُهُم . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْقُنُوتِ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ نَافِعًا لَمْ يَلْقَ أُمَّ سَلَمَةَ ، وَلَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْهَا ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى زُنْبُورٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ وَعَنْبَسَةُ ، كُلُّهُمْ ضُعَفَاء . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : فَمَعْلُولٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ بِشْرَ بْنَ حَرْبٍ ، وَيُقَالُ لَهُ : أَبُو عَمْرٍو النَّدْبِيُّ مَطْعُونٌ فِيهِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : رَأَيْت ابْنَ الْمَدِينِيِّ يُضَعِّفُهُ . وَكَانَ يَحْيَى الْقَطَّانُ لَا يَرْوِي عَنْه . وَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : مَتْرُوكٌ ، لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ السَّعْدِيُّ : لَا يُحْمَد حَدِيثُهُ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ضَعِيفٌ ، قَالُوا : وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ هَاهُنَا الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ طُرُقٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَنْكَرَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، أَوْ يَكُونُ ابْنُ عُمَرَ نَسِيَ ، بِدَلِيلِ مَا أَخْبَرَنَا ، وَأَسْنَدَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ذَكَرَ لَهُ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْقُنُوتِ ، فَقَالَ : أَمَا إنَّهُ قَدْ قَنَتَ مَعَ أَبِيهِ ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ ، قَالَ : وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : كَبَرْنَا وَنَسِينَا ، ائْتُوا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَاسْأَلُوهُ ، قَالُوا : وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ ، فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ . وَيَبْقَى مَا عَدَاهُ مِنْ الثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ ، وَهَذَا أَوْلَى ; لِأَنَّ فِيهِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ . قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْقُنُوتِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، الْقُنُوتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، لَا الَّذِي بَعْدَ الرُّكُوعِ ، مَا أَخْبَرَنَا وَأَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ ، أخبرنا إِسْحَاقُ الدِّيرِيُّ ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ ، وَكَانَ قُنُوتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَبَعْدَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ . انْتَهَى . وَقَالَ : إسْنَادُهُ مُتَّصِلٌ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، قَالَ فِيهِ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : ثِقَةٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ ثِقَة . وَقَالَ أَحْمَدُ : صَالِحُ الْحَدِيثِ ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ فِي مُسْنَدِهِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، ثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : سَأَلْته عَنْ الْقُنُوتِ ، أَقَبْلَ الرُّكُوعِ ، أَوْ بَعْدَهُ ؟ فَقَالَ : قَبْلَ الرُّكُوعِ ، قَالَ : قُلْت : فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، فَقَالَ : كَذَبُوا ، إنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أُنَاسٍ ، قَتَلُوا أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ ، يُقَالُ لَهُمْ : الْقُرَّاءُ انْتَهَى . هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ . وَفِي حَدِيثِهِمْ : إنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا أَلَا تَرَاهُ فَصَلَ بَيْنَ الْقُنُوتِ الْمتروك وَالْقُنُوتِ الْمَلْزُومِ ، ثُمَّ لَمْ يُطْلِقْ اللَّفْظَ حَتَّى أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ : بَعْدَ الرُّكُوعِ ، فَدَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ عَنْ الدُّعَاءِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : ثُمَّ تَرَكَهُ ، لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّسْخِ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهُ ، وَعَادَ إلَيْهِ ، قُلْنَا : هَذَا مَدْفُوعٌ بِمَا أَخْبَرَنَا ، وَأَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَمَا يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، يَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ فَمَا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى أَحَدٍ بَعْدُ . انْتَهَى . وَقَالَ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَيُؤَكِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ ، أَوْ لِأَحَدٍ ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، وَرُبَّمَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ ، يَجْهَرُ بِذَلِكَ حَتَّى كَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاةِ الْفَجْرِ : اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا ، وَفُلَانًا ، لِأَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ ، قَالَ : وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ مُعَاوِيَةَ ابْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الْقَاهِرِ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى مُضَرَ ، إذْ جَاءَهُ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُنْ ، فَسَكَتَ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْك سَبَّابًا وَلَا لَعَّانًا ، وَإِنَّمَا بَعَثَك رَحْمَةً لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ الْآيَةَ ، ثُمَّ عَلَّمَهُ الْقُنُوتَ : اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَغْفِرُك ، وَنُؤْمِنُ بِك ، وَنَخْضَعُ لَك ، وَنَخْلَعُ ، وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ ، وَلَك نُصَلِّي ، وَنَسْجُدُ ، وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ ، وَنَرْجُو رَحْمَتَك وَنَخَافُ عَذَابَك ، إنَّ عَذَابَك الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ . انْتَهَى . ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ تَرَكَه ، وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا انْتَهَى . قَالَ : فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَتْرُوكَ هُوَ الدُّعَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ : أَحَادِيثُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : مِنْهَا مَا هُوَ مُطْلَقٌ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ قَنَتَ . وَالثَّانِي : مُقَيَّدٌ بِأَنَّهُ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَيحْمِلُهُ عَلَى فِعْلِهِ شَهْرًا بِأَدِلَّتِنَا . الثَّالِثُ : مَا رُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ فِي الْمَغْرِبِ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث . وَالرَّابِعُ : مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي حُجَّتِهِمْ ، نَحْوَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ . قَالَ : وَقَدْ أَوْرَدَ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْقُنُوتِ أَحَادِيثَ ، أَظْهَرَ فِيهَا تَعَصُّبَهُ : فَمِنْهَا : مَا أَخْرَجَهُ عَنْ دِينَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، خَادِمِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى مَاتَ . انْتَهَى . قَالَ : وَسُكُوتُهُ عَنْ الْقَدْحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاحْتِجَاجُهُ بِهِ ، وَقَاحَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَعَصَبِيَّةٌ بَارِدَةٌ ، وَقِلَّةُ دِينٍ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ ، دِينَارٌ يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ آثَارًا مَوْضُوعَةً ، لَا يَحِلُّ ذِكْرُهَا فِي الْكُتُبِ ، إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْقَدْحِ فِيهِ ، فَوَاعَجَبَا لِلْخَطِيبِ ، أَمَا سَمِعَ فِي الصَّحِيحِ : مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ ؟ وَهَلْ مِثْلُهُ إلَّا كَمَثَلِ مَنْ أَنْفَقَ بَهْرَجًا وَدَلَّسَهُ ؟ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ الصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلنُّقَّادِ ، فَإِذَا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ مُحْدِثٌ ، وَاحْتَجَّ بِهِ حَافِظٌ لَمْ يَقَعْ فِي النُّفُوسِ إلَّا أَنَّهُ صَحِيحٌ ، وَلَكِنَّ عَصَبِيَّته ، وَمَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْقُنُوتِ ، وَ كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْجَهْرِ ، وَمَسْأَلَةِ الْغَيْمِ ، وَاحْتِجَاجِهِ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي يَعْلَمُ بُطْلَانَهَا ، اطَّلَعَ عَلَى فَرْطِ عَصَبِيَّتِهِ ، وَقِلَّةِ دِينِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أَحَادِيثَ أُخْرَى ، كُلَّهَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ حَتَّى مَاتَ وَطَعَنَ فِي أَسَانِيدِهَا .
تخريج كتب التخريج والعلل
نصب الراية لأحاديث الهدايةالآثار في هذا المعنى وبقية أحاديث الخصوم ومعارضتها بأحاديث · ص 131 التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبيرفَصْلٌ فِيمَا عَارَضَ ذَلِكَ · ص 442 371 - ( 42 ) - حَدِيثُ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَاتِلِي أَصْحَابِهِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ ، ثُمَّ تَرَكَ ، فَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا ) الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ بِهَذَا ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُخْتَصَرًا ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى ، وَأَبِي نُعَيْمٍ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي كِتَابِ الْقُنُوتِ ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَنَسٍ ، وَأَمَّا بَاقِيهِ فَلَا ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى فَقَدْ بَيَّنَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ سَبَبَ ذَلِكَ ، وَلَفْظُهُ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ؟ قَالَ فَزَجَرَهُ أَنَسٌ ، وَقَالَ : ( مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا ). وَأَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ : ثِقَةٌ وَلَكِنَّهُ يُخْطِئُ . وَقَالَ الدَّوْرِيُّ : ثِقَةٌ ، وَلَكِنَّهُ يَغْلَطُ فِيمَا يَرْوِي عَنْ مُغِيرَةَ . وَحَكَى السَّاجِيُّ أَنَّهُ قَالَ : صَدُوقٌ لَيْسَ بِمُتْقِنٍ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْ أَبِيهِ : هُوَ نَحْوُ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ يَخْلِطُ فِيمَا يَرْوِي عَنْ مُغِيرَةَ وَنَحْوِهِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ : ثِقَةٌ . قُلْتُ : مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ ضَعِيفٌ ، فَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَوْلَى ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : يَهِمُ كَثِيرًا ، وَقَالَ : عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، وَوَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَقَدْ وَجَدْنَا لِحَدِيثِهِ شَاهِدًا ، رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ عَمْرٍو عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : ( صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى فَارَقْتُهُ ) ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرِ كَذَلِكَ ، وَخَلْفَ عُمَرَ كَذَلِكَ . وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فَصَيَّرَهُ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ عَوْفٍ فَصَارَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الصِّحَّةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرٍو وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ رَأْسُ الْقَدَرِيَّةِ ، وَلَا يَقُومُ بِحَدِيثِهِ حُجَّةٌ ، وَيُعَكَّرُ عَلَى هَذَا مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، ( قُلْنَا لِأَنَسٍ : إنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ فَقَالَ : كَذَبُوا إنَّمَا قَنَتَ شَهْرًا وَاحِدًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمُشْرِكِينَ ). وَقَيْسٌ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ لَمْ يُتَّهَمْ بِكَذِبٍ . وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ ; إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ ) ، فَاخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ عَنْ أَنَسٍ وَاضْطَرَبَتْ فَلَا يَقُومُ بِمِثْلِ هَذَا حُجَّةٌ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَنْ تَكَلَّفَ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ . ( تَنْبِيهٌ ) عَزَا هَذَا الْحَدِيثَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إلَى مُسْلِمٍ فَوَهَمَ ، وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ إلَى الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ وَصَحَّحَهُ فِي جُزْءٍ لَهُ مُفْرَدٍ فِي الْقُنُوتِ وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ تَصْحِيحَهُ عَنْ الْحَاكِمِ ، فَظَنَّ الشَّيْخُ أَنَّهُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ . قَوْلُهُ : وَرَوَى الْقُنُوتَ فِي الصُّبْحِ عَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوَّامِ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عُثْمَانَ عَنْ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ . فَقَالَ : بَعْدَ الرُّكُوعِ ، قُلْتُ : عَنْ مَنْ ؟ فَقَالَ : عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ : أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ . وَمِنْ طَرِيق حَمَّادٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ عُمَرَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَمَا كَانَ يَقْنُتُ إلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ . وَرَوَى أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ ، قَالَ : قَنَتَ عَلِيٌّ فِي الْفَجْرِ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا ، وَيُعَارِضُ الْأَوَّلَ مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : ( صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ فَلَمْ يَقْنُتْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَهُوَ بِدْعَةٌ ) . إسْنَادُهُ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : وَأَمَّا مَا عَدَا الصُّبْحَ مِنْ الْفَرَائِضِ ، فَإِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ مِنْ وَبَاءٍ أَوْ قَحَطٍ فَيُقْنَتُ فِيهَا أَيْضًا فِي الِاعْتِدَال عِنْد رُكُوعِ الْأَخِيرَةِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ بِئْرِ مَعُونَةَ عَلَى مَا سَبَقَ ، وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ نَازِلَةٌ فَالْأَصَحُّ لَا يَقْنُتُ ( لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الْقُنُوتَ فِيهَا ) ، أَمَا الْقُنُوتُ فِي الصَّلَوَاتِ فَسَيَأْتِي بَعْدُ ، وَأَمَّا تَرْكُهُ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ . . . ) . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : ثُمَّ رَأَيْتُهُ تَرَكَ الدُّعَاءَ عَلَيْهِمْ . ( فَائِدَةٌ ) وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُنُوتَ يَخْتَصُّ بِالنَّوَازِلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَخَرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخَرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظٍ : ( كَانَ لَا يَقْنُتُ إلَّا أَنْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ ) . وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي أَخَرَجَهُ مِنْهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ : ( كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْد الرُّكُوعِ ). حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ ) . أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ ، قَالَ : ( قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ ، وَالْمَغْرِبِ ، وَالْعِشَاءِ ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءَ مِنْ سُلَيْمٍ وَعَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ ، وَعُصَيَّةَ ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ ) . حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ . حَدِيثُ أَنَسٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِلَفْظِ : ( قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءَ مِنْ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ ) . وَلِلْبُخَارِيِّ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ خُفَافِ ابْنِ إيمَاءٍ : وَهَذَا ظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْهُ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا مَنْ أَثَبَتَ الْقُنُوتَ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَرْكُ الدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ لَا أَصْلَ الْقُنُوتِ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِثْلَ هَذَا الْجَمْعِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ . ( فَائِدَةِ ) رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : رُوَاةُ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرَّفْعِ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ وَعَلَيْهِ دَرَجَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ . وَرَوَى الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي الْكُنَى ، عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ بَدْرِيًّا ، كُلُّهُمْ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ قُلْتُ : لِأَحْمَدَ يَقُولُ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ غَيْرُ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ؟ قَالَ : لَا يَقُولُهُ غَيْرُهُ ، وَخَالَفُوهُ كُلُّهُمْ هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ وَالتَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَأَيُّوبُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ حَنْظَلَةَ ، كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ ، وَكَذَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَخِفَافُ بْنُ إيمَاءٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، أَقَبْلَ الرُّكُوعِ أَمْ بَعْدَهُ ؟ فَقَالَ : كِلَاهُمَا قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ قَبْلُ وَبَعْدُ ، وَصَحَّحَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ .
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرالحَدِيث الثَّامِن بعد الْخمسين قنت شهرا يَدْعُو عَلَى قاتلي أَصْحَابه ببئر مَعُونَة ثمَّ ترك · ص 620 الحَدِيث الثَّامِن بعد الْخمسين أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قنت شهرا يَدْعُو عَلَى قاتلي أَصْحَابه ببئر مَعُونَة ثمَّ ترك ، فَأَما فِي الصُّبْح فَلم يزل يقنت حَتَّى فَارق الدُّنْيَا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من طرق ثَلَاثَة عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ ، عَن الرّبيع بن أنس ، عَن أنس لَفظه فِي أَحدهَا : كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ ذكره من طَرِيق عبيد الله بن مُوسَى ، عَن أبي جَعْفَر بِهِ وَلَفظه فِي ثَانِيهَا : مَا زَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقنت فِي الْفجْر حَتَّى فَارق الدُّنْيَا ذكره من طَرِيق عبد الرَّزَّاق ، عَن أبي جَعْفَر بِهِ . وَفِي ثَالِثهَا : عَن الرّبيع بن أنس : كنت جَالِسا عِنْد أنس فَقيل لَهُ : إِنَّمَا قنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شهرا . فَقَالَ : مَا زَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقنت فِي صَلَاة الْغَدَاة حَتَّى فَارق الدُّنْيَا ذكره من طَرِيق أبي نعيم ، عَن أبي جَعْفَر بِهِ . وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ كَمَا سلف . وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب من حَدِيث جَعْفَر الْأَحْمَر ، عَن أبي جَعْفَر ، عَن الرّبيع بن أنس قَالَ : كنت عِنْد أنس بن مَالك فَجَاءَهُ رجل ، فَقَالَ : مَا تَقول فِي الْقُنُوت ؟ فبدره رجل ، فَقَالَ : قنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَرْبَعِينَ يَوْمًا . فَقَالَ أنس : لَيْسَ كَمَا تَقول ؛ قنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَتَّى قَبضه الله - عَزَّ وَجَلَّ . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث سُفْيَان ، عَن أبي جَعْفَر ، عَن الرّبيع بن أنس ، عَن أنس قَالَ : مَا زَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقنت حَتَّى فَارق الدُّنْيَا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عبيد الله بن مُوسَى السالف ، ثمَّ من حَدِيث أبي نعيم السالف أَيْضا ثمَّ قَالَ أَبُو عبد الله - يَعْنِي الْحَاكِم - : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح سَنَده ، ثِقَة رُوَاته . وَالربيع بن أنس تَابِعِيّ مَعْرُوف من أهل الْبَصْرَة سمع أنسا ورَوَى عَنهُ ابْن الْمُبَارك وَغَيره ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن الرّبيع بن أنس ، فَقَالَ : صَدُوق ثِقَة . زَاد غَيره عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ : ذاكرت بِهِ بعض الْحفاظ ، فَقَالَ : غير الرّبيع بن أنس فَمَا زلت أتأمل التواريخ وأقاويل الْأَئِمَّة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَلم أجد أحدا طعن فِيهِ . وَقَالَ الْعجلِيّ : بَصرِي صَدُوق . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . قلت : وَأما أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ عِيسَى بن ماهان فقد اخْتلف فِيهِ ، فَقَالَ الإِمَام أَحْمد : صَالح الحَدِيث . كَذَا رَوَاهُ حَنْبَل عَنهُ ، وَأخرج الحَدِيث وَصَححهُ من جِهَته ، وَقَالَ عبد الله ابْنه عَنهُ : لَيْسَ بِقَوي . وَقَالَ الْحَازِمِي فِي ناسخه ومنسوخه : وَالرِّوَايَة الأولَى عَن الإِمَام أَحْمد أولَى ويؤكدها إِخْرَاجه حَدِيثه فِي مُسْنده وَعَن يَحْيَى فِيهِ رِوَايَات : أَحدهَا : ثِقَة ، قَالَه إِسْحَاق بن مَنْصُور عَنهُ . ثَانِيهَا : يكْتب حَدِيثه لكنه يُخطئ ، قَالَه ابْن أبي مَرْيَم عَنهُ . ثَالِثهَا : صَالح ، قَالَه ابْن أبي خَيْثَمَة عَنهُ . رَابِعهَا : ثِقَة وَهُوَ يغلط فِيمَا يروي عَن مُغيرَة ، قَالَه الدوري عَنهُ . وَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ من رِوَايَته عَن مُغيرَة . خَامِسهَا : صَدُوق لَيْسَ بمتقن ، قَالَه السَّاجِي عَنهُ . وَذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي عَن السَّاجِي نَفسه ، وَإِنَّمَا ذكره رِوَايَة ، كَذَا هُوَ فِي جرحه وتعديله . وَكَذَا نَقله عَنهُ ابْن حزم . وَاخْتلف النَّقْل فِيهِ عَن عَلّي ابن الْمَدِينِيّ ، فَقَالَ مرّة : هُوَ نَحْو مُوسَى بن عُبَيْدَة ، يخلط فِيمَا رَوَى عَن مُغيرَة وَنَحْوه . وَقَالَ مرّة : كَانَ عندنَا ثِقَة ، وَهَذِه رِوَايَة مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَنهُ ، وَالْأولَى رِوَايَة وَلَده عَنهُ . وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عمار الْموصِلِي : ثِقَة . وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي الفلاس فِيهِ : صَدُوق وَهُوَ من أهل الصدْق سيئ الْحِفْظ . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : شيخ يهم كثيرا . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : ثِقَة صَدُوق صَالح الحَدِيث . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن خرَاش : سيئ الْحِفْظ صَدُوق . وَقَالَ ابْن عدي : لَهُ أَحَادِيث صَالِحَة ، وَقد رَوَى عَنهُ النَّاس ، وَأَحَادِيثه عامتها مُسْتَقِيمَة ، وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد : كَانَ ثِقَة ، وَكَانَ يقدم بَغْدَاد يسمعُونَ مِنْهُ . وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي بَاب صَلَاة الْكُسُوف : البُخَارِيّ وَمُسلم قد هجرا أَبَا جَعْفَر الرَّازِيّ وَلم يخرجَا عَنهُ ، وحاله عِنْد سَائِر الْأَئِمَّة أحسن الْحَال . وَقَالَ مرّة : ثِقَة . وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِغْنَاء : هُوَ عِنْدهم ثِقَة عَالم بتفسير الْقُرْآن . وَذكره ابْن شاهين فِي ثقاته وَقَالَ الْحَازِمِي فِي ناسخه ومنسوخه : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَأَبُو جَعْفَر ثِقَة . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام بعد أَن أخرج الحَدِيث فِيهِ : فِي إِسْنَاده أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ وَقد وَثَّقَهُ غير وَاحِد . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن الصّلاح : هَذَا حَدِيث قد حكم بِصِحَّتِهِ غير وَاحِد من حفاظ الحَدِيث ، مِنْهُم : أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَلّي الْبَلْخِي من أَئِمَّة الحَدِيث ، وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم ، وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ . وَتَبعهُ النَّوَوِيّ ، فَقَالَ فِي خلاصته : هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ جماعات من الْحفاظ وصححوه ، ثمَّ ذكر أَن هَؤُلَاءِ الَّذين ذكرهم ابْن الصّلاح من جملَة من صَححهُ ، قَالَ : وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طرق بأسانيد صَحِيحَة . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي مفهمه : الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ أَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْقُنُوت مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أنس ... فَذكر الحَدِيث . وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فأعله فِي علله المتناهية و تَحْقِيقه بِأبي جَعْفَر هَذَا نصْرَة لمذهبه ، وَنقل كَلَام من ضعفه فَقَط وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ ، وَاقْتصر عَلَى رِوَايَة من رَوَى التَّضْعِيف عَن أَحْمد وَابْن الْمَدِينِيّ وَيَحْيَى بن معِين ، وَمَا هَذَا فعل الْمنصف ، عَلَى أَن حَدِيث أنس هَذَا من هَذَا الْوَجْه لم يتفرد بِهِ عِيسَى بن ماهان بل لَهُ طرق أُخْرَى غَيره ذكرتها مُوضحَة فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب يتَعَيَّن عَلَيْك مراجعتها مِنْهُ ، وَذكرت فِيهِ أَن بَعضهم وهم فَعَزاهُ إِلَى مُسلم ، وَأَن النَّوَوِيّ عزاهُ إِلَى الْمُسْتَدْرك وَلَيْسَ فِيهِ وبينت سَبَب وهمه فِي ذَلِك . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ الْقُنُوت فِي الصُّبْح أَيْضا عَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْعَوام بن حَمْزَة قَالَ : سَأَلت أَبَا عُثْمَان عَن الْقُنُوت فِي الصُّبْح قَالَ : بعد الرُّكُوع . قلت : عَمَّن ؟ قَالَ : عَن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِسْنَاده حسن ، ورَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن عمر أَيْضا من طرق ، وَرَوَى أَيْضا عَن عبد الله بن معقل بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف - التَّابِعِيّ قَالَ : قنت عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي الْفجْر قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا عَن عَلّي صَحِيح مَشْهُور . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : قَوْله : بِئْر مَعُونَة - بالنُّون - قَالَ الْحَازِمِي : فِي المؤتلف والمختلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن : بِئْر مَعُونَة بَين جبال يُقَال لَهَا : أبلى فِي طَرِيق المصعد من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة وَهِي لبني سليم ، قَالَه الْكِنْدِيّ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هُوَ مَاء لبني عَامر بن صعصعة . وَقَالَ الْوَاقِدِيّ : هَذِه الْبِئْر فِي أَرض بني سُليم وَبني كلاب . وَقَالَ ابْن إِسْحَاق : هِيَ بَين أَرض بني عَامر وحرة بني سليم ، كلا البلدين مِنْهَا قريب ، وَهِي من بني سُليم أقرب . ثَانِيهَا : قَوْله فِي الحَدِيث السالف ثمَّ تَركه . المُرَاد ترك الدُّعَاء عَلَى أُولَئِكَ الْكفَّار ولعنهم فَقَط ، لَا ترك جَمِيع الْقُنُوت أَو ترك الْقُنُوت فِي غير الصُّبْح ، وَهَذَا التَّأْوِيل مُتَعَيّن ؛ لِأَن حَدِيث أنس بعده لم يزل يقنت فِي الصُّبْح حَتَّى فَارق الدُّنْيَا صَحِيح صَرِيح ، فَيتَعَيَّن الْجمع بَينهمَا . وَقد رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الإِمَام أَنه قَالَ : إِنَّمَا ترك اللَّعْن . وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قنت بعد الرُّكُوع فِي صلَاته شهرا يَدْعُو لفُلَان وَفُلَان ثمَّ ترك الدُّعَاء لَهُم . وَمَعْنى لفُلَان : عَلَى فلَان ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى : ( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) أَي : فعلَيْهَا ، قَالَ أَصْحَابنَا : الَّذين رووا إِثْبَات الْقُنُوت أَكثر وَمَعَهُمْ زِيَادَة علم ، فَتقدم روايتهم . ثَالِثهَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَأما مَا عدا الصُّبْح من الْفَرَائِض فَإِن نزل بِالْمُسْلِمين نازلة من وباء أَو قحط ، فيقنت فِيهَا أَيْضا فِي الِاعْتِدَال عَن رُكُوع الرَّكْعَة الْأَخِيرَة كَمَا فعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي حَدِيث بِئْر مَعُونَة عَلَى مَا سبق ، وَإِن لم تنزل نازلة فَفِيهِ قَولَانِ : أصَحهمَا لَا يقنت ؛ لِأنه عليه السلام ترك الْقُنُوت فِيهَا . انْتَهَى . وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ لما عَلمته . وَبَوَّبَ الْبَيْهَقِيّ ترك الْقُنُوت فِي سَائِر الصَّلَوَات غير الصُّبْح عِنْد ارْتِفَاع النَّازِلَة وَفِي صَلَاة الصُّبْح لقوم أَو عَلَى قوم بِأَسْمَائِهِمْ أَو قبائلهم . ثمَّ ذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِي صَحِيح مُسلم قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول حِين يفرغ من صَلَاة الْفجْر من الْقِرَاءَة وَيكبر وَيرْفَع رَأسه : سمع الله لمن حَمده ، رَبنَا وَلَك الْحَمد ثمَّ يَقُول - وَهُوَ قَائِم - : اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد بن الْوَلِيد وَسَلَمَة بن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ ، اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك عَلَى مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم كَسِنِي يُوسُف ، اللَّهُمَّ الْعَن لحيان وَرِعْلًا وذكوان وَعصيَّة عَصَتْ الله وَرَسُوله ثمَّ بلغنَا أَنه ترك ذَلِك لما نزلت لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء . وَفِي لفظ لَهُ أنه عليه السلام قنت بعد الرُّكُوع فِي صلَاته شهرا إِذا قَالَ : سمع الله لمن حَمده يَقُول فِي قنوته : اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد بن الْوَلِيد ، اللَّهُمَّ نج سَلمَة بن هِشَام ، اللَّهُمَّ نج عَيَّاش بن أبي ربيعَة ... الحَدِيث . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ترك الدُّعَاء بعد ، فَقلت : أرَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ترك الدُّعَاء لَهُم قَالَ : فَقيل : وَمَا تراهم قد قدمُوا ؟ وَأخرج البُخَارِيّ ذَلِك أَيْضا ، وَانْتَهَى حَدِيثه عِنْد الْآيَة ، وَلم يذكرهَا الْبَيْهَقِيّ كَذَا ، ثمَّ ذكر بعد ذَلِك حَدِيث أنس أنه عليه السلام قنت شهرا يَدْعُو عَلَى أَحيَاء من أَحيَاء الْعَرَب ثمَّ تَركه وَعَزاهُ إِلَى مُسلم ، وَذكر عقبه قَول ابْن مهْدي السالف .
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرالحَدِيث الثَّامِن بعد الْخمسين قنت شهرا يَدْعُو عَلَى قاتلي أَصْحَابه ببئر مَعُونَة ثمَّ ترك · ص 620 الحَدِيث الثَّامِن بعد الْخمسين أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قنت شهرا يَدْعُو عَلَى قاتلي أَصْحَابه ببئر مَعُونَة ثمَّ ترك ، فَأَما فِي الصُّبْح فَلم يزل يقنت حَتَّى فَارق الدُّنْيَا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من طرق ثَلَاثَة عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ ، عَن الرّبيع بن أنس ، عَن أنس لَفظه فِي أَحدهَا : كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ ذكره من طَرِيق عبيد الله بن مُوسَى ، عَن أبي جَعْفَر بِهِ وَلَفظه فِي ثَانِيهَا : مَا زَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقنت فِي الْفجْر حَتَّى فَارق الدُّنْيَا ذكره من طَرِيق عبد الرَّزَّاق ، عَن أبي جَعْفَر بِهِ . وَفِي ثَالِثهَا : عَن الرّبيع بن أنس : كنت جَالِسا عِنْد أنس فَقيل لَهُ : إِنَّمَا قنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شهرا . فَقَالَ : مَا زَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقنت فِي صَلَاة الْغَدَاة حَتَّى فَارق الدُّنْيَا ذكره من طَرِيق أبي نعيم ، عَن أبي جَعْفَر بِهِ . وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ كَمَا سلف . وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب من حَدِيث جَعْفَر الْأَحْمَر ، عَن أبي جَعْفَر ، عَن الرّبيع بن أنس قَالَ : كنت عِنْد أنس بن مَالك فَجَاءَهُ رجل ، فَقَالَ : مَا تَقول فِي الْقُنُوت ؟ فبدره رجل ، فَقَالَ : قنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَرْبَعِينَ يَوْمًا . فَقَالَ أنس : لَيْسَ كَمَا تَقول ؛ قنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَتَّى قَبضه الله - عَزَّ وَجَلَّ . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث سُفْيَان ، عَن أبي جَعْفَر ، عَن الرّبيع بن أنس ، عَن أنس قَالَ : مَا زَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقنت حَتَّى فَارق الدُّنْيَا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عبيد الله بن مُوسَى السالف ، ثمَّ من حَدِيث أبي نعيم السالف أَيْضا ثمَّ قَالَ أَبُو عبد الله - يَعْنِي الْحَاكِم - : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح سَنَده ، ثِقَة رُوَاته . وَالربيع بن أنس تَابِعِيّ مَعْرُوف من أهل الْبَصْرَة سمع أنسا ورَوَى عَنهُ ابْن الْمُبَارك وَغَيره ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن الرّبيع بن أنس ، فَقَالَ : صَدُوق ثِقَة . زَاد غَيره عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ : ذاكرت بِهِ بعض الْحفاظ ، فَقَالَ : غير الرّبيع بن أنس فَمَا زلت أتأمل التواريخ وأقاويل الْأَئِمَّة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَلم أجد أحدا طعن فِيهِ . وَقَالَ الْعجلِيّ : بَصرِي صَدُوق . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . قلت : وَأما أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ عِيسَى بن ماهان فقد اخْتلف فِيهِ ، فَقَالَ الإِمَام أَحْمد : صَالح الحَدِيث . كَذَا رَوَاهُ حَنْبَل عَنهُ ، وَأخرج الحَدِيث وَصَححهُ من جِهَته ، وَقَالَ عبد الله ابْنه عَنهُ : لَيْسَ بِقَوي . وَقَالَ الْحَازِمِي فِي ناسخه ومنسوخه : وَالرِّوَايَة الأولَى عَن الإِمَام أَحْمد أولَى ويؤكدها إِخْرَاجه حَدِيثه فِي مُسْنده وَعَن يَحْيَى فِيهِ رِوَايَات : أَحدهَا : ثِقَة ، قَالَه إِسْحَاق بن مَنْصُور عَنهُ . ثَانِيهَا : يكْتب حَدِيثه لكنه يُخطئ ، قَالَه ابْن أبي مَرْيَم عَنهُ . ثَالِثهَا : صَالح ، قَالَه ابْن أبي خَيْثَمَة عَنهُ . رَابِعهَا : ثِقَة وَهُوَ يغلط فِيمَا يروي عَن مُغيرَة ، قَالَه الدوري عَنهُ . وَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ من رِوَايَته عَن مُغيرَة . خَامِسهَا : صَدُوق لَيْسَ بمتقن ، قَالَه السَّاجِي عَنهُ . وَذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي عَن السَّاجِي نَفسه ، وَإِنَّمَا ذكره رِوَايَة ، كَذَا هُوَ فِي جرحه وتعديله . وَكَذَا نَقله عَنهُ ابْن حزم . وَاخْتلف النَّقْل فِيهِ عَن عَلّي ابن الْمَدِينِيّ ، فَقَالَ مرّة : هُوَ نَحْو مُوسَى بن عُبَيْدَة ، يخلط فِيمَا رَوَى عَن مُغيرَة وَنَحْوه . وَقَالَ مرّة : كَانَ عندنَا ثِقَة ، وَهَذِه رِوَايَة مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَنهُ ، وَالْأولَى رِوَايَة وَلَده عَنهُ . وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عمار الْموصِلِي : ثِقَة . وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي الفلاس فِيهِ : صَدُوق وَهُوَ من أهل الصدْق سيئ الْحِفْظ . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : شيخ يهم كثيرا . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : ثِقَة صَدُوق صَالح الحَدِيث . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن خرَاش : سيئ الْحِفْظ صَدُوق . وَقَالَ ابْن عدي : لَهُ أَحَادِيث صَالِحَة ، وَقد رَوَى عَنهُ النَّاس ، وَأَحَادِيثه عامتها مُسْتَقِيمَة ، وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد : كَانَ ثِقَة ، وَكَانَ يقدم بَغْدَاد يسمعُونَ مِنْهُ . وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي بَاب صَلَاة الْكُسُوف : البُخَارِيّ وَمُسلم قد هجرا أَبَا جَعْفَر الرَّازِيّ وَلم يخرجَا عَنهُ ، وحاله عِنْد سَائِر الْأَئِمَّة أحسن الْحَال . وَقَالَ مرّة : ثِقَة . وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِغْنَاء : هُوَ عِنْدهم ثِقَة عَالم بتفسير الْقُرْآن . وَذكره ابْن شاهين فِي ثقاته وَقَالَ الْحَازِمِي فِي ناسخه ومنسوخه : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَأَبُو جَعْفَر ثِقَة . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام بعد أَن أخرج الحَدِيث فِيهِ : فِي إِسْنَاده أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ وَقد وَثَّقَهُ غير وَاحِد . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن الصّلاح : هَذَا حَدِيث قد حكم بِصِحَّتِهِ غير وَاحِد من حفاظ الحَدِيث ، مِنْهُم : أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَلّي الْبَلْخِي من أَئِمَّة الحَدِيث ، وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم ، وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ . وَتَبعهُ النَّوَوِيّ ، فَقَالَ فِي خلاصته : هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ جماعات من الْحفاظ وصححوه ، ثمَّ ذكر أَن هَؤُلَاءِ الَّذين ذكرهم ابْن الصّلاح من جملَة من صَححهُ ، قَالَ : وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طرق بأسانيد صَحِيحَة . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي مفهمه : الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ أَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْقُنُوت مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أنس ... فَذكر الحَدِيث . وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فأعله فِي علله المتناهية و تَحْقِيقه بِأبي جَعْفَر هَذَا نصْرَة لمذهبه ، وَنقل كَلَام من ضعفه فَقَط وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ ، وَاقْتصر عَلَى رِوَايَة من رَوَى التَّضْعِيف عَن أَحْمد وَابْن الْمَدِينِيّ وَيَحْيَى بن معِين ، وَمَا هَذَا فعل الْمنصف ، عَلَى أَن حَدِيث أنس هَذَا من هَذَا الْوَجْه لم يتفرد بِهِ عِيسَى بن ماهان بل لَهُ طرق أُخْرَى غَيره ذكرتها مُوضحَة فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب يتَعَيَّن عَلَيْك مراجعتها مِنْهُ ، وَذكرت فِيهِ أَن بَعضهم وهم فَعَزاهُ إِلَى مُسلم ، وَأَن النَّوَوِيّ عزاهُ إِلَى الْمُسْتَدْرك وَلَيْسَ فِيهِ وبينت سَبَب وهمه فِي ذَلِك . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ الْقُنُوت فِي الصُّبْح أَيْضا عَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْعَوام بن حَمْزَة قَالَ : سَأَلت أَبَا عُثْمَان عَن الْقُنُوت فِي الصُّبْح قَالَ : بعد الرُّكُوع . قلت : عَمَّن ؟ قَالَ : عَن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِسْنَاده حسن ، ورَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن عمر أَيْضا من طرق ، وَرَوَى أَيْضا عَن عبد الله بن معقل بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف - التَّابِعِيّ قَالَ : قنت عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي الْفجْر قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا عَن عَلّي صَحِيح مَشْهُور . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : قَوْله : بِئْر مَعُونَة - بالنُّون - قَالَ الْحَازِمِي : فِي المؤتلف والمختلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن : بِئْر مَعُونَة بَين جبال يُقَال لَهَا : أبلى فِي طَرِيق المصعد من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة وَهِي لبني سليم ، قَالَه الْكِنْدِيّ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هُوَ مَاء لبني عَامر بن صعصعة . وَقَالَ الْوَاقِدِيّ : هَذِه الْبِئْر فِي أَرض بني سُليم وَبني كلاب . وَقَالَ ابْن إِسْحَاق : هِيَ بَين أَرض بني عَامر وحرة بني سليم ، كلا البلدين مِنْهَا قريب ، وَهِي من بني سُليم أقرب . ثَانِيهَا : قَوْله فِي الحَدِيث السالف ثمَّ تَركه . المُرَاد ترك الدُّعَاء عَلَى أُولَئِكَ الْكفَّار ولعنهم فَقَط ، لَا ترك جَمِيع الْقُنُوت أَو ترك الْقُنُوت فِي غير الصُّبْح ، وَهَذَا التَّأْوِيل مُتَعَيّن ؛ لِأَن حَدِيث أنس بعده لم يزل يقنت فِي الصُّبْح حَتَّى فَارق الدُّنْيَا صَحِيح صَرِيح ، فَيتَعَيَّن الْجمع بَينهمَا . وَقد رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الإِمَام أَنه قَالَ : إِنَّمَا ترك اللَّعْن . وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قنت بعد الرُّكُوع فِي صلَاته شهرا يَدْعُو لفُلَان وَفُلَان ثمَّ ترك الدُّعَاء لَهُم . وَمَعْنى لفُلَان : عَلَى فلَان ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى : ( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) أَي : فعلَيْهَا ، قَالَ أَصْحَابنَا : الَّذين رووا إِثْبَات الْقُنُوت أَكثر وَمَعَهُمْ زِيَادَة علم ، فَتقدم روايتهم . ثَالِثهَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَأما مَا عدا الصُّبْح من الْفَرَائِض فَإِن نزل بِالْمُسْلِمين نازلة من وباء أَو قحط ، فيقنت فِيهَا أَيْضا فِي الِاعْتِدَال عَن رُكُوع الرَّكْعَة الْأَخِيرَة كَمَا فعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي حَدِيث بِئْر مَعُونَة عَلَى مَا سبق ، وَإِن لم تنزل نازلة فَفِيهِ قَولَانِ : أصَحهمَا لَا يقنت ؛ لِأنه عليه السلام ترك الْقُنُوت فِيهَا . انْتَهَى . وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ لما عَلمته . وَبَوَّبَ الْبَيْهَقِيّ ترك الْقُنُوت فِي سَائِر الصَّلَوَات غير الصُّبْح عِنْد ارْتِفَاع النَّازِلَة وَفِي صَلَاة الصُّبْح لقوم أَو عَلَى قوم بِأَسْمَائِهِمْ أَو قبائلهم . ثمَّ ذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِي صَحِيح مُسلم قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول حِين يفرغ من صَلَاة الْفجْر من الْقِرَاءَة وَيكبر وَيرْفَع رَأسه : سمع الله لمن حَمده ، رَبنَا وَلَك الْحَمد ثمَّ يَقُول - وَهُوَ قَائِم - : اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد بن الْوَلِيد وَسَلَمَة بن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ ، اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك عَلَى مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم كَسِنِي يُوسُف ، اللَّهُمَّ الْعَن لحيان وَرِعْلًا وذكوان وَعصيَّة عَصَتْ الله وَرَسُوله ثمَّ بلغنَا أَنه ترك ذَلِك لما نزلت لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء . وَفِي لفظ لَهُ أنه عليه السلام قنت بعد الرُّكُوع فِي صلَاته شهرا إِذا قَالَ : سمع الله لمن حَمده يَقُول فِي قنوته : اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد بن الْوَلِيد ، اللَّهُمَّ نج سَلمَة بن هِشَام ، اللَّهُمَّ نج عَيَّاش بن أبي ربيعَة ... الحَدِيث . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ترك الدُّعَاء بعد ، فَقلت : أرَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ترك الدُّعَاء لَهُم قَالَ : فَقيل : وَمَا تراهم قد قدمُوا ؟ وَأخرج البُخَارِيّ ذَلِك أَيْضا ، وَانْتَهَى حَدِيثه عِنْد الْآيَة ، وَلم يذكرهَا الْبَيْهَقِيّ كَذَا ، ثمَّ ذكر بعد ذَلِك حَدِيث أنس أنه عليه السلام قنت شهرا يَدْعُو عَلَى أَحيَاء من أَحيَاء الْعَرَب ثمَّ تَركه وَعَزاهُ إِلَى مُسلم ، وَذكر عقبه قَول ابْن مهْدي السالف .
مجمع الزوائد ومنبع الفوائدبَابُ الْقُنُوتِ · ص 139 2835 وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ بِنَحْوِهِ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ .
إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرةالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ الْبَصْرِيُّ · ص 6