الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لِأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ إِبْلِيسُ لِرَبِّهِ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ، يَقُولُ : فَبِمَا أَضْلَلْتَنِي ، كَمَا : - 14361 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ، يَقُولُ : أَضْلَلْتَنِي . 14362 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ، قَالَ : فَبِمَا أَضْلَلْتَنِي . وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ، بِمَا أَهْلَكْتَنِي ، مِنْ قَوْلِهِمْ : غَوِيَ الْفَصِيلُ يَغوَى غَوًى ، وَذَلِكَ إِذَا فَقَدَ اللَّبَنَ فَمَاتَ ، مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ : مُعَطَّفَةُ الْأَثْنَاءِ لَيْسَ فَصِيلُهَا بِرَازِئِهَا دَرًّا وَلَا مَيِّتٍ غَوَى وَأَصْلُ الْإِغْوَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : تَزْيِينُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ الشَّيْءَ حَتَّى يُحَسِّنَهُ عِنْدَهُ ، غَارًّا لَهُ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ قَبَائِلِ طَيِّئٍ ، أَنَّهَا تَقُولُ : أَصْبَحَ فُلَانٌ غَاوِيًا ، أَيْ : أَصْبَحَ مَرِيضًا . وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْقَسَمِ ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ : فَبِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ ، لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، كَمَا يُقَالُ : بِاللَّهِ لِأَفْعَلَنَّ كَذَا . وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْمُجَازَاةِ ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ : فَلِأَنَّكَ أَغْوَيْتَنِي أَوْ : فَبِأَنَّكَ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذَا بَيَانٌ وَاضِحٌ عَلَى فَسَادِ مَا يَقُولُ الْقَدَرِيَّةُ ، مِنْ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَفَرَ أَوْ آمَنَ فَبِتَفْوِيضِ اللَّهِ أَسْبَابَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي بِهِ يَصِلُ الْمُؤْمِنُ إِلَى الْإِيمَانِ ، هُوَ السَّبَبُ الَّذِي بِهِ يَصِلُ الْكَافِرُ إِلَى الْكُفْرِ .
وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا : لَكَانَ الْخَبِيثُ قَدْ قَالَ بِقَوْلِهِ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ، فَبِمَا أَصْلَحْتَنِي ، إِذْ كَانَ سَبَبُ الْإِغْوَاءِ هُوَ سَبَبُ الْإِصْلَاحِ ، وَكَانَ فِي إِخْبَارِهِ عَنِ الْإِغْوَاءِ إِخْبَارٌ عَنِ الْإِصْلَاحِ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ سَبَبَاهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ ، وَكَانَ السَّبَبُ الَّذِي بِهِ غَوَى وَهَلَكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . أَضَافَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَقَالَ : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي . وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، فِيمَا : - 14363 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَوْدُودٍ ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ : قَاتَلَ اللَّهُ الْقَدَرِيَّةَ ، لَإِبْلِيسُ أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْهُمْ ! وَأَمَّا قَوْلُهُ : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : لَأَجْلِسَنَّ لِبَنِي آدَمَ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، يَعْنِي : طَرِيقَكَ الْقَوِيمَ ، وَذَلِكَ دِينُ اللَّهِ الْحَقُّ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَشَرَائِعُهُ .
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : لَأَصُدَّنَ بَنِي آدَمَ عَنْ عِبَادَتِكَ وَطَاعَتِكَ ، وَلِأُغْوِيَنَّهُمْ كَمَا أَغْوَيْتَنِي ، وَلِأُضِلَّنَّهُمْ كَمَا أَضْلَلْتَنِي . وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي الْفَاكِهِ : - 14364 - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرِقَةٍ ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ : أَتَسْلَمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ . ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ : أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَالْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ؟ فَعَصَاهُ وَهَاجَرَ .
ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ ، وَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ ، فَقَالَ : أَتَقَاتَلُ فَتُقْتَلُ ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ ، وَيُقَسَّمُ الْمَالُ؟ قَالَ : فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ . وَرُوِيَ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ مَا : - 14365 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا حَبَّوَيْهِ أَبُو يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، قَالَ : طَرِيقُ مَكَّةَ . وَالَّذِي قَالَهُ عَوْنٌ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ ، فَلَيْسَ هُوَ الصِّرَاطَ كُلَّهُ .
وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَدُوُّ اللَّهِ أَنَّهُ يَقْعُدُ لَهُمْ صِرَاطَ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمَ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ . فَالَّذِي رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ ، وَأَوْلَى بِالتَّأْوِيلِ ، لِأَنَّ الْخَبِيثَ لَا يَأْلُو عِبَادَ اللَّهِ الصَّدَّ عَنْ كُلِّ مَا كَانَ لَهُمْ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسْتَقِيمَ ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14366 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، قَالَ : الْحَقُّ . 14367 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . 14368 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ ، سَمِعَتْ مُجَاهِدًا يَقُولُ : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، قَالَ : سَبِيلُ الْحَقِّ ، فَلْأُضِلَّنَّهُمْ إِلَّا قَلِيلًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ : مَعْنَاهُ : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ ، كَمَا يُقَالُ : تَوَجَّهَ مَكَّةَ ، أَيْ إِلَى مَكَّةَ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : كَأَنِّي إِذْ أَسْعَى لِأَظْفَرَ طَائِرًا مَعَ النَّجْمِ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ بِمَعْنَى : لِأَظْفَرَ بِطَائِرٍ ، فَأَلْقَى الْبَاءَ ، وَكَمَا قَالَ : أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ، [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 150 ] ، بِمَعْنَى : أَعْجَلْتُمْ عَنْ أَمْرِ رَبِّكُمْ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ ، الْمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى طَرِيقِهِمْ ، وَفِي طَرِيقِهِمْ .
قَالَ : وَإِلْقَاءُ الصِّفَةِ مِنْ هَذَا جَائِزٌ ، كَمَا تَقُولُ : قَعَدْتُ لَكَ وَجْهَ الطَّرِيقِ وَ عَلَى وَجْهِ الطَّرِيقِ ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ صِفَةٌ فِي الْمَعْنَى ، فَاحْتَمَلَ مَا يَحْتَمِلُهُ الْيَوْمُ وَ اللَّيْلَةُ وَ الْعَامُ ، إِذَا قِيلَ : آتِيكَ غَدًا ، وَ آتِيكَ فِي غَدٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ الْقُعُودَ مُقْتَضٍ مَكَانًا يَقْعُدُ فِيهِ ، فَكَمَا يُقَالُ : قَعَدْتُ فِي مَكَانِكَ ، يُقَالُ : قَعَدْتُ عَلَى صِرَاطِكَ ، وَ فِي صِرَاطِكَ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ ، كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ فَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَقُولُ ذَلِكَ فِي أَسْمَاءِ الْبُلْدَانِ ، لَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ : جَلَسْتُ مَكَّةَ ، وَ قُمْتُ بَغْدَادَ .