الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ . . . "
) ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾( 19 ) ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾( 20 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ : وَأَنْذِرَ يَا مُحَمَّدُ مُشْرِكِي قَوْمِكَ يَوْمَ الْآزِفَةِ ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَنْ يُوَافُوا اللَّهَ فِيهِ بِأَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ ، فَيَسْتَحِقُّوا مِنَ اللَّهِ عِقَابَهُ الْأَلِيمَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : يَوْمَ الآزِفَةِ قَالَ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ قَالَ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ . حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فَى قَوْلِهِ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ قَالَ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَقَرَأَ : أَزِفَتِ الآزِفَةُ ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴾.
وَقَوْلُهُ : إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِذْ قُلُوبُ الْعِبَادِ مِنْ مَخَافَةِ عِقَابِ اللَّهِ لَدَى حَنَاجِرِهِمْ قَدْ شَخِصَتْ مِنْ صُدُورِهِمْ ، فَتَعَلَّقَتْ بِحُلُوقِهِمْ كَاظِمِيهَا ، يَرُومُونَ رَدَّهَا إِلَى مَوَاضِعِهَا مِنْ صُدُورِهِمْ فَلَا تَرْجِعُ ، وَلَا هِيَ تَخْرُجُ مِنْ أَبْدَانِهِمْ فَيَمُوتُوا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ قَالَ : قَدْ وَقَعَتِ الْقُلُوبُ فِي الْحَنَاجِرِ مِنَ الْمَخَافَةِ ، فَلَا هِيَ تَخْرُجُ وَلَا تَعُودُ إِلَى أَمْكِنَتِهَا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ قَالَ : شَخِصَتْ أَفْئِدَتُهُمْ عَنْ أَمْكِنَتِهَا ، فَنَشِبَتْ فِي حُلُوقِهِمْ ، فَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ أَجْوَافِهِمْ فَيَمُوتُوا ، وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَى أَمْكِنَتِهَا فَتَسْتَقِرُّ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ النَّصْبِ ( كَاظِمِينَ ) فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : انْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ ، كَأَنَّهُ أَرَادَ : إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ فِي هَذِهِ الْحَالِ . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ : الْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلٌ مِنَ الْإِضَافَةِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : إِذَا قُلُوبُهُمْ لَدَى حَنَاجِرِهِمْ فِي حَالِ كَظْمِهِمْ .
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ : هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي يَرْجِعُ مِنْ ذِكْرِهِمْ فِي الْقُلُوبِ وَالْحَنَاجِرِ ، الْمَعْنَى : إِذْ قُلُوبُهُمْ لَدَى حَنَاجِرِهِمْ كَاظِمِينَ . قَالَ : فَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ قَطْعَهُ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ ( وَأَنْذِرْهُمْ ) قَالَ : وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمُ بَيَانُ وَجْهِ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : مَا لِلْكَافِرِينَ بِاللَّهِ يَوْمَئِذٍ مِنْ حَمِيمٍ يَحِمُّ لَهُمْ ، فَيَدْفَعُ عَنْهُمْ عَظِيمَ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، وَلَا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَيُطَاعُ فِيمَا شَفَّعَ ، وَيُجَابُ فِيمَا سَأَلَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فَى ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدَ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ قَالَ : مَنْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُمْ ، وَلَا شَفِيعَ لَهُمْ . وَقَوْلُهُ : ( يُطَاعُ ) صِلَةٌ لِلشَّفِيعِ .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ إِذَا شُفِّعَ أُطِيعَ فِيمَا شَفَعَ ، فَأُجِيبَ وَقُبِلَتْ شَفَاعَتُهُ لَهُ . وَقَوْلُهُ : يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ يَقُولُ جَلَّ ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ صِفَةِ نَفْسِهِ : يَعْلَمُ رَبُّكُمْ مَا خَانَتْ أَعْيُنُ عِبَادِهِ ، وَمَا أَخْفَتْهُ صُدُورُهُمْ ، يَعْنِي : وَمَا أَضْمَرَتْهُ قُلُوبُهُمْ؛ يَقُولُ : لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِهِمْ حَتَّى مَا يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ ، وَيُضْمِرُهُ قَلْبُهُ إِذَا نَظَرَ مَاذَا يُرِيدُ بِنَظَرِهِ ، وَمَا يَنْوِي ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ يَقُولُ : وَاللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - يَقْضِي فِي الَّذِي خَانَتْهُ الْأَعْيُنُ بِنَظَرِهَا ، وَأَخْفَتْهُ الصُّدُورُ عِنْدَ نَظَرِ الْعُيُونِ بِالْحَقِّ ، فَيَجْزِي الَّذِينَ أَغْمَضُوا أَبْصَارَهُمْ ، وَصَرَفُوهَا عَنْ مَحَارِمِهِ حِذَارَ الْمَوْقِفِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَمَسْأَلَتِهِ عَنْهُ بِالْحُسْنَى ، وَالَّذِينَ رَدَّدُوا النَّظَرَ ، وَعَزَمَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَى مُوَاقَعَةِ الْفَوَاحِشِ إِذَا قُدِّرَتْ ، جَزَاءَهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ : ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا تُرِيدُ الْخِيَانَةَ أَمْ لَا وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ إِذَا قَدِرْتَ عَلَيْهَا أَتَزْنِي بِهَا أَمْ لَا ؟ قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّتِي تَلِيهَا ؟ قُلْتُ نَعَمْ ، قَالَ : وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْزِيَ بِالْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ ، وَبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ قَالَ الْحَسَنُ : فَقُلْتُ لِلْأَعْمَشِ : حَدَّثَنِي الْكَلْبَيُّ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْزِيَ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَبِالْحَسَنَةِ عَشْرًا . وَقَالَ الْأَعْمَشُ : إِنَّ الَّذِي عِنْدَ الْكَلْبَيِّ عِنْدِي ، مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا بِحَقِيرٍ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ قَالَ : نَظَرُ الْأَعْيُنِ إِلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : خَائِنَةَ الأَعْيُنِ : أَيْ يَعْلَمُ هَمْزَهُ بِعَيْنِهِ ، وَإِغْمَاضَهُ فِيمَا لَا يُحِبُّ اللَّهُ وَلَا يَرْضَاهُ . وَقَوْلُهُ : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ يَقُولُ : وَالْأَوْثَانُ وَالْآلِهَةُ الَّتِي يَعْبُدُهَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّهَا لَا تَعْلَمُ شَيْئًا ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ، يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَهُمْ : فَاعْبُدُوا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَيَجْزِي مُحْسِنَكُمْ بِالْإِحْسَانِ ، وَالْمُسِيءَ بِالْإِسَاءَةِ ، لَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَلَا يَعْلَمُ شَيْئًا ، فَيَعْرِفُ الْمُحْسِنَ مِنَ الْمُسِيءِ ، فَيُثِيبُ الْمُحْسِنَ ، وَيُعَاقِبُ الْمُسِيءَ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ لِمَا تَنْطِقُ بِهِ أَلْسِنَتُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ، الْبَصِيرُ بِمَا تَفْعَلُونَ مِنَ الْأَفْعَالِ ، مُحِيطٌ بِكُلِّ ذَلِكَ مُحْصِيهِ عَلَيْكُمْ ، لِيُجَازِيَ جَمِيعَكُمْ جَزَاءَهُ يَوْمَ الْجَزَاءِ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ : وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .