الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا "
) وَنَرَاهُ قَرِيبًا ( 7 ) ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴾( 8 ) ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴾( 9 ) ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾( 10 ) يُبَصَّرُونَهُمْ ( 11 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ الَّذِي سَأَلُوا عَنْهُ ، الْوَاقِعَ عَلَيْهِمْ ، بَعِيدًا وُقُوعُهُ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ ذَلِكَ بَعِيدًا ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُصَدِّقُونَ بِهِ ، وَيُنْكِرُونَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ ، فَقَالَ : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ غَيْرَ وَاقِعٍ ، وَنَحْنُ نَرَاهُ قَرِيبًا ، لِأَنَّهُ كَائِنٌ ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ . وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ مِنْ قَوْلِهِ : ( إِنَّهُمْ ) مِنْ ذِكْرِ الْكَافِرِينَ ، وَالْهَاءُ مِنْ قَوْلِهِ : ( يَرَوْنَهُ ) مِنْ ذِكْرِ الْعَذَابِ . وَقَوْلُهُ : ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالشَّيْءِ الْمُذَابِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الْمُهْلِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ ، وَاخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ ، وَذَكَرْنَا مَا قَالَ فِيهِ السَّلَفُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴾ قَالَ : كَعَكَرِ الزَّيْتِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴾ : تَتَحَوَّلُ يَوْمَئِذٍ لَوْنًا آخَرَ إِلَى الْحُمْرَةِ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴾ يَقُولُ : وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالصُّوفِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( كَالْعِهْنِ ) قَالَ : كَالصُّوفِ . حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ( كَالْعِهْنِ ) قَالَ : كَالصُّوفِ .
وَقَوْلُهُ : ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾يُبَصَّرُونَهُمْ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَا يَسْأَلُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ لِشُغْلِهِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ يُشْغَلُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِنَفْسِهِ عَنِ النَّاسِ .
وَقَوْلُهُ : يُبَصَّرُونَهُمْ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِالْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي قَوْلِهِ : يُبَصَّرُونَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْأَقْرِبَاءُ أَنَّهَمْ يَعْرِفُونَ أَقْرِبَاءَهُمْ ، وَيَعْرِفُ كُلُّ إِنْسَانٍ قَرِيبَهُ ، فَذَلِكَ تَبْصِيرُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : يُبَصَّرُونَهُمْ قَالَ : يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَيَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، يَقُولُ : ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾. حَدَّثَنِي بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ يُبَصَّرُونَهُمْ يَعْرِفُونَهُمْ ، يَعْلَمُونَ ، وَاللَّهِ لَيَعْرِفَنَّ قَوْمٌ قَوْمًا ، وَأُنَاسٌ أُنَاسًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّهُمْ يُبْصِرُونَ الْكُفَّارَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : يُبَصَّرُونَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ يُبْصِرُونَ الْكَافِرِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ الْكَفَّارُ ، الَّذِينَ كَانُوا أَتْبَاعًا لِآخَرِينَ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْكُفْرِ ، أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ الْمَتْبُوعِينَ فِي النَّارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : يُبَصَّرُونَهُمْ قَالَ : يُبْصِرُونَ الَّذِينَ أَضَلُّوهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي النَّارِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾عَنْ شَأْنِهِ ، وَلَكِنَّهُمْ يُبْصِرُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ ، ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَشْبَهُهَا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : يُبَصَّرُونَهُمْ تَلَا قَوْلَهُ : ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ ، فَلِأَنْ تَكُونَ الْهَاءُ وَالْمِيمُ مِنْ ذِكْرِهِمْ أَشْبَهُ مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهِمْ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( وَلَا يَسْأَلُ ) فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ وَشَيْبَةَ بِفَتْحِ الْيَاءِ; وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ ( وَلَا يُسْئَلُ ) بِضَمِّ الْيَاءِ ، يَعْنِي : لَا يُقَالُ لِحَمِيمٍ أَيْنَ حَمِيمُكَ ؟ وَلَا يَطْلُبُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فَتْحُ الْيَاءِ ، بِمَعْنَى : لَا يَسْأَلُ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا عَنْ شَأْنِهِ ، لِصِحَّةِ مَعْنَى ذَلِكَ ، وَلِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ .