الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا "
) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ( 16 ) ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴾( 17 ) ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴾( 18 ) ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴾( 19 ) ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴾( 20 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : لِنَخْرُجَ بِالْمَاءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ الْمُعْصِرَاتِ إِلَى الْأَرْضِ حَبًّا ، وَالْحَبُّ كُلُّ مَا تَضَمَّنُهُ كِمَامُ الزَّرْعِ الَّتِي تُحْصَدُ ، وَهِيَ جَمْعُ حَبَّةٍ ، كَمَا الشَّعِيرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ ، وَكَمَا التَّمْرُ جَمْعُ تَمْرَةٍ : وَأَمَّا النَّبَاتُ فَهُوَ الْكَلَأُ الَّذِي يُرْعَى ، مِنَ الْحَشِيشِ وَالزُّرُوعِ . وَقَوْلُهُ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا يَقُولُ : وَلِنُخْرِجَ بِذَلِكَ الْغَيْثِ جَنَّاتٍ ، وَهِيَ الْبَسَاتِينُ ، وَقَالَ : ( وَجَنَّاتٍ ) وَالْمَعْنَى : وَثَمَرَ جَنَّاتٍ ، فَتَرَكَ ذِكْرَ الثَّمَرِ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( أَلْفَافًا ) يَعْنِي : مُلْتَفَّةً مُجْتَمِعَةً . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : مُجْتَمِعَةٌ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا يَقُولُ : وَجَنَّاتٍ الْتَفَّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : مُلْتَفَّةٌ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : الْتَفَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : الْتَفَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : مُلْتَفَّةٌ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : هِيَ الْمُلْتَفَّةُ ، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَاحِدِ الْأَلْفَافِ ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ : وَاحِدُهَا : لَفٌّ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : وَاحِدُهَا : لُفٌّ وَلَفِيفٌ ، قَالَ : وَإِنْ شِئْتَ كَانَ الْإِلْفَافُ جَمْعًا وَاحِدُهُ جَمَعٌ أَيْضًا ، فَتَقُولُ : جَنَّةٌ لَفَّاءُ ، وَجَنَّاتٌ لُفٌّ ، ثُمَّ يُجْمَعُ اللُّفُّ أَلْفَافًا . وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ : لَمْ نَسْمَعْ شَجَرَةٌ لَفَّةٌ ، وَلَكِنَّ وَاحِدَهَا لَفَّاءُ ، وَجَمْعَهَا لُفٌّ ، وَجَمْعُ لُفٍّ : أَلْفَافٌ ، فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَلْفَافَ جَمْعُ لُفٍّ أَوْ لَفِيفٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : مُلْتَفَّةٌ ، وَاللَّفَّاءُ ، هِيَ الْغَلِيظَةُ ، وَلَيْسَ الِالْتِفَافُ مِنَ الْغِلَظِ فِي شَيْءٍ ، إِلَّا أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى أَنَّهُ غِلَظُ الِالْتِفَافِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ وَجْهًا . وَقَوْلُهُ : ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ يَوْمَ يَفْصِلُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ ، فَيَأْخُذُ فِيهِ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ، كَانَ مِيقَاتًا لَمَّا أَنْفَذَ اللَّهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ ، وَلِضُرَبَائِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴾ وَهُوَ يَوْمٌ عَظَّمَهُ اللَّهُ ، يَفْصِلُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ بِأَعْمَالِهِمْ . وَقَوْلُهُ : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ تَرْجَمَ بِيَوْمَ يُنْفَخُ عَنْ يَوْمِ الْفَصْلِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ أَجَلًا لَمَّا وَعَدْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ ، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الصُّورُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ ، وَذَكَرْتُ اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَهُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ عِنْدَنَا . كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَسْلَمَ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : الصُّورُ : قَرْنٌ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَالصُّور : الْخَلْقُ . وَقَوْلُهُ : فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا يَقُولُ : فَيَجِيئُونَ زُمَرًا زُمَرًا ، وَجَمَاعَةً جَمَاعَةً . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ . قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : ( أَفْوَاجًا ) قَالَ : زُمَرًا زُمَرًا . وَإِنَّمَا قِيلَ : فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا لِأَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهَا رَسُولًا تَأْتِي مَعَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهَا كَمَا قَالَ : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ وَقَوْلُهُ : ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَشُقِّقَتِ السَّمَاءُ فَصُدِّعَتْ ، فَكَانَتْ طُرُقًا ، وَكَانَتْ مِنْ قَبْلُ شِدَادًا لَا فُطُورَ فِيهَا وَلَا صُدُوعَ .
وَقِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ قِطَعًا كَقَطَعِ الْخَشَبِ الْمُشَقَّقَةِ لِأَبْوَابِ الدَّوْرِ وَالْمَسَاكِنِ ، قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ قِطَعًا كَالْأَبْوَابِ ، فَلَمَّا أُسْقِطَتِ الْكَافُ صَارَتِ الْأَبْوَابُ الْخَبَرَ ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَسَدًا ، يَعْنِي : كَالْأَسَدِ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴾ يَقُولُ : وَنُسِفَتِ الْجِبَالُ فَاجْتُثَّتْ مِنْ أُصُولِهَا ، فَصُيِّرَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ، لِعَيْنِ النَّاظِرِ ، كَالسَّرَابِ الَّذِي يَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ مِنْ بُعْدٍ مَاءً ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ هَبَاءٌ .