6 - بَاب إِذَا اسْتُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا لقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ 6949 - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي نَافِعٌ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْإِمَارَةِ وَقَعَ عَلَى وَلِيدَةٍ مِنْ الْخُمُسِ فَاسْتَكْرَهَهَا حَتَّى اقْتَضَّهَا ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ وَنَفَاهُ ، وَلَمْ يَجْلِدْ الْوَلِيدَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا . وقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الْأَمَةِ الْبِكْرِ يَفْتَرِعُهَا الْحُرُّ : يُقِيمُ ذَلِكَ الْحَكَمُ مِنْ الْأَمَةِ الْعَذْرَاءِ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا وَيُجْلَدُ وَلَيْسَ فِي الْأَمَةِ الثَّيِّبِ فِي قَضَاءِ الْأَئِمَّةِ غُرْمٌ ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا اسْتُكْرِهَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَيْ لَهُنَّ : وَقَدْ قُرِئَ فِي الشَّاذِّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَنُسِبَتْ أَيْضًا لِابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمَحْفُوظُ عَنْهُ تَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ وَكَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ غَيْرِهِ ، وَجَوَّزَ بَعْضُ الْمُعَرَّبِينَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَهُمْ أَيْ لِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْإِكْرَاهُ لَكِنْ إِذَا تَابَ ، وَضُعِّفَ بِكَوْنِ الْأَصْلِ عَدَمَ التَّقْدِيرِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ لِأَجْلِ الرَّبْطِ ، وَاسْتُشْكِلَ تَعْلِيقُ الْمَغْفِرَةِ لَهُنَّ لِأَنَّ الَّتِي تُكْرَهُ لَيْسَتْ آثِمَةً ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْإِكْرَاهُ الْمَذْكُورُ كَانَ دُونَ مَا اعْتُبِرَ شَرْعًا فَرُبَّمَا قَصَّرَتْ عَنِ الْحَدِّ الَّذِي تُعْذَرُ بِهِ فَتَأْثَمُ فَنَاسَبَ تَعْلِيقَ الْمَغْفِرَةِ ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : الْإِكْرَاهُ لَا يُنَافِي الْمُؤَاخَذَةَ . قُلْتُ : أَوْ ذِكْرُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ الْإِثْمِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِلْمُكْرِهِينَ لَهُنَّ ، وَفِي ذِكْرِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ تَعْرِيضٌ ، وَتَقْدِيرُهُ انْتَهُوا أَيُّهَا الْمُكْرِهُونَ فَإِنَّهُنَّ مَعَ كَوْنِهِنَّ مُكْرَهَاتٍ قَدْ يُؤَاخَذْنَ لَوْلَا رَحْمَتُ اللَّهِ وَمَغْفِرَتُهُ فَكَيْفَ بِكَمْ أَنْتُمْ ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا إِثْمَ عَلَى الْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يُقَالُ لَهَا مُسَيْلِمَةُ وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا أُمَيْمَةُ وَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ ( حَدَّثَنِي نَافِعٌ ) هُوَ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ ) يَعْنِي الثَّقَفِيَّةَ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْإِمَارَةِ ) بِكَسْرِ الْأَلِفِ أَيْ مِنْ مَالِ الْخَلِيفَةِ وَهُوَ عُمَرُ . قَوْلُهُ : ( وَقَعَ عَلَى وَلِيدَةٍ مِنَ الْخُمُسِ ) أَيْ مِنْ مَالِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِمَامِ ، وَالْمُرَادُ زَنَى بِهَا . قَوْلُهُ : ( فَاسْتَكْرَهَهَا حَتَّى اقْتَضَّهَا ) بِقَافٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الْقِضَّةٍ وَهِيَ عُذْرَةُ الْبِكْرِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بِكْرًا . قَوْلُهُ : ( فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ وَنَفَاهُ ) أَيْ جَلَدَهُ خَمْسِينَ جَلْدَةً وَنَفَاهُ نِصْفَ سَنَةٍ ، لِأَنَّ حَدَّهُ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَرَى أَنَّ الرَّقِيقَ يُنْفَى كَالْحُرِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْحُدُودِ . وَقَوْلُهُ : لَمْ يَجْلِدِ الْوَلِيدَةَ لِأَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ مُوسَى ، عَنِ اللَّيْثِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً ، وَوَقَعَ لِي عَالِيًا جِدًّا بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِ اللَّيْثِ فِيهِ سَبْعَةُ أَنْفُسٍ بِالسَّمَاعِ الْمُتَّصِلِ فِي أَزْيَدَ مِنْ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ ، قَرَأْتُهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الدَّقَّاقِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ نِعْمَةَ سَمَاعًا أَنْبَأَنَا أَبُو الْمُنَجَّا بْنُ عُمَرَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْوَقْتِ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنْبَأَنَا الْبَغَوِيُّ فَذَكَرَهُ ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ قَالَ : اسْتُكْرِهَتِ امْرَأَةٌ فِي الزِّنَا فَدَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا الْحَدَّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الْأَمَةِ الْبِكْرِ يَفْتَرِعُهَا ) بِفَاءٍ وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ يَقْتَضُّهَا . قَوْلُهُ : ( يُقِيمُ ذَلِكَ ) أَيِ الِافْتِرَاعَ ( الْحَكَمُ ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْحَاكِمُ . قَوْلُهُ : ( بِقَدْرِ ثَمَنِهَا ) أَيْ عَلَى الَّذِي اقْتَضَّهَا وَيُجْلَدُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَأْخُذُ مِنَ الْمُفْتَرِعِ دِيَةَ الِافْتِرَاعِ بِنِسْبَةٍ قِيمَتُهَا أَيْ : أَرْشُ النَّقْصِ ، وَهُوَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ كَوْنِهَا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ، وَقَوْلُهُ : يُقِيمُ بِمَعْنَى يُقَوِّمُ وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ : وَيُجْلَدُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْعُقْرَ يُغْنِي عَنِ الْجَلْدِ . قَوْلُهُ : ( وَلَيْسَ فِي الْأَمَةِ الثَّيِّبِ فِي قَضَاءِ الْأَئِمَّةِ غُرْمٌ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ أَيْ غَرَامَةٌ ، وَلَكِنْ عَلَيْهَا الْحَدُّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا اسْتُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا · ص 336 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا اسْتُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا · ص 337 6950 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ ، دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ - أَوْ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ - فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا ، فَأَرْسَلَ بِهَا ، فَقَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي ، فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ . ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي شَأْنِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَّةَ مَعَ الْجَبَّارِ ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . وقَوْلُهُ هُنَا الظَّالِمُ تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ : الْكَافِرُ وَقَوْلُهُ : غُطَّ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ غُمَّ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ وَقِيلَ خُنِقَ ، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَأُخِذَ مِنَ الْعَطْعَطَةِ وَهِيَ حِكَايَةُ صَوْتٍ ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَةِ الْجَبَّارِ ، وَالْمُرَادُ بِالْقَرْيَةِ حَرَّانُ وَقِيلَ الْأُرْدُنُّ وَقِيلَ مِصْرُ ، وَقَوْلُهَا إِنْ كُنْتُ لَيْسَ لِلشَّكِّ فَتَقْدِيرُهُ : إِنْ كُنْتُ مَقْبُولَةَ الْإِيمَانِ عِنْدَكَ ، وَقَوْلُهُ رَكَضَ أَيْ حَرَّكَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مَا كَانَ يَنْبَغِي إِدْخَالُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَصْلًا ، وَلَيْسَ لَهَا مُنَاسَبَةٌ لِلتَّرْجَمَةِ إِلَّا سُقُوطَ الْمَلَامَةِ عَنْهَا فِي الْخَلْوَةِ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُكْرَهَةً عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ ، وَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ أَنَّ سَارَّةَ - عَلَيْهَا السَّلَامُ - كَانَتْ مَعْصُومَةً مِنْ كُلِّ سُوءٍ أَنَّهَا لَا مَلَامَةَ عَلَيْهَا فِي الْخَلْوَةِ مُكْرَهَةً فَكَذَا غَيْرُهَا لَوْ زُنِيَ بِهَا مُكْرَهَةً لَا حَدَّ عَلَيْهَا . ( تَكْمِيلٌ ) : لَمْ يَذْكُرُوا حُكْمَ إِكْرَاهِ الرَّجُلِ عَلَى الزِّنَا ، وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ : عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَشِرُ إِلَّا بِلَذَّةٍ ، وَسَوَاءٌ أَكْرَهَهُ سُلْطَانٌ أَمْ غَيْرُهُ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُحَدُّ إِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ ، وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الِانْتِشَارَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالطُّمَأْنِينَةِ وَسُكُونِ النَّفْسِ ، وَالْمُكْرَهُ بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ خَائِفٌ ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ وَبِأَنَّ الْوَطْءَ يُتَصَوَّرُ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حد عليها · ص 104 باب إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حد عليها . أي هذا باب يذكر فيه إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا يجب الحد عليها لأنها مكرهة . لقوله تعالى وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ويروى : في قوله تعالى ، والأول أصوب ، وجه مناسبة الآية للترجمة من حيث إن فيها دلالة على أن لا إثم على المكرهة على الزنا ، فيلزم أن لا يجب عليها الحد . قوله : وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ أي بعد النهي بقوله تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ قوله : غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لهن ، وقد قرئ في الشاذ : فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم ، وهي قراءة ابن مسعود وجابر ، وسعيد بن جبير ، ونسبت أيضا إلى ابن عباس ، وقال الطيبي : يستفاد منه الوعيد الشديد للمكرهين لهن ، وفي ذكر المغفرة والرحمة تعريض ، وتقديره انتهوا أيها المكرهون ، فإنهن مع كونهن مكرهات قد يؤاخذن لولا رحمة الله ومغفرته ، فكيف بكم أنتم . وقال الليث : حدثني نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته أن عبدا من رقيق الإمارة وقع على وليدة من الخمس ، فاستكرهها حتى افتضها ، فجلده عمر الحد ، ونفاه ولم يجلد الوليدة من أجل أنه استكرهها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وتعليق الليث بن سعد الذي رواه عن نافع مولى ابن عمر وصله أبو القاسم البغوي عن العلاء بن موسى عن الليث ، وصفية بنت أبي عبيد الثقفية امرأة عبد الله بن عمر ويروى ابنة أبي عبيد . قوله الإمارة بكسر الهمزة أي من مال الخليفة ، وهو عمر رضي الله عنه . قوله من الخمس أي من مال خمس الغنيمة الذي يتعلق التصرف فيه بالإمام ، ومعنى قوله : وقع على وليدة زنا بها . قوله : افتضها أي أزال بكارتها ، ومادته قاف وضاد معجمة مأخوذة من القضة بكسر القاف ، وهي عذرة البكرة . وفيه أن عمر كان يرى نفي الرقيق كالحر من البلد ، يعني يغربه نصف سنة ؛ لأن حده نصف حد الحر في الجلد ، واختلفوا في وجوب الصداق لها ؛ فقال عطاء والزهري : نعم ، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وقال الشعبي : إذا أقيم عليها الحد فلا صداق لها ، وهو قول الكوفيين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حد عليها · ص 104 قال الزهري في الأمة البكر يفترعها الحر : يقيم ذلك الحكم من الأمة العذراء بقدر قيمتها ويجلد ، وليس في الأمة الثيب في قضاء الأئمة غرم ، ولكن عليه الحد . أي قال محمد بن مسلم الزهري إلى آخره . قوله : يفترعها بالفاء والراء والعين المهملة أي يفتضها . قوله : يقيم قال الكرماني : ويقيم إما بمعنى يقوم وإما من قامت الأمة مائة دينار إذا بلغت قيمتها . قوله : ذلك أي الافتراع . قوله : الحكم بفتحتين أي الحاكم . قوله : العذراء أي البكر . قوله : بقدر قيمتها أي على الذي افتضها ، ويروى بقدر ثمنها ، والمعنى أن الحاكم يأخذ من المفترع دية الافتراع نسبة قيمتها ، أي أرش النقص ، وهو التفاوت بين كونها بكرا وثيبا ، وفائدة قوله : ويجلد دفع توهم من يظن أن الغرم يغني عن الجلد . قوله : غرم أي غرامة ، وقول مالك كقول الزهري كما نقل عن المهلب .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حد عليها · ص 105 10 - حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هاجر إبراهيم بسارة دخل بها قرية فيها ملك من الملوك ، أو جبار من الجبابرة ، فأرسل إليه أن أرسل إلي بها ، فأرسل بها ، فقام إليها ، فقامت توضأ وتصلي ، فقالت اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي الكافر ، فغط حتى ركض برجله . مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث إنه كما لا ملامة عليها في الخلوة معه إكراها ، فكذلك المستكرهة في الزنا لا حد عليها ، كذا قاله الكرماني وصاحب التوضيح . قلت : الأقرب أن يقال وجه المطابقة من حيث إنه أكره إبراهيم عليه السلام على إرسالها إليه . وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . ومضى الحديث في آخر البيع ، وفي أحاديث الأنبياء عليهم السلام . قوله هاجر إبراهيم عليه السلام قال الكرماني : من العراق إلى الشام . قلت : قال أهل السير : من بيت المقدس إلى مصر ، وسارة أم إسحاق عليهما السلام . قوله : دخل بها قرية قال الكرماني : هي حران بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبالنون ، وهي كانت مدينة عظيمة تعدل ديار مصر في حد الجزيرة بين الفرات ودجلة ، واليوم هي خرابة . قيل : كان مولد إبراهيم بها ، وقول الكرماني قرية هي حران فيه نظر ، والذي ذكره أهل السير هي مصر ، ومما يؤيد هذا الذي ذكره قول من قال إن حران هي التي ولد فيها إبراهيم عليه السلام . قوله : أو جبار شك من الراوي . قوله : فأرسل إليه أي أرسل ذلك الجبار إلى إبراهيم عليه السلام ، فأرسل بها إبراهيم عليه السلام كرها . قوله : توضأ بضم الهمزة ، أصله تتوضأ ، فحذفت منه إحدى التاءين . قوله : إن كنت ليس على الشك ؛ لأنها لم تكن شاكة في إيمانها ، وإنما هو على خلاف مقتضى الظاهر ، فيؤول بنحو إن كنت مقبولة الإيمان . قوله : فغط بضم الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة ، أي خنق وصرع ، وقال الداودي : ورويناه هنا بالعين المهملة ، ويحتمل أن يكون من العطعطة ، وهي حكاية صوت ، وقال الشيباني : العطوط المغلوب ذكره الجوهري في باب العين المهملة . قوله : حتى ركض برجله أي حركه ودفع وجمع ، ولم يذكر البخاري حكم إكراه الرجل على الزنى ، فذهب الجمهور إلى أنه لا حد عليه ، وقال مالك وجماعة : عليه الحد ؛ لأنه لا تنتشر الآلة إلا بلذة ، وسواء أكرهه سلطان أو غيره ، وعن أبي حنيفة لا يحد إن أكرهه سلطان ، وخالفه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى .