70 - بَاب إِذَا بَكَى الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ 716 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : قُلْتُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ ؛ مِنَ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ ، فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ : قُولِي لَهُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ ؛ مِنَ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْ ، إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، قَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ : مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا بَكَى الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ ) أَيْ : هَلْ تَفْسُدُ أَوْ لَا ؟ وَالْأَثَرُ وَالْخَبَرُ اللَّذَانِ فِي الْبَابِ يَدُلَّانِ عَلَى الْجَوَازِ ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ أَنَّ الْبُكَاءَ وَالْأَنِينَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ . وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَ لِذِكْرِ النَّارِ وَالْخَوْفِ لَمْ يُفْسِدْ ، وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَصَحُّهَا إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ أَفْسَدَ وَإِلَّا فَلَا . ثَانِيهَا : وَحُكِيَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ ، وَلَا يَكَادُ يَبِينُ مِنْهُ حَرْفٌ مُحَقَّقٌ ، فَأَشْبَهَ الصَّوْتَ الْغُفْلَ . ثَالِثُهَا عَنِ الْقَفَّالِ : إِنْ كَانَ فَمُهُ مُطْبَقًا لَمْ يُفْسِدْ ، وَإِلَّا أَفْسَدَ إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي . وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَقْوَى دَلِيلًا . ( فَائِدَةٌ ) : أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : لَعَلَّ الْأَظْهَرَ فِي الضَّحِكِ الْبُطْلَانُ مُطْلَقًا ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ ، وَهَذَا أَقْوَى مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ) أَيِ : ابْنُ الْهَادِ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ لَهُ رُؤْيَةٌ ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ ) النَّشِيجُ - بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ - قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : نَشَجَ الْبَاكِي يَنْشِجُ نَشِيجًا إِذَا غُصَّ بِالْبُكَاءِ فِي حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِحَابٍ . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : النَّشِيجُ صَوْتٌ مَعَهُ تَرْجِيعٌ ، كَمَا يُرَدِّدُ الصَّبِيُّ بُكَاءَهُ فِي صَدْرِهِ . وَفِي الْمُحْكَمِ : هُوَ أَشَدُّ الْبُكَاءِ . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ بِهَذَا وَزَادَ : فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُهُ فِيهِ : مِنَ الْبُكَاءِ أَيْ : لِأَجْلِ الْبُكَاءِ . وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِنَا ، وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ . وَالْمِرْجَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ : الْقِدْرُ إِذَا غَلَتْ . وَالْأَزِيزُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا زَايٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ زَايٌ أَيْضًا : وَهُوَ صَوْتُ الْقِدْرِ إِذَا غَلَتْ وَفِي لَفْظٍ : كَأَزِيزِ الرَّحَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا بَكَى الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ · ص 241 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا بَكَى الإِمَامُ في الصَّلاَةِ · ص 243 70 - باب إذا بَكَى الإِمَامُ في الصَّلاَةِ وقال عبد الله بن شداد : سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف ، يقرأ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ الآية . روى سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد ، سمع عبد الله بن شداد بن الهاد يقول : سمعت عمر يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف ، فسمعت نشيجه ، وإني لفي آخر الصفوف ، وهو يقرأ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وروي من وجوه أخر : روى ابن جريج : أخبرني ابن أبي مليكة ، قالَ : أخبرني علقمة بن وقاص ، قالَ : كانَ عمر يقرأ في العشاء الآخرة بسورة يوسف ، وأنا في مؤخر الصف ، حتى إذا ذكر يوسف سمعت نشيجه . وروى جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أبي رافع ، قالَ : إني يوما مع عمر في صلاة الصبح ، وهو يقرأ السورة التي فيها يوسف ، وأنا في آخر صفوف الرجال مما يلي النساء ، وكان جهير القراءة ، فلما مر بهذه الآية : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ فبكى حتى انقطعت قراءته ، وسمعت نشيجه . وروى عبد الرحمن بن إسحاق ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر ، قالَ : صليت خلف عمر ، فسمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف . وفي رواية قالَ : غلب عمر البكاء وهو يصلي بالناس الصبح ، فسمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف . والنشيج : هوَ رفع الصوت بالبكاء ، قاله أبو عبيد وغيره . والخنين - بالخاء المعجمة - نحوه . قالَ البخاري : 716 - حدثنا إسماعيل ، قالَ : حدثني مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه قالَ : ( مروا أبا بكر فليصل بالناس ) ، قالت عائشة : قلت : إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل ، فقالَ : ( مروا أبا بكر فليصل للناس ) ، قالت عائشة : فقلت لحفصة : قولي له : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل للناس ، ففعلت حفصة ، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مه ، إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل بالناس ) ، فقالت حفصة : ما كنت لأصيب منك خيرا . مقصوده من إيراد هذا الحديث في هذا الباب : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس مع تكرار القول لهُ أنه إذا قام مقامه لا يسمع الناس من البكاء ، فدل على أن البكاء من خشية الله في الصلاة لا يضر الصلاة ، بل يزينها ؛ فإن الخشوع زينة الصلاة . وقد خرج البخاري في ( كتابه ) هذا حديث عائشة في ذكر الهجرة بطوله ، وفيه : ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، فكان يصلي فيهِ ويقرأ القرآن فيتقصف عليهِ نساء المشركين وأبناؤهم ، يتعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء ، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن . وروى حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن مطرف بن عبد الله ، عن أبيه ، قالَ : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل . خرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، وزاد : يعني : يبكي . وفي رواية للإمام أحمد : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء . وخرجه أبو داود كذلك . وهذا الإسناد على شرط مسلم . وقد دل القرآن على مدح الباكين من خشية الله في سجودهم ، فقالَ تعالى : وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وقال : خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا وقد اختلف العلماء في البكاء في الصلاة على ثلاثة أقوال : أحدها : إنه إن كانَ لخوف الله تعالى لم يبطل الصلاة ، وإن كانَ لحزن الدنيا ونحوه فهوَ كالكلام ، وهو قول أبي حنيفة وأحمد . ولأصحابنا وجه ضعيف : أنه إن كانَ عن غير غلبة أبطل . والمنصوص عن أحمد : إن كانَ عن غلبة لا بأس به . قالَ القاضي أبو يعلى : إن كانَ عن غلبة لم يكره ، وإن استدعاه كره ، قالَ : وإن كانَ معه نحيب أبطل . وهذا ليس في كلام الإمام أحمد ، ولو قيده بما إذا استدعاه لكان أجود . وقد قالَ ابن بطة من أصحابنا : إن التأوه في الصلاة من خشية الله لا يبطل . فالنحيب أولى . والقول الثاني : إنه لا يبطل بكل حال ، وليس هوَ كالكلام ؛ لأنه لا يسمى به متكلما ، وهو قول أبي يوسف . وكذا قالَ مالك في الأنين : لا يقطع صلاة المريض ، وأكرهه للصحيح . وقال أبو الثور : لا بأس بالأنين ، إلا أن يكون كلاما مفهوما . وتوقف الإمام أحمد في رواية المروذي ، والتباكي من مصيبة ، ولم يجزم بالبطلان . وقال في رواية أبي الحارث في الصلاة : إن كانَ غالبا عليهِ أكرهه . ومعنى قوله : ( غالبا ) - أي : كانَ مختارا لهُ ، قادرا على رده ، بحيث لم يغلبه الأنين ، ولم يقهره ، وظاهر كلامه أنه لا يبطل صلاته . وقال القاضي أبو يعلى : إنما أراد إذا كانَ أنينه ( عاليا ) من العلو أو رفع الصوت ؛ لما يخشى من الرياء به ، أو إظهار الضجر بالمرض ونحوه . وهذا الذي فسره تصحيف منه ، والله أعلم . والثالث : إنه كلام بكل حال ، حكي عن الشعبي والنخعي ومغيرة والثوري ، وإنما المنقول عنهم في الأنين ، ونقل عن الشعبي في التأوه . وهذا محمول على ما لم يكن من خشية الله ، فقد كانَ الثوري إذا قرأ في صلاته لم تفهم قراءته من شدة بكائه . وهو مذهب الشافعي ، وعنده : إن أبان به حرفان أبطل الصلاة ، وإلا كره ولم تبطل . وكذا قالَ أصحابنا في البكاء لحزن ونحوه إذا لم يغلب عليهِ ، فإن غلب عليهِ صاحبه ففي البطلان به وجهان . ولا يعرف عن الإمام أحمد اعتبار حرفين في ذَلِكَ ، قاله القاضي أبو يعلى ومن اتبعه . وما تقدم عن أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما - يدل على أن البكاء في الصلاة من خشية الله حسن جميل ، ويقبح أن يقال : لا يبطلها ؛ فإن ما كانَ زينة الصلاة وزهرتها وجمالها كيف يقنع بأن يقال فيهِ : غير مبطل ؟ ولم يزل السلف الصالح الخاشعون لله على ذَلِكَ . روى الإمام أحمد في ( كتاب الزهد ) بإسناده ، عن نافع ، قالَ : كانَ ابن عمر يقرأ في صلاته ، فيمر بالآية فيها ذكر الجنة ، فيقف عندها فيدعو ويسأل الله الجنة ، قالَ : ويدعو ويبكي ، قالَ : ويمر بالآية فيها ذكر النار ، فيدعو ويستجير بالله منها . وبإسناده ، عن ابن أبي مليكة ، قالَ : صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة ، قالَ : وكان إذا نزل قام ينتظر الليل ، فسأله أيوب : كيف كانت قراءته ؟ قالَ : قرأ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ فجعل يرتل ، ويكثر في ذَلِكَ النشيج . وروى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن القاسم بن محمد ، قالَ : كنت غدوت يوما فإذا عائشة قائمة تسبح - يعني : تصلي - وتبكي ، وتقرأ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ وتدعو وتبكي ، وترددها ، فقمت حتى مللت القيام ، فذهبت إلى السوق لحاجتي ، ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي ، تصلي وتبكي . والروايات في هذا عن التابعين ومن بعدهم كثيرة جدا ، وإنما ينكر ذَلِكَ من غلبت عليهِ الشقوة ، أو سبقت لهُ الشقوة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا بكى الإمام في الصلاة · ص 251 ( باب إذا بكى الإمام في الصلاة ) أي هذا باب ترجمته إذا بكى الإمام في الصلاة يعني هل تفسد أم لا ، ولم يذكر جواب إذا لما فيه من الخلاف ، والتفصيل على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى . ( وقال عبد الله بن شداد : سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) . عبد الله بن شداد بن الهاد تابعي كبير له رواية ، ولأبيه صحبة ، وقال الذهبي : عبد الله بن شداد بن أسامة بن الهاد الكناني الليثي العثواري من قدماء التابعين ، وقال في باب الشين : شداد بن الهاد ، واسم الهاد أسامة بن عمرو ، وقيل له الهاد لأنه كان يوقد النار في الليل ليهتدي إليه الأضياف ، وقيل الهاد لقب جده عمرو ، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن إسماعيل بن محمد بن سعد ، سمع عبد الله بن شداد بهذا ، وزاد : في صلاة الصبح ، وأخرجه ابن المنذر من طريق عبيد بن عمير ، قال : صلى عمر رضي الله تعالى عنه الفجر فافتتح سورة يوسف فقرأ : وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ فبكى حتى انقطع ثم رجع ، وقال البيهقي : أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن ، وأبو سعيد بن أبي عمرو ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج : سمعت ابن أبي مليكة يقول : أخبرني علقمة بن وقاص ، قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقرأ في العتمة بسورة يوسف عليه الصلاة والسلام ، وأنا في مؤخر الصف ، حتى إذا جاء ذكر يوسف سمعت نشيجه من مؤخر الصف ، قوله : ( نشيجه ) ، النشيج على وزن فعيل بفتح النون وكسر الشين المعجمة ، وفي آخره جيم من نشج الباكي ينشج نشجا إذا غص بالبكاء في حلقه أو تردد في صدره ولم ينتحب ، وكل صوت بدا كالنفحة فهو نشيج ، ذكره أبو المعالي في ( المنتهى ) ، وفي ( المحكم ) النشيج أشد البكاء ، وقيل : هي فاقة يرتفع لها النفس كالفواق ، وقال أبو عبيد : النشيج هو مثل بكاء الصبي إذا ردد صوته في صدره ولم يخرجه ، وفي ( مجمع الغرائب ) هو صوت معه توجع وتحزن ، وقال السفاقسي : أجاز العلماء البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى وخشيته ، واختلفوا في الأنين والتأوه ، قال ابن المبارك : إذا كان غالبا فلا بأس ، وعند أبي حنيفة : إذا ارتفع تأوهه أو بكاؤه فإن كان من ذكر الجنة والنار لم يقطعها ، وإن كان من وجع أو مصيبة قطعها ، وعن الشافعي وأبي ثور : لا بأس به إلا أن يكون كلاما مفهوما ، وعن الشعبي والنخعي : يعيد صلاته .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا بكى الإمام في الصلاة · ص 252 105 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في مرضه : مروا أبا بكر يصلي بالناس ، قالت عائشة : قلت : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل ، فقال : مروا أبا بكر فليصل للناس ، قالت عائشة لحفصة : قولي له : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل للناس ، ففعلت حفصة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مه إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل للناس ، قالت حفصة لعائشة : ما كنت لأصيب منك خيرا . مطابقته للترجمة من حيث إن عائشة أخبرت فيه أن أبا بكر إذا قام في مقام النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يبكي بكاء شديدا حتى لا يسمع الناس قراءته من شدة البكاء ؛ فإن قلت : هذا إخبار عما سيقع ، وليس فيه ما يدل على أنه بكى ، قلت : هي أخبرت عما شاهدته من بكائه في صلاته قبل ذلك ، وقاست على هذا أنه إذا قام مقام النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - يبكي أشد من ذلك لرؤيته خلو مكان النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - مع ما عنده من الرقة وسرعة البكاء ؛ فإن قلت : ما في الحديث شيء يدل على أن أبا بكر كان إماما فضلا عن أنه بكى وهو إمام ، قلت : جاء في حديث هذا الباب عن عائشة ، قلت : يا رسول الله ، إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه ، فثبت بهذا أنه كان يبكي إذا قرأ القرآن ، وثبت أنه كان إماما قبل أن يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان قرأ قبل ذلك ، والدليل عليه ما جاء فيه : فاستفتح النبي - صلى الله عليه وسلم - من حيث انتهى أبو بكر من القراءة ، فدل ذلك على أنه كان يبكي وهو يقرأ القرآن ، وأنه كان يقرأ وهو إمام إلى وقت مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فطابق الحديث الترجمة من هذه الحيثية فافهم ، فإن أحدا ما نبه على ذلك . ذكر بقية الكلام مما لم نذكره أما رجاله فقد مر ذكرهم غير مرة ، وإسماعيل ابن أويس الأصبحي المدني ابن أخت مالك بن أنس ، وكلهم . مدنيون ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، قوله : ( من البكاء ) كلمة من للتعليل أي لأجل البكاء ، وقال الكرماني في البكاء : أي لأجل البكاء ، وفي جاء للسببية أو هو حال أي كائنا في البكاء ، وهو من باب إقامة بعض حروف الجر مقام بعض ، قلت : هذا إنما يتوجه إذا صحت رواية في البكاء ، قوله : ( فمر عمر فليصل ) ، ويروى يصلي ، قوله : ( بالناس ) ، ويروى للناس ، قوله : ( ففعلت ) أي القول المذكور ، ولم تقل : فقالت كذا وكذا اختصارا ، قوله : ( مه ) كلمة زجر ، وقد تقدم فيما مضى .