856 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسا : مَا سَمِعْتَ نَبِيَّ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الثُّومِ ؟ فَقَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا ، أَوْ ، لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ . قَوْلُهُ : ( سَأَلَ رَجُلٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى إِطْلَاقِ الشَّجَرَةِ عَلَى الثُّومِ ، وَقَوْلُهُ : فَلَا يَقْرَبَنَّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَقْيِيدُ النَّهْيِ بِالْمَسْجِدِ فَيُسْتَدَلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى إِلْحَاقِ الْمَجَامِعِ بِالْمَسَاجِدِ كَمُصَلَّى الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ وَمَكَانِ الْوَلِيمَةِ ، وَقَدْ أَلْحَقَهَا بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ ، وَالتَّمَسُّكِ بِهَذَا الْعُمُومِ أَوْلَى ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ : وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، لَكِنْ قَدْ عُلِّلَ الْمَنْعُ فِي الْحَدِيثِ بِتَرْكِ أَذَى الْمَلَائِكَةِ وَتَرْكِ أَذَى الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا جُزْءَ عِلَّةٍ اخْتَصَّ النَّهْيُ بِالْمَسَاجِدِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ ، وَإِلَّا لَعَمَّ النَّهْيُ كُلَّ مَجْمَعٍ كَالْأَسْوَاقِ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْبَحْثَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ شَيْئًا فَلَا يَقْرَبْنَا فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : ذِكْرُ الصِّفَةِ فِي الْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهَا ، وَمِنْ ثَمَّ رَدَّ عَلَى الْمَازِرِيِّ حَيْثُ قَالَ : لَوْ أَنَّ جَمَاعَةَ مَسْجِدٍ أَكَلُوا كُلُّهمْ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْهُ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَكَلَ بَعْضُهُمْ ، لِأَنَّ الْمَنْعَ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِمْ بَلْ بِهِمْ وَبِالْمَلَائِكَةِ ، وَعَلَى هَذَا يَتَنَاوَلُ الْمَنْعُ مَنْ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ . وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَتْ فَرْضَ عَيْنٍ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لِأَنَّ اللَّازِمَ مِنْ مَنْعِهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ مُبَاحًا فَتَكُونُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ لَيْسَتْ فَرْضَ عَيْنٍ ، أَوْ حَرَامًا فَتَكُونُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فَرْضًا . وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى إِبَاحَةِ أَكْلِهَا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ الْجَمَاعَةُ فَرْضَ عَيْنٍ . وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ : أَكْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ جَائِزٌ ، وَمِنْ لَوَازِمِهِ تَرْكُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، وَتَرْكُ الْجَمَاعَةِ فِي حَقِّ آكِلِهَا جَائِزٌ ، وَلَازِمُ الْجَائِزِ جَائِزٌ وَذَلِكَ يُنَافِي الْوُجُوبَ . وَنُقِلَ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَوْ بَعْضِهِمْ تَحْرِيمُهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ ، وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فَرْضُ عَيْنٍ ، وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِتَرْكِ أَكْلِهَا ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، فَتَرْكُ أَكْلِ هَذَا وَاجِبٌ فَيَكُونُ حَرَامًا اهـ . وَكَذَا نَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْهُمْ بِأَنَّ أَكْلَهَا حَلَالٌ مَعَ قَوْلِهِ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ ، وَانْفَصَلَ عَنِ اللُّزُومِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ أَكْلِهَا مُخْتَصٌّ بِمَنْ عَلِمَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ قَبْلَ زَوَالِ الرَّائِحَةِ . وَنَظِيرُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فَرْضُ عَيْنٍ بِشُرُوطِهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ تَسْقُطُ بِالسَّفَرِ . وَهُوَ فِي أَصْلِهِ مُبَاحٌ ، لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ أَنْشَأَهُ بَعْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَيْضًا : قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَكْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنَ الْأَعْذَارِ الْمُرَخِّصَةِ فِي تَرْكِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الزَّجْرِ عَنْهَا فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عُذْرًا فِي تَرْكِهَا إِلَّا أَنْ تَدْعُوَ إِلَى أَكْلِهَا ضَرُورَةٌ . قَالَ : وَيَبْعُدُ هَذَا مِنْ وَجْهِ تَقْرِيبِهِ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفِي الزَّجْرَ اهـ . وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى حَالَتَيْنِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الزَّجْرَ وَقَعَ فِي حَقِّ مَنْ أَرَادَ إِتْيَانَ الْمَسْجِدِ ، وَالْإِذْنُ فِي التَّقْرِيبِ وَقَعَ فِي حَالَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذَلِكَ ، بَلْ لَمْ يَكُنِ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ إِذْ ذَاكَ بُنِيَ ، فَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ الزَّجْرَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ قِصَّةِ التَّقْرِيبِ بِسِتِّ سِنِينَ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَكْلَ الثُّومِ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عُقُوبَةٌ لِآكِلِهِ عَلَى فِعْلِهِ إِذْ حُرِمَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ اهـ . وَكَأَنَّهُ يَخُصُّ الرُّخْصَةَ بِمَا لَا سَبَبَ لِلْمَرْءِ فِيهِ كَالْمَطَرِ مَثَلًا ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكْلُهَا حَرَامًا ، وَلَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ . وَاسْتَدَلَّ الْمُهَلَّبُ بِقَوْلِهِ : فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْآدَمِيِّينَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ عَلَى بَعْضِ تَفْضِيلُ الْجِنْسِ عَلَى الْجِنْسِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ أَكْلُ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَا ؟ وَالرَّاجِحُ الْحِلُّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : الْفُجْلُ إِنْ كَانَ يَظْهَرُ رِيحُهُ فَهُوَ كَالثُّومِ . وَقَيَّدَهُ عِيَاضٌ بِالْجُشَاءِ . قُلْتُ : وَفِي الطَّبَرَانِيِّ الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ التَّنْصِيصُ عَلَى ذِكْرِ الْفُجْلِ فِي الْحَدِيثِ ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ رَاشِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ مَنْ بِفِيهِ بَخْرٌ أَوْ بِهِ جُرْحٌ لَهُ رَائِحَةٌ . وَزَادَ بَعْضُهُمْ فَأَلْحَقَ أَصْحَابَ الصَّنَائِعِ كَالسَّمَّاكِ ، وَالْعَاهَاتِ كَالْمَجْذُومِ ، وَمَنْ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ ، وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ تَوَسُّعٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ . ( فَائِدَةٌ ) : حُكْمُ رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا حُكْمُهُ ، وَلِذَلِكَ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا وَجَدَ رِيَحهَا فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ مَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ إِلَى الْبَقِيعِ كَمَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ( تَنْبَيهٌ ) : وَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا ، ثَلَاثًا . وَبَوَّبَ عَلَيْهِ : تَوْقِيتَ النَّهْيِ عَنْ إِتْيَانِ الْجَمَاعَةِ لِآكِلِ الثُّومِ وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : ثَلَاثًا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ ، أَيْ : قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ، لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ وُجُودُ الرَّائِحَةِ وَهِيَ لَا تَسْتَمِرُّ هَذِهِ الْمُدَّةَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّيِّ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ · ص 399 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث · ص 286 وأما حديث أنس : فقال : 856 - حدثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، قال : سأل رجل أنسا : ما سمعت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في الثوم ؟ فقال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ، ولا يصلين معنا . وخرجه في موضع آخر ، وقال : فلا يقربن مسجدنا . وفي النهي لمن أكلهما عن قربان الناس : دليل على أنه يكره له أن يغشى الناس حتى يذهب ريحها ، ولكن حضوره مجامع الناس للصلاة والذكر ومجالسته لأهل العلم والدين أشد كراهة من حضوره الأسواق ومجالسته الفساق . ولهذا في حديث جابر المتقدم : وليقعد في بيته . وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على زراعة بصل هو وأصحابه ، فنزل ناس منهم ، فأكلوا منه ، ولم يأكل آخرون ، فرحنا إليه ، فدعا الذين لم يأكلوا البصل ، وأخر الآخرين ، حتى ذهب ريحها . وقد روي عن عمر ، أنه قال : من أكل البصل والكراث فلا يأكله عند قراءة القرآن ، ولا عند حضور المساجد . خرجه عثمان الدارمي في كتاب الأطعمة . ومن أغرب ما روي في هذا الباب : ما خرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث حذيفة - بالشك في رفعه - : من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثا . وهذا مشكوك في رفعه . وقد رواه جماعة من الثقات ، فوقفوه على حذيفة بغير شك ، وهو الأظهر . والله أعلم . ويحتمل أن في الكلام حذفا ، تقديره : قالها ثلاثا . يعني : أنه أعاد هذه الكلمة ثلاث مرات . وقد دلت أحاديث هذا الباب على أن أكل الثوم غير محرم في الجملة ، وإنما ينهى من أكله عن دخول المسجد حتى يذهب ريحه ، وعلى هذا جمهور العلماء . وذهب إلى تحريم أكله طائفة قليلة من أهل الظاهر . وروي عن بعض المتقدمين - أيضا - والنصوص الصحيحة صريحة برد هذا الكلام . وأما كراهة أكل ذلك ، فمن العلماء من كره أكله نيئا حتى يطبخ ، منهم : عمر وابن عمر والنخعي ، وهو قول أحمد ، وقال : الثوم أشد . وروي عنه رواية ، أنه قال : لا أحب أكل الثوم خاصة ، وإن طبخ ، لأنه لا يذهب ريحه إذا طبخ ، قال : وإن أكله من علة فلا بأس ، وقال : الذي يأكلها يتجنب المسجد ، وكل ما له ريح ، مثل البصل والثوم والكراث والفجل فإنما أكرهه لمكان الصلاة . وسئل عن أكل ذلك بالليل ؟ فقال : أليس يتأذى به الملك . وظاهر هذا : يدل على كراهة أكل ما له ريح كريهة ، وإن كان وحده . وقد روي عن سعد بن أبي وقاص ، أنه كان إذا أراد أن يأكل الثوم بدا - يعني : خرج إلى البادية . وعن عكرمة ، قال : كنا نأكله ونخرج من الكعبة . خرجه ابن جرير الطبري . ولو أكله ، ثم دخل المسجد كره له ذلك . وظاهر كلام أحمد : أنه يحرم ، فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد : إن أكل وحضر المسجد أثم . وهو قول ابن جرير - أيضا - وأهل الظاهر وغيرهم . قال ابن جرير : وإذا وجد منه ريحة في المسجد ، فإن السلطان يتقدم إليه بالنهي عن معاودة ذلك ، فإن خالف وعاد ، أمر بإخراجه من البلد إلى أن تذهب منه الرائحة . واستدل بحديث عمر - رضي الله عنه - وقد سبق ذكره . وقد استدل قوم من العلماء بأحاديث هذا الباب على أن حضور الجماعة في المساجد ليست فرضا ؛ لأنها لو كانت فرضا لم يرخص في أكل الثوم وينهى من أكله عن حضور المسجد ، وجعلوا أكل هذه البقول التي لها ريح خبيثة عذرا يبيح ترك الجماعة . ورد عليهم آخرون : قال الخطابي : قد توهم هذا بعض الناس ؛ قال : وإنما هو - يعني : النهي عن دخول المسجد - توبيخ له وعقوبة على فعله إذ حرم فضيلة الجماعة . ونقل ابن منصور ، عن إسحاق ، قال : إن أكل الثوم من علة حادثة به فإن ذلك مباح ، وإن لم يكن علة لا يسعه أكله ، لكي لا يترك الجماعة . وهذا محمول على ما إذا أكله بقرب حضور الصلاة ويعلم [...] فريضة . ودخول المسجد مع بقاء ريح الثوم محرم ، وهو قول طائفة من أصحابنا وابن جرير وغيرهم من العلماء . ويشهد لهذا : أن الخمر قبل أن تحرم بالكلية كانت محرمة عند حضور الصلاة ، كيلا يمنع من الصلاة ، حيث كان الله قد أنزل فيها : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ فكان منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - ينادي : لا يقرب الصلاة سكران . وفي ضمن ذلك النهي عن السكر بقرب وقت الصلاة ، ثم حرمت بعد ذلك على الإطلاق بالآية التي في سورة المائدة . وقد تقدم نص أحمد بأنه قال : أكرهه في وقت الصلاة ، لمكان المسجد . وهذا يحتمل كراهة التنزيه ، وكراهة التحريم . وروى ابن وهب ، عن مالك ، أنه سئل عن أكل الثوم يوم الجمعة ؟ فقال : بئسما صنع حين أكل الثوم ، وهو ممن يجب عليه حضور الجمعة . وقد ذكرنا : أن هذا الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحة كريهة ، كالفجل وغيره ، وأن أحمد نص عليه . وكذلك قال مالك : الكراث كالثوم ، إذا وجدت ريحهما يؤذي . وألحق أصحاب مالك به : كل من له رائحة كريهة يتأذى بها ، كالحراث والحوات . وفيه نظر ، فإن هذا إثر عمل مباح ، وصاحبه محتاج إليه ، فينبغي أن يؤمر إذا شهد الصلاة في جماعته بالغسل وإزالة ما يتأذى برائحته منه ، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم ويلبسون الصوف ويفوح ريحهم بالغسل ، وأمرهم بشهود الجمعة في ثوبين غير ثوبي المهنة . وذكر ابن عبد البر ، عن بعض شيوخه ، أنه ألحق بأكل الثوم من كان أهل المسجد يتأذون بشهوده معهم من أذاه لهم بلسانه ويده ، لسفهه عليهم وإضراره بهم ، وأنه يمنع من دخول المسجد ما دام كذلك ، وهذا حسن . وكذلك يمنع المجذوم من مخالطة الناس في مساجدهم وغيره ؛ لما روي من الأمر بالفرار منه . والله أعلم . وفي تهذيب المدونة : ويقام الذي يقعد في المساجد يوم الخميس وغيره لقراءة القرآن . ولعل مراده : إذا كان يقرأ جهرا ، ويحصل بقراءته أذى لأهل المسجد ، ويشوش عليهم . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث · ص 149 237 - حدثنا أبو معمر ، قال : حدثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، قال : سأل رجل أنسا ما سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول في الثوم ؟ فقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أكل من هذه الشجرة ، فلا يقربن - أو لا يصلين - معنا . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله ، وهم أربعة ؛ الأول : أبو معمر ، بفتح الميمين ، عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المقعد البصري . الثاني : عبد الوارث بن سعيد العنبري البصري . الثالث : عبد العزيز بن صهيب البناني البصري . الرابع : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه السؤال ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه أن رجاله كلهم بصريون ، وفيه ذكر رجل لم يعرف اسمه . وأخرجه البخاري أيضا في الأطعمة عن مسدد ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن شيبان . ذكر معناه قوله : ما سمعت ، بلفظ الخطاب ، وكلمة ما استفهامية . قوله : يقول في الثوم ، ويروى : يذكر في الثوم . قوله : هذه الشجرة ، قد ذكرنا وجه إطلاق الشجرة على الثوم . قوله : فلا يقربن بفتح الراء والباء الموحدة ، وبنون التأكيد المشددة . قوله : ولا يصلين عطف عليه بنون التأكيد المشددة أيضا . قوله : معنا بسكون العين وفتحها ، ومعناه : مصاحبا لنا ؛ ويستفاد منه أن آكل الثوم لا يقرب أحدا حتى لا يتأذى برائحته سواء في الصلاة أو خارجها ، ويستفاد من قوله : ولا يصلين معنا جواز ترك الجماعة في المسجد وغيره ، وليس فيه تقييد النهي بالمسجد ولا تخصيص مسجد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك .