2- بَاب صَلَاةِ الْخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا . رَاجِلٌ : قَائِمٌ 943- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا . وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا ) قِيلَ : مَقْصُودُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَسْقُطُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ النُّزُولِ عَنِ الدَّابَّةِ وَلَا تُؤَخَّرُ عَنْ وَقْتِهَا ، بَلْ تُصَلَّى عَلَى أَيِّ وَجْهٍ حَصَلَتِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الْآيَةِ . قَوْلُهُ : ( رَاجِلٌ : قَائِمٌ ) يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ رِجَالًا جَمْعُ رَاجِلٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْقَائِمُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَاشِي أَيْضًا وَهُوَ الْمُرَادُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ بِقولِهِ تَعَالَى : يَأْتُوكَ رِجَالا أَيْ مُشَاةً ، وَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا إِذَا وَقَعَ الْخَوْفُ فَلْيُصَلِّ الرَّجُلُ عَلَى كُلِّ جِهَةٍ قَائِمًا أَوْ رَاكِبًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا ، وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَحَالَ عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا وَلَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ ، فَأَشْكَلَ الْأَمْرُ فِيهِ فَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مَعْنَاهُ أَنْ نَافِعًا رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِمَّا رَوَى مُجَاهِدٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، الْمَرْوِيُّ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هُوَ مَا إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا ، وَزِيَادَةُ نَافِعٍ عَلَى مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِلَخْ قَالَ : وَمَفْهُومُ كَلَامِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ مِثْلَ قَوْلِ مُجَاهِدٍ ، وَأَنَّ قَوْلَهُمَا مَثَلًا فِي الصُّورَتَيْنِ ، أَيْ فِي الِاخْتِلَاطِ وَفِي الْأَكْثَرِيَّةِ ، وَأَنَّ الَّذِي زَادَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ لَا نَافِعٌ اهـ . وَمَا نَسَبَهُ لِابْنِ بَطَّالٍ بَيِّنٌ فِي كَلَامِهِ إِلَّا الْمِثْلِيَّةَ فِي الْأَكْثَرِيَّةِ فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِابْنِ عُمَرَ وَكَلَامُ ابْنِ بَطَّالٍ هُوَ الصَّوَابُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَهُ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ : مَرْفُوعٌ وَمَوْقُوفٌ ، فَالْمَرْفُوعُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ يُرْوَى كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَالْمَوْقُوفُ مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ لَمْ يَرْوِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَا غَيْرِهِ ، وَلَمْ أَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لِلْكِرْمَانِيِّ أَنَّ مُجَاهِدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ لَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ، وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ إِذَا اخْتَلَطُوا يَعْنِي فِي الْقِتَالِ فَإِنَّمَا هُوَ الذِّكْرُ وَإِشَارَةُ الرَّأْسِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيُصَلُّونَ قِيَامًا وَرُكْبَانًا هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ خَلَفٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ مِثْلَ مَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ سَوَاءً ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ اخْتَلَطُوا : فَإِنَّمَا هُوَ الذِّكْرُ وَإِشَارَةُ الرَّأْسِ اهـ . وَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْبُخَارِيِّ قِيَامًا الْأُولَى تَصْحِيفٌ مِنْ قَوْلِهِ : فَإِنَّمَا وَقَدْ سَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بَيْنَ لَفْظِ مُجَاهِدٍ وَبَيَّنَ فِيهَا الْوَاسِطَةَ بَيْنَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَبَيْنَهُ ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : إِذَا اخْتَلَطُوا فَإِنَّمَا هُوَ الْإِشَارَةُ بِالرَّأْسِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِمِثْلِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا فَإِنَّمَا هُوَ الذِّكْرُ وَإِشَارَةُ الرَّأْسِ وَزَادَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَثُرُوا فَلْيُصَلُّوا رُكْبَانًا أَوْ قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا سَبَبُ التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ نَحْوَ قَوْلِ مُجَاهِدٍ لِأَنَّ بَيْنَ لَفْظِهِ وَبَيْنَ لَفْظِ ابْنِ عُمَرَ مُغَايَرَةً ، وَتَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ مُجَاهِدًا إِنَّمَا قَالَهُ بِرَأْيِهِ لَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ نَحْوَ سِيَاقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَإِذَا كَانَ خَوْفٌ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّ رَاكِبًا أَوْ قَائِمًا يُومِئُ إِيمَاءً وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَوْقُوفًا لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ وَأَخْبَرَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُخْبِرُ بِهَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاقْتَضَى ذَلِكَ رَفْعَهُ كُلَّهُ . وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ نَافِعٌ : لَا أَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَادَ فِي آخِرِهِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا كُلَّهُ بِغَيْرِ شَكٍّ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ : أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يُصَلِّي بِطَائِفَةٍ فَذَكَرَ نَحْوَ سِيَاقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ فَرِجَالًا وَرُكْبَانًا وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ هَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَالرَّاجِحُ رَفْعُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ إِنْ كَانَ الْعَدُوَّ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْخَوْفَ إِذَا اشْتَدَّ وَالْعَدُوَّ إِذَا كَثُرَ فَخِيفَ مِنَ الِانْقِسَامِ لِذَلِكَ جَازَتِ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، وَجَازَ تَرْكُ مُرَاعَاةِ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْكَانِ ، فَيَنْتَقِلُ عَنِ الْقِيَامِ إِلَى الرُّكُوعِ ، وَعَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى الْإِيمَاءِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَلَكِنْ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ : لَا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ حَتَّى يُخْشَى فَوَاتُ الْوَقْتِ ، وَسَيَأْتِي مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي ذَلِكَ بَعْدَ بَابٍ . ( تَنْبِيهٌ ) : ابْنُ جُرَيْجٍ سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنْ نَافِعٍ ، وَقَدْ أَدْخَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَافِعٍ ، مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ ، فَفِي هَذَا التَّقْوِيَةُ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي نَافِعٍ ، وَلِابْنِ جُرَيْجٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب صَلَاةِ الْخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا رَاجِلٌ قَائِمٌ · ص 500 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا · ص 19 2 - باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا راجلٌ : قائمٌ . 943 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي : أنا أبي : نا ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر - نحوا من قول مجاهد : إذا اختلطوا قياما . وزاد ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا . وخرج مسلم من حديث سفيان عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف في بعض أيامه ، فقامت طائفة معه ، وطائفة بإزاء العدو ، فصلى بالذين معه ركعة ، ثم ذهبوا ، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ، ثم قضت الطائفتان ركعة ، ركعة . قالَ : وقال ابن عمر : فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء . فجعل هذا الوجه من قول ابن عمر ، ولم يرفعه . وروى أبو إسحاق الفزاري ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر الحديث مرفوعا ، ولم يذكر في آخره : فإذا كان خوف أكثر من ذلك - إلى آخره . وخرج ابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث جرير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف ، فذكر صفتها بمعنى حديث موسى بن عقبة ، وقال في آخر الحديث : فإن كان خوفا أشد من ذلك فرجالا أو ركبانا . وقد خالف جريرا يحيى القطان وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر وغيرهم ، رووه عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، موقوفا كله . ورواه مالك في الموطأ ، عن نافع ، عن ابن عمر - في صفة صلاة الخوف بطوله - وفي آخره : فإن كان خوفا هو أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم ، أو ركبانا ، مستقبلي القبلة ، أو غير مستقبليها . قال مالك : قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلّا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وخرجه البخاري في التفسير من طريق مالك كذلك . قال ابن عبد البر : رواه مالك ، عن نافع ، على الشك في رفعه ، ورواه عن نافع جماعة لم يشكوا في رفعه ، منهم : ابن أبي ذئب وموسى بن عقبة وأيوب بن موسى . وذكر الدارقطني : أن إسحاق الطباع رواه عن مالك ورفعه من غير شك . وهذا الحديث ينبغي أن يضاف إلى الأحاديث التي اختلف في رفعها نافع وسالم ، وهي أربعة سبق ذكرها بهذا الاختلاف في رفع أصل الحديث في صلاة الخوف عن نافع . وبقي اختلاف آخر ، وهو : في قوله في آخر الحديث : فإن كان خوفا أكثر من ذَلِكَ إلى آخره ؛ فإن هذا قد وقفه بعض من رفع أصل الحديث ، كما وقفه سفيان ، عن موسى بن عقبة ، وجعله مدرجًا في الحديث . وقد ذكر البخاري : أن ابن جريج رفعه عن موسى ، وخرجه من طريقه كذلك . وأما قول مجاهد المشار إليه في رواية البخاري : روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا إذا وقع الخوف صلى على كل وجهةٍ ، قائما أو راكبا أو ما قدر ، ويومئ برأسه ، ويتكلم بلسانه . وروى أبو إسحاق الفزاري ، عن ابن أبي أنيسة ، عن أبي الزبير ، قال : سمعت جابرا سُئل عن الصلاة عند المسايفة ؟ قالَ : ركعتين ركعتين ، حيث توجهت على دابتك تومئ إيماء . ابن أبي أنيسة ، أظنه : يحيى ، وهو ضعيف . وخرجه الإسماعيلي في صحيحه ، وخرجه من طريقه البيهقي ، من رواية حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، عن ابن كثير ، عن مجاهد ، قالَ : إذا اختلطوا ، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس . قال ابن جريج : حدثني موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بمثل قول مجاهد : إذا اختلطوا ، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس . وزاد : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : فإن كثروا فليصلوا ركبانا أو قياما على أقدامهم يعني : صلاة الخوف . وخرجه - أيضا - من رواية سعيد بن يحيى الأموي ، عن أبيه ، عن ابن جريج ، ولفظه : عن ابن عمر - نحوًا من قول مجاهد : إذا اختلطوا ، فإنما هو الذكر وإشارة بالرأس . وزاد ابن عمر : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا . كذا قرأته بخط البيهقي . وخرجه أبو نعيم في مستخرجه على صحيح البخاري من هذا الوجه ، وعنده : قياما وركبانا وهو أصح . وهذه الرواية أتم من رواية البخاري . ومقصود البخاري بهذا : أن صلاة الخوف تجوز على ظهور الدواب للركبان ، كما قال تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا ويعني : رجالا : قياما على أرجلهم ، فهو جمع راجل ، لا جمع رجل ، و الركبان : على الدواب . وقد خرج فيه حديثا مرفوعًا . وقد روي عن ابن عمر وجابر ، كما سبق . وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن المطلوب يصلي على دابته - كذلك قال عطاء بن أبي رباح ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور - وإذا كان طالبا نزل فصلى بالأرض . قال الشافعي : إلا في حال واحدة ، وذلك أن يقل الطالبون عن المطلوبين ، ويقطع الطالبون عن أصحابهم ، فيخافون عودة المطلوبين عليهم ، فإذا كانوا هكذا كان لهم أن يصلوا يومئون إيماءً . انتهى . وممن قال : يصلي على دابته ويومئ : الحسن والنخعي والضحاك ، وزاد : أنه يصلي على دابته طالبا كان أو مطلوبًا ، وكذا قال الأوزاعي . واختلفت الرواية عن أحمد : هل يصلي الطالب على دابته ، أم لا يصلي إلا على الأرض ؟ على روايتين عنه ، إلا أن يخاف الطالب المطلوب ، كما قال الشافعي ، وهو قول أكثر العلماء . قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : أما المطلوب ، فلا يختلف القول فيه ، أنه يصلي على ظهر الدابة ، واختلف قوله في الطالب فقالوا عنه : ينزل فيصلي على الأرض ، وإن خاف على نفسه صلى وأعاد ، وإن أخر فلا بأس ، والقول الآخر : أنه إذا خاف أن ينقطع عن أصحابه أن يعود العدو عليه ، فإنه يصلي على ظهر دابته ، فإنه مثل المطلوب لخوفه ، وبه أقول . انتهى . وما حكاه عن أحمد من أن الطالب إذا خاف فإنه يصلي ويعيد ، فلم يذكر به نصا عنه ، بل قد نص على أنه مثل المطلوب . قال - في رواية أبي الحارث - : إذا كان طالبا وهو لا يخاف العدو ، فما علمت أحدا رخص له في الصلاة على ظهر الدابة ، فإن خاف إن نزل أن ينقطع من الناس ، ولا يأمن العدو فليصل على ظهر دابته ويلحق بالناس ، فإنه في هذه الحال مثل المطلوب . ونقل هذا المعنى عنه جماعة ، منهم : أبو طالب والأثرم . وله أن يصلي مستقبل القبلة وغير مستقبلها على حسب القدرة . وفي وجوب استفتاح الصلاة إلى القبلة روايتان عن أحمد : فمن أصحابنا من قال : الروايتان مع القدرة ، فأما مع العجز فلا يجب رواية واحدة . وقال أبو بكر عبد العزيز عكس ذلك ، قالَ : يجب مع القدرة ، ومع عدم الإمكان ، روايتان . وهذا بعيد جدا - أعني : وجوب الاستفتاح إلى القبلة مع العجز ، ولعل فائدة إيجاب الإعادة بدونه . ولهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف رجالا وركبانا في جماعة ، نص عليه أحمد ، وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : لا يصلون جماعة بل فرادى ؛ لأن المحافظة على الموقف والمتابعة لا تمكن . وقال أصحابنا ومن وافقهم : يعفى عن ذلك هاهنا ، كما يعفى عن استدبار القبلة والمشي في صلوات الخوف ، وإن كان مع الانفراد يمكن ترك ذَلِكَ . قالوا : ومتى تعذرت المتابعة لم تصح الجماعة بلا خلاف .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب صلاة الخوف رجالا وركبانا · ص 257 ( باب صلاة الخوف رجالا وركبانا ) أي هذا باب في بيان حكم صلاة الخوف حال كون المصلين رجالا وركبانا ، فالرجال جمع راجل ، والركبان جمع راكب ، وذلك عند الاختلاط ، وشدة الخوف ، وأشار بهذه الترجمة إلى أن الصلاة لا تسقط عند العجز عن النزول عن الدابة ، فإنهم يصلون ركبانا فرادى يومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاؤوا ، وفي « الذخيرة » : إذا اشتد الخوف صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة ، وغير مستقبليها ، وقال القاضي عياض في « الإكمال » : لا يجوز ترك استقبال القبلة فيها عند أبي حنيفة ، وهذا غير صحيح ، ولا تجوز بجماعة عند أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وابن أبي ليلى ، وعن محمد تجوز ، وبه قال الشافعي ، وإذا لم يقدروا على الصلاة على ما وصفنا أخروها ، ولا يصلون صلاة غير مشروعة ، وعن مجاهد ، وطاوس ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك يصلون ركعة واحدة لا بإيماء ، وعن الضحاك : فإن لم يقدروا يكبرون تكبيرتين حيث كانت وجوههم ، وقال إسحاق : إن لم يقدروا على الركعة فسجدة واحدة ، وإلا فتكبيرة واحدة . ( راجل قائم ) . أشار بهذا إلى شيئين أحدهما : أن رجالا في الترجمة جمع راجل لا جمع رجل ، والثاني : أن الراجل بمعنى الماشي كما في سورة الحج يَأْتُوكَ رِجَالا 66 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، نحوا من قول مجاهد : إذا اختلطوا قياما ، وزاد ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص القرشي يكنى أبا عثمان البغدادي ، مات في النصف من ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين ، الثاني : أبوه يحيى بن سعيد المذكور ، قال البخاري : حدثني سعيد بن يحيى أنه قال : مات أبي في النصف من شعبان سنة أربع وتسعين ومائة ، الثالث عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، الرابع : موسى بن عقبة بن أبي عياش مولى الزبير بن العوام مات سنة أربعين ومائة ، الخامس : نافع مولى ابن عمر ، السادس : عبد الله بن عمر ، السابع : مجاهد بن جبير . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وهي قوله : «حدثني أبي» ، ويروى بصيغة الجمع أيضا ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه بغدادي ، وأبوه كوفي ، وابن جريج ومجاهد مكيان ، وموسى ، ونافع مدنيان ، وفيه أن أحد الرواة منسوب إلى جده . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، والنسائي عن عبد الأعلى بن واصل كلاهما عن يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن موسى بن عقبة ، فذكر صلاة الخوف نحو سياق الزهري ، عن سالم ، وقال في آخره : قال ابن عمر : فإذا كان الخوف أكثر من ذلك ، فليصل راكبا أو قائما يومئ إيماء ، ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن ، عن موسى بن عقبة موقوفا كله ، لكن قال في آخره : وأخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر كان يخبر بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فاقتضى ذلك رفعه كله ، ورواه مالك في «الموطأ» عن نافع كذلك ، لكن قال في آخره : قال نافع : لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وزاد في آخره : مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها . ( ذكر معناه ) قوله : "عن نافع عن ابن عمر نحوا من قول مجاهد" أي روى نافع عن ابن عمر مثل قول مجاهد ، وقول مجاهد هو قوله : «إذا اختلطوا» بين ذلك الإسماعيلي من رواية حجاج بن محمد ، عن ابن محمد ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد قال : إذا اختلطوا ، فإنما هو الإشارة بالرأس ، قال ابن جريج : حدثني موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر بمثل قول مجاهد : إذا اختلطوا ، فإنما هو الذكر ، وإشارة الرأس ، وكل واحد من قول ابن عمر ، وقول مجاهد موقوف ، أما رواية نافع ، عن ابن عمر فإنها موقوفة على ابن عمر ، وأما قول مجاهد فإنه موقوف على نفسه لأنه لم يروه عن ابن عمر ولا عن غيره ، وقال ابن بطال : أما صلاة الخوف رجالا وركبانا فلا تكون إلا إذا اشتد الخوف واختلطوا في القتال ، وهذه الصلاة تسمى بصلاة المسايفة ، وممن قال بذلك ابن عمر ، وإن كان خوفا شديدا صلوا قياما على أقدامهم ، أو ركبانا مستقبلي القبلة ، أو غير مستقبليها ، وهو قول مجاهد ، روى ابن جريج عن مجاهد قال : إذا اختلطوا ، فإنما هو الذكر والإشارة بالرأس ، فمذهب مجاهد أنه يجزيه الإيماء عند شدة القتال ، كمذهب ابن عمر ، وقول البخاري ، وزاد ابن عمر : عن النبي صلى الله عليه وسلم : "وإن كانوا أكثر من ذلك ، فليصلوا قياما وركبانا" ، أراد به أن ابن عمر رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس من رأيه ، وإنما هو مسند ، وهذا هو التحقيق في هذا المقام ، وليس أحد من الشراح غير ابن بطال أعطى لهذا الحديث حقه ، قوله : "إذا اختلطوا قياما" ، أي قائمين ، وانتصابه على الحال ، وذو الحال محذوف تقديره : يصلون قياما ، والمراد من الاختلاط اختلاط المسلمين بالعدو ، قوله : "وإن كانوا أكثر من ذلك" أي وإن كان العدو أكثر عند اشتداد الخوف ، وقوله : "من ذلك" أي من الخوف الذي لا يمكن معه القيام في موضع ، ولا إقامة صف ، فليصلوا حينئذ قياما وركبانا ، أي قائمين وراكبين ، وانتصابهما على الحال ، ومعنى ركبانا أي على رواحلهم ، لأن فرض النزول سقط ، وقال الطحاوي : ذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلي الفريضة على دابته ، وإن كان في حال لا يمكنه فيها النزول ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل يوم الخندق راكبا . والحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ، وهو ما روي عن حذيفة قال : "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق : شغلونا عن صلاة العصر ، قال : ولم يصلها يومئذ حتى غربت الشمس ملأ الله قبورهم نارا ، وقلوبهم نارا ، وبيوتهم نارا" هذا لفظ الطحاوي ، قلت : وأراد الطحاوي بالقوم ابن أبي ليلى ، والحكم بن عتيبة ، والحسن بن حي ، وقال : وخالفهم في ذلك آخرون ، وأراد بهم الثوري ، وأبا حنيفة ، وأبا يوسف ، ومحمدا ، وزفر ومالكا ، وأحمد ، فإنهم قالوا : إن كان الراكب في الحرب يقاتل لا يصلي ، وإن كان راكبا لا يقاتل ، ولا يمكنه النزول يصلي ، وعند الشافعي يجوز له أن يقاتل وهو يصلي من غير تتابع الضربات والطعنات ، ثم قال الطحاوي : وقد يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل يومئذ لأنه لم يكن أمر حينئذ أن يصلي راكبا دل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري أنه قال : حبسنا يوم الخندق حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل حتى كفينا ، وذلك قول الله عز وجل : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا ، فأقام الظهر ، فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ، ثم أمره ، فأقام العصر ، فصلاها كذلك ، ثم أمره ، فأقام المغرب فصلاها كذلك ، وذلك قبل أن ينزل الله عز وجل في صلاة الخوف : فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فأخبر أبو سعيد أن تركهم للصلاة يومئذ ركبانا إنما كان قبل أن يباح لهم ذلك ، ثم أبيح لهم بهذه الآية .