29 - بَاب لَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ إِلَّا اللَّهُ ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ . 1039 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِفْتَاحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ : لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْحَامِ ، وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ) عَقَّبَ التَّرْجَمَةَ الْمَاضِيَةَ بِهَذِهِ لِأَنَّ تِلْكَ تَضَمَّنَتْ أَنَّ الْمَطَرَ إِنَّمَا يَنْزِلُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْكَوَاكِبِ فِي نُزُولِهِ ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ إِلَّا هُوَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْإِيمَانِ وَفِي تَفْسِيرِ لُقْمَانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ ، لَكِنْ لَفْظُهُ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي التَّفْسِيرِ بِلَفْظِ وَخَمْسٌ وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الْبَجَلِيِّ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : خَمْسٌ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( مِفْتَاحُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَفَاتِحُ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَّا اللَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِنُزُولِ الْمَطَرِ وَقْتًا مُعَيَّنًا لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ لُقْمَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( خَاتِمَةٌ ) : اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ الِاسْتِسْقَاءِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا ، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا تِسْعَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ ، الْمُكَرَّرُ فِيهَا وَفِيمَا مَضَى سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا ، وَالْخَالِصُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِيهِ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ وَحَدِيثِ أَنَسٍ ، عَنْ عُمَرَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالْعَبَّاسِ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى رِجْلَيْهِ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي صِفَةِ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ - وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَ أَصْلَهُ - وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ صَيِّبًا نَافِعًا وَأَصْلُهُ أَيْضًا فِيهِ وَحَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا انْفَرَدَ بِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ أَثَرَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ إِلَّا اللَّهُ · ص 609 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله · ص 342 29 - باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله وقال أبو هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : خمس لا يعلمهن إلا الله . حديث أبي هريرة هذا ، قد خرجه في كتاب : الإيمان في حديث سؤال جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام والإيمان والإحسان ، وأنه تلا عند ذلك هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ الآية ، وقد تقدم ذكره والكلام عليه .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله · ص 342 1039 - حدثنا محمد بن يوسف ، نا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : مفتاح الغيب خمس ، لا يعلمها إلا الله ، لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ، ولا تعلم نفس ما تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ، وما يدري أحد متى يجيء المطر . قد سبق في الباب المشار إليه : الإشارة إلى اختصاص الله بعلم هذه الخمس ، التي هي مفاتح الغيب ، التي قال فيها : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وهذه الخمس المذكورة في حديث ابن عمر ، ليس فيها علم الساعة ، بل فيها ذكر متى يجيء المطر ، بدل الساعة . وهذا مما يدل على أن علم الله الذي استأثر به دون خلقه لم ينحصر في خمس ، بل هو أكثر من ذلك ، مثل علمه بعدد خلقه ، كما قال : وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ ومثل استئثاره بعلمه بذاته وصفاته وأسمائه ، كما قال : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وفي حديث ابن مسعود - في ذكر أسمائه - : أو استأثرت به في علم الغيب عندك . وإنما ذكرت هذه الخمس لحاجة الناس إلى معرفة اختصاص الله بعلمها ، والعلم بمجموعها مما اختص الله بعلمه ، وكذلك العلم القاطع بكل فرد فرد من أفرادها . وأما الاطلاع على شيء يسير من أفرادها بطريق غير قاطع ، بل يحتمل الخطأ والإصابة فهو غير منفي ؛ لأنه لا يدخل في العلم الذي اختص الله به ، ونفاه عن غيره . وتقدم - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتي علم كل شيء ، إلا هذه الخمس . فأما إطلاع الله سبحانه له على شيء من أفرادها ، فإنه غير منفي - أيضا - وهو داخل في قوله تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ الآية . ولكن علم الساعة مما اختص الله به ، ولم يطلع عليه غيره ، كما تقدم في حديث سؤال جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك جملة العلم بما في غد . وقد قالت جارية بحضرته - صلى الله عليه وسلم - : وفينا نبي يعلم ما في غد ، فنهاها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول ذلك . وقد خرجه البخاري في النكاح . وأما العلم بما في الأرحام ، فينفرد الله تعالى بعلمه ، قبل أن يأمر ملك الأرحام بتخليقه وكتابته ، ثم بعد ذلك قد يطلع الله عليه من يشاء من خلقه ، كما أطلع عليه ملك الأرحام . فإن كان من الرسل فإنه يطلع عليه علما يقينا ، وإن كان من غيرهم من الصديقين والصالحين ، فقد يطلعه الله تعالى عليه ظاهرا . كما روى الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال لها - في كلام ذكره - : إنما هو أخواك وأختاك ، قالت : فقلت هذا أخواي ، فمن أختاي ؟ قال : ذو بطن ابنة خارجة ، فإني أظنها جارية . ورواه هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها قالت له عند ذلك : إنما هي أسماء ؟ فقال : وذات بطن بنت خارجة ، أظنها جارية . ورواه هشام ، عن أبيه : قد ألقي في روعي ، أنها جارية ، فاستوصي بها خيرا ، فولدت أم كلثوم . وأما علم النفس بما تكسبه غدا ، وبأي أرض تموت ، ومتى يجيء المطر ، فهذا على عمومه لا يعلمه إلا الله . وأما الاطلاع على بعض أفراده ، فإن كان بإطلاع من الله لبعض رسله ، كان مخصوصا من هذا العموم ، كما أطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على كثير من الغيوب المستقبلة ، وكان يخبر بها . فبعضها يتعلق بكسبه ، مثل إخباره أنه يقتل أمية بن خلف ، وأخبر سعد بن معاذ بذلك أمية بمكة ، وقال أمية : والله ، ما يكذب محمد . وأكثره لا يتعلق بكسبه ، مثل إخباره عن الصور المستقبلة في أمته وغيرهم ، وهو كثير جدا . وقد أخبر بتبوك ، أنه تهب الليلة ريح شديدة ، فلا يقومن أحد ، وكان كذلك . والاطلاع على هبوب بعض الرياح نظير الاطلاع على نزول بعض الأمطار في وقت معين . وكذلك إخباره - صلى الله عليه وسلم - ابنته فاطمة في مرضه ، أنه مقبوض من مرضه . وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة . خرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ، والنسائي من حديث أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وهو دليل على أنه علم موضع موته ودفنه . وقد روي عنه ، أنه قال : لم يقبض نبي إلا دفن حيث يقبض . خرجه ابن ماجه وغيره . وأما إطلاع غير الأنبياء على بعض أفراد ذلك فهو - كما تقدم - لا يحتاج إلى استثنائه ؛ لأنه لا يكون علما يقينا ، بل ظنا غالبا ، وبعضه وهم ، وبعضه حدس وتخمين ، وكل هذا ليس بعلم ، فلا يحتاج إلى استثنائه مما انفرد الله سبحانه وتعالى بعلمه ، كما تقدم . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله · ص 60 باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله أي هذا باب ترجمته لا يدري وقت مجيء المطر إلا الله ، ولما كان الباب السابق يتضمن أن المطر إنما ينزل بقضاء الله تعالى ، وأنه لا تأثير للكواكب في نزوله ، ذكر هذا الباب بهذه الترجمة ليبين أن أحدا لا يعلم متى يجيء ، ولا يعلم ذلك إلا الله عز وجل ؛ لأن نزوله إذا كان بقضائه ، ولا يعلمه أحد غيره ، فكذلك لا يعلم أحد إبان مجيئه . وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : خمس لا يعلمهن إلا الله . هذا قطعة من حديث وصله البخاري في الإيمان ، وفي تفسير لقمان من طريق أبي زرعة ، عن أبي هريرة في سؤال جبريل عليه الصلاة والسلام عن الإيمان ، والإسلام ، لكن لفظه في خمس لا يعلمهن إلا الله ، ووقع في بعض الروايات في التفسير بلفظ : وخمس ، وروى ابن مردويه في التفسير من طريق يحيى بن أيوب البجلي عن جده عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة رفعه : خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله : إن الله عنده علم الساعة ، إلى آخر الآية . 78 - حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : لا يعلم أحد ما يكون في غد ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ، وما يدري أحد متى يجيء المطر . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ومحمد بن يوسف هو الفريابي ، وسفيان هو الثوري ، وقد رواه البخاري مطولا في باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ، والإسلام ، ولفظه فيه : في خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية . قوله : مفتاح الغيب ، وفي رواية الكشميهني : مفاتح الغيب ، ذكر الطبراني أن المفاتيح جمع مفتاح ، والمفاتح جمع مفتح ، وهما في الأصل كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها ، وهو إما استعارة مكنية بأن يجعل الغيب كالمخزن المستوثق بالإغلاق فيضاف إليه ما هو من خواص المخزن المذكور ، وهو المفتاح ، وهو الاستعارة الترشيحية ، ويجوز أن يكون استعارة مصرحة بأن يجعل ما يتوصل به إلى معرفة الغيب للمخزون ، ويكون لفظ الغيب قرينة له ، والغيب ما غاب عن الخلق ، وسواء كان محصلا في القلوب ، أو غير محصل ، ولا غيب عند الله عز وجل . وهاهنا أسئلة ، الأول : أن الغيوب التي لا يعلمها إلا الله كثيرة ، ولا يعلم مبلغها إلا الله تعالى ، وقال الله تعالى : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ فما وجه التخصيص بالخمس ، وأجيب بأوجه ، الأول : أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد . والثاني : أن ذكر هذا العدد في مقابلة ما كان القوم يعتقدون أنهم يعرفون من الغيب هذه الخمس . والثالث : لأنهم كانوا يسألونه عن هذه الخمس ، والرابع : أن أمهات الأمور هذه ؛ لأنها إما أن تتعلق بالآخرة ، وهو علم الساعة ، وإما بالدنيا ، وذلك إما متعلق بالجماد ، أو بالحيوان . والثاني : إما بحسب مبدأ وجوده ، أو بحسب معاده ، أو بحسب معاشه . السؤال الثاني : من أين يعلم منه علم الساعة ، وقد ذكر الله الخمسة حيث قال : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وأجيب بأن الأول من هذه إشارة إليه ، إذ يحتمل وقوع أشراط الساعة في الغد . السؤال الثالث : أنه قال في الموضعين نفس ، وفي ثلاثة مواضع أحد ، وأجيب بأن النفس هي الكاسبة ، وهي المائتة ، قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وقال تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا فلو قيل بدلها لفظ أحد فيها لاحتمل أن يفهم منه لا يعلم أحد ماذا تكسب نفسه ، أو بأي أرض تموت نفسه فتفوت المبالغة المقصودة ، وهي أن النفس لا تعرف حال نفسها لا حالا ، ومآلا ، وإذ لم يكن لها طريق إلى معرفتها، فكان إلى عدم معرفة ما عداها أولى . السؤال الرابع : ما الفرق بين العلم ، والدراية ، وأجيب بأن الدراية أخص ؛ لأنها علم باحتيال ، أي إنها لا تعرف وإن أعملت حيلها . السؤال الخامس : لم عدل عن لفظ القرآن ، وهو يدري إلى لفظ يعلم في ماذا تكسب غدا ، وأجيب لإرادة زيادة المبالغة إذ نفي العام مستلزم لنفي الخاص بدون العكس ، فكأنه قال : لا تعلم أصلا ، سواء احتالت أم لا وقال ابن بطال : وهذا يبطل خرص المنجمين في تعاطيهم علم الغيب ، فمن ادعى علم ما أخبر الله ، ورسوله ، وأن الله منفرد بعلمه ، فقد كذب الله ، ورسوله ، وذلك كفر من قائله ، وقال الزجاج : من ادعى أنه يعلم شيئا من هذه الخمس ، فقد كفر بالقرآن العظيم .