10 - بَاب مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُوجِبْ السُّجُودَ وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا . قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا . كَأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ : وَقَالَ سَلْمَانُ : مَا لِهَذَا غَدَوْنَا . وَقَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَهَا . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا يَسْجُدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا ، فَإِذَا سَجَدْتَ وَأَنْتَ فِي حَضَرٍ فَاسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ ، فَإِنْ كُنْتَ رَاكِبًا فَلَا عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ . وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ لَا يَسْجُدُ لِسُجُودِ الْقَاصِّ . 1077 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَكَانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ - عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ ، قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ . وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَزَادَ نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ ) أَيْ وَحَمَلَ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ اسْجُدُوا عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سُجُودُ الصَّلَاةِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الْوُجُوبِ وَفِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ عَلَى النَّدْبِ ، عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ . وَمِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ مِنْ أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ مِنْهَا مَا هُوَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَمِنْهَا مَا هُوَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الَّتِي بِصِيغَةِ الْأَمْرِ هَلْ فِيهَا سُجُودٌ أَوْ لَا ، وَهِيَ ثَانِيَةُ الْحَجِّ وَخَاتِمَةُ النَّجْمِ وَاقْرَأْ ، فَلَوْ كَانَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَاجِبًا لَكَانَ مَا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَوْلَى أَنْ يُتَّفَقَ عَلَى السُّجُودِ فِيهِ مِمَّا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ . قَوْلُهُ : ( وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقٍ مُطَرِّفٍ قَالَ : سَأَلْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَدْرِي أَسَمِعَ السَّجْدَةَ أَوْ لَا ؟ فَقَالَ : وَسَمِعَهَا أَوْ لَا فَمَاذَا ؟ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّ عِمْرَانَ مَرَّ بِقَاصٍّ فَقَرَأَ الْقَاصُّ السَّجْدَةَ فَمَضَى عِمْرَانُ وَلَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ . إِسْنَادُهُمَا صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَلْمَانُ ) هُوَ الْفَارِسِيُّ . قَوْلُهُ : ( مَا لِهَذَا غَدَوْنَا ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ أَثَرٍ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ مَرَّ سَلْمَانُ عَلَى قَوْمٍ قُعُودٍ ، فَقَرَءُوا السَّجْدَةَ فَسَجَدُوا ، فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ لِهَذَا غَدَوْنَا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُثْمَانُ : إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُثْمَانَ مَرَّ بِقَاصٍّ فَقَرَأَ سَجْدَةً لِيَسْجُدَ مَعَهُ عُثْمَانُ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : إِنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَ ، ثُمَّ مَضَى وَلَمْ يَسْجُدْ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ : إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا مُخْتَصَرًا ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : قَالَ عُثْمَانُ : إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ جَلَسَ لَهَا وَاسْتَمَعَ وَالطَّرِيقَانِ صَحِيحَانِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِلَخْ ) وَصَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ عَنْهُ بِتَمَامِهِ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : لَا يَسْجُدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا قِيلَ لَيْسَ بِدَالٍّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَقُولُ : عَلَّقَ فِعْلَ السُّجُودِ مِنَ الْقَارِئِ وَالسَّامِعِ عَلَى شَرْطٍ وَهُوَ وُجُودُ الطَّهَارَةِ ، فَحَيْثُ وُجِدَ الشَّرْطُ لَزِمَ ؛ لَكِنْ مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْ هَذَا الْأَثَرِ قَوْلُهُ فَإِنْ كُنْتَ رَاكِبًا فَلَا عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ لِأَنَّ هَذَا دَلِيلُ النَّفْلِ ، وَالْوَاجِبُ لَا يُؤَدَّى عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْأَمْنِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ لَا يَسْجُدُ لِسُجُودِ الْقَاصِّ ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ : الَّذِي يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ الْأَخْبَارَ وَالْمَوَاعِظَ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ مَوْصُولًا . وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآثَارِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَاجِبٌ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : السَّجْدَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ - أَيْ مَوَاضِعَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - سِوَى ثَانِيَةِ الْحَجِّ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ ، سَوَاءٌ قَصَدَ سَمَاعَ الْقُرْآنِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ اهـ . وَفَرَّقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ السَّامِعِ وَالْمُسْتَمِعِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآثَارُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ : لَا أُؤَكِّدُهُ عَلَى السَّامِعِ كَمَا أُؤَكِّدُهُ عَلَى الْمُسْتَمِعِ . وَأَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ حَدِيثُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ) هُوَ أَخُو مُحَمَّدٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيُّ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ ، وَهُوَ ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ اِبْن أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَحَدُ الْعَشَرَةِ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ هُوَ عَمُّ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ الرَّاوِي عَنْهُ ، وَالْهُدَيْرُ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ ، ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ رَبِيعَةَ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ . قَوْلُهُ : ( عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنِي أَيْ أَخْبَرَنِي رَاوِيًا عَنْ عُثْمَانَ ، عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ قِصَّةِ حُضُورِهِ مَجْلِسَ عُمَرَ . وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ التَّيْمِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ حَضَرَ عُمَرَ فَذَكَرَهُ اهـ . وَقَوْلُهُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ مَقْلُوبٌ ، وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ . قَوْلُهُ : ( قَرَأَ ) أَيْ أَنَّهُ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِنَّمَا . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ) فِيهِ تَوْكِيدٌ لِبَيَانِ جَوَازِ تَرْكِ السُّجُودِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَزَادَ نَافِعٌ ) هُوَ مَقُولُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَالْخَبَرُ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ فَذَكَرَهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَزَادَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْنَا السُّجُودُ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَذَكَرَ الْإِسْنَادَ الْأَوَّلَ ، قَالَ : وَقَالَ حَجَّاجٌ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَزَادَ نَافِعٌ فَذَكَرَهُ ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الْحُمَيْدِيِّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ هَذَا مُعَلَّقٌ ، وَكَذَا عَلَّمَ عَلَيْهِ الْمِزِّيُّ عَلَامَةَ التَّعْلِيقِ ، وَهُوَ وَهَمٌ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ عُرْوَةَ ، وَعُمَرَ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ قَالَ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى عُمَرَ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ حَيْثُ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : لَمْ يُفْرَضْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ بِأَنَّ نَفْيَ الْفَرْضِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْوُجُوبِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ لَهُمْ حَادِثٌ ، وَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا ، وَيُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ : وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ . وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : إِلَّا أَنْ نَشَاءَ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ مُخَيَّرٌ فِي السُّجُودِ فَيَكُونُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ . وَأَجَابَ مَنْ أَوْجَبَهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ نَشَاءَ قِرَاءَتَهَا فَيَجِبُ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ، وَيَرُدُّهُ تَصْرِيحُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فَإِنَّ انْتِفَاءَ الْإِثْمِ عَمَّنْ تَرَكَ الْفِعْلَ مُخْتَارًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي السُّجُودِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، وَالْمَعْنَى لَكِنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَى مَشِيئَةِ الْمَرْءِ بِدَلِيلِ إِطْلَاقِهِ : وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي الْخُطْبَةِ ، وَأَنَّهُ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ سَجْدَةٍ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ لِيَسْجُدَ بِهَا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ السُّجُودِ فَوْقَ الْمِنْبَرِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ الْخُطْبَةَ . وَوَجْهُ ذَلِكَ فِعْلُ عُمَرَ مَعَ حُضُورِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَعَنْ مَالِكٍ يَمُرُّ فِي خُطْبَتِهِ وَلَا يَسْجُدُ ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَارِدٌ عَلَيْهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُوجِبْ السُّجُودَ · ص 648 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود · ص 107 « باب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود » أي هذا باب في بيان حكم من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود ، وكأن من رأى ذلك يحمل الأمر في قوله « اسجدوا » ، وقوله « واسجد » على الندب ، أو على أن المراد به سجود الصلاة ، أو في الصلاة المكتوبة على الوجوب ، وفي سجدة التلاوة على الندب . قلت : الأمر إذا جرد عن القرائن يدل على الوجوب لتجرده عن القرينة الصارفة عن الوجوب ، وحمله على سجود الصلاة يحتاج إلى دليل ، واستعماله في الصلاة المكتوبة على الوجوب ، وفي سجدة التلاوة على الندب استعمال لمفهومين مختلفين في حالة واحدة ، وهو ممتنع . ( وقيل لعمران بن حصين : الرجل يسمع السجدة ، ولم يجلس لها ، قال : أرأيت لو قعد لها كأنه لا يوجبه عليه ) . هذا وما بعده من أثر سليمان ، ومن كلام الزهري ، وفعل السائب بن يزيد داخلة في الترجمة ، ولهذا عطفه بالواو ، وأثر عمران الذي علقه وصله ابن أبي شيبة في « مصنفه » بمعناه ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، عن الجريري ، عن أبي العلاء ، عن مطرف قال : وسألته عن الرجل يتمادى في السجدة : أسمعها أو لم يسمعها ، قال : وسمعها ، فماذا ، ثم قال مطرف : سألت عمران بن حصين عن الرجل لا يدري أسمع السجدة أم لا ، قال : وسمعها ، فماذا ؟ قوله « ولم يجلس لها » أي لقراءة السجدة ، « قال » أي عمران ، « أرأيت » أي أخبرني . قوله « لو قعد لها » أي للسجدة ، وجواب لو محذوف يعني لا يجب عليه شيء . قوله « كأنه لا يوجبه عليه من كلام البخاري » أي كأن عمران لا يوجب السجود على الذي قعد لها للاستماع ، فإذا لم يوجب على المستمع فعدمه على السامع بالطريق الأولى . قلت : يعارض هذا أثر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : السجدة على من سمعها . رواه ابن أبي شيبة ، وكلمة على للإيجاب مطلق عن قيد القصد ، فتجب على كل سامع سواء كان قاصدا للسماع ، أو لم يكن . ( وقال سلمان : ما لهذا غدونا ) . سلمان هذا هو الفارسي هو قطعة من أثره علقه البخاري ، ووصله ابن أبي شيبة ، عن ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن ، قال : دخل سلمان الفارسي المسجد وفيه قوم يقرءون ، فقرءوا سجدة فسجدوا ، فقال له صاحبه : يا أبا عبد الله لو أتينا هؤلاء ؟ قال : ما لهذا غدونا . وأخرجه البيهقي أيضا . وأخرجه عبد الرزاق من طريق أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : مر سلمان على قوم قعود ، فقرءوا السجدة فسجدوا ، فقيل له ، فقال : ليس لهذا غدونا . قوله « ما لهذا غدونا » أي ما غدونا لأجل السماع ، فكأنه أراد بيان أنا لم نسجد ؛ لأنا ما كنا قاصدين السماع .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود · ص 108 ( وقال عثمان رضي الله عنه : إنما السجدة على من استمعها ) . هذا التعليق وصله عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب أن عثمان مر بقاص ، فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان ، فقال عثمان : إنما السجود على من استمع ، ثم مضى ولم يسجد . وروى ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن ابن المسيب ، عن عثمان قال : إنما السجدة على من جلس لها . قوله « على من استمعها يعني لا على السامع ، قال الكرماني : والفرق بينهما أن المستمع من كان قاصدا للسماع مصغيا إليه ، والسامع من اتفق سماعه من غير قصد إليه . قلت : هذه الآثار الثلاثة لا تدل على نفي وجوب السجدة على التالي ، والترجمة تدل على العموم ، فلا مطابقة بينهما من هذا الوجه ، ورواية ابن أبي شيبة تدل على وجوب السجدة عند عثمان على الجالس لها سواء قصد السماع أو لم يقصده .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود · ص 108 ( وقال الزهري : لا تسجد إلا أن تكون طاهرا ، فإذا سجدت وأنت في حضر فاستقبل القبلة ، فإن كنت راكبا فلا عليك حيث كان وجهك ) . الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب ، وصل هذا عبد الله بن وهب ، عن يونس عنه بتمامه . قوله « لا تسجد إلا أن تكون طاهرا » يدل على أن الطهارة شرط لأداء سجدة التلاوة . وفيه خلاف ابن عمر والشعبي وقد ذكرناه ، قال بعضهم : قيل : قوله « لا تسجد إلا أن تكون طاهرا » ليس بدال على عدم الوجوب ؛ لأن المدعي يقول علق على شرط وهو وجود الطهارة ، فحيث وجد الشرط لزم . قلت : هذا كلام واه ، كيف ينقله من له وجه إدراك ؛ لأن أحدا هل قال يلزم من وجوب الشرط وجود المشروط ، والشرط خارج عن الماهية ، والوجوب وعدم الوجوب يتعلق بالماهية لا بالشرط وغايته أنه إذا ثبت وجوبه يشترط له الطهارة للأداء ، والجواب إن موضع الترجمة من هذا الأثر . قوله « فإن كنت راكبا ، فلا عليك حيث كان وجهك » ؛ لأن هذا دليل النفل إذ الفرض لا يؤدى على الدابة في الأمن . قلت : كيف يطابق هذا الجواب لقول هذا القائل المذكور وبينهما بعد عظيم يظهر بالتأمل على أن الحنفي لا يقول بفرضيته حتى يقال الفرض لا يؤدى على الدابة . قوله « وإن كنت راكبا » قال الكرماني : أي في السفر بقرينة كونه قسيما لقوله « في حضر » والركوب كناية عن السفر ؛ لأن السفر مستلزم له . قلت : لا نسلم تقييد الراكب بالسفر ؛ لأنه أعم من أن يكون راكبا في الحضر أو السفر ، وقوله « والركوب كناية فيه عدول عن الحقيقة من غير ضرورة ، وقوله لأن السفر مستلزم له » ، أي للركوب غير صحيح ؛ لأنه يكون بالمشي أيضا . قوله « لا عليك » أي لا بأس عليك أن لا تستقبل القبلة عند السجود . « وكان السائب بن يزيد لا يسجد لسجود القاص » . السائب بن يزيد من الزيادة ابن أخت نمر الكندي ، ويقال : الليثي ، ويقال : الأزدي ، ويقال : الهذلي أبو يزيد الصحابي المشهور ، مات سنة إحدى وتسعين ، وقد مر ذكره في باب استعمال فضل وضوء الناس ، والقاص بالقاف وتشديد الصاد المهملة الذي يقص الناس الأخبار والمواعظ ، قال الكرماني : ولعل سببه أنه ليس قاصدا لقراءة القرآن . قلت : لعل سببه أن لا يكون قصده السماع أو كان سمعه ، ولم يكن يستمع له أو كان لم يجلس له ، فلا يسجد .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود · ص 109 112 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ : أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَكَانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ ، قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. مطابقته للترجمة غير تامة ؛ لأن فيه « نزل فسجد » ، فهذا يدل على أنه كان يرى السجدة مطلقا سواء كان على سبيل الوجوب أو السنية ، وقوله أيضا « وسجد الناس » يدل على ذلك ؛ إذ لو كان الأمر بخلاف ذلك لمنعهم . فإن قلت : قوله « ومن لم يسجد فلا إثم عليه » يدل على نفي الوجوب . قلت : لا نسلم ؛ لأنه يحتمل أنه ليس على الفور فلا يأثم بتأخيره ، فلا يلزم من ذلك عدم الوجوب . فإن قلت : قوله « ولم يسجد عمر » يدل على خلاف ما قلت ، « قلت » : لا نسلم لاحتمال أنه لم يسجد في ذلك الوقت لعارض مثل انتقاض الوضوء ، أو يكون ذلك منه إشارة إلى أنه ليس على الفور ، « فإن قلت » : ما ذكرت من الاحتمالات ينفي ما قلت ، « قلت » : لا نسلم لأنه روي عن عمر ما يؤكد ما ذهبنا إليه ، وهو ما رواه الطحاوي : حدثنا أبو بكرة ، قال : حدثنا أبو داود وروح ، قالا : حدثنا شعبة ، قال : « أنبأني سعد بن إبراهيم ، قال : سمعت ابن أخت لنا يقال له عبد الله بن ثعلبة ، قال : صلى بنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الصبح فيما أعلم ، ثم قال سعد : صلى بنا الصبح ، فقرأ بالحج وسجد فيها سجدتين » . وأخرجه ابن أبي شيبة في « مصنفه » ، عن غندر ، وعن شعبة إلى آخره نحوه ، ومما يؤكد ما قلنا : قوله « فمن سجد فقد أصاب السنة » ، والسنة إذا أطلقت يراد بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالسجدة في مواضع السجود في القرآن ، فدل هذا كله أنه سنة مؤكدة ، ولا فرق بينها وبين الواجب ، فسقط بهذا قول من قال : وأقوى الأدلة على نفي الوجوب حديث عمر المذكور في هذا الباب ، فافهم . ذكر رجال الأثر المذكور ، وهم سبعة : الأول : إبراهيم بن موسى بن يزيد التميمي الفراء أبو إسحاق الرازي ، يعرف بالصغير . الثاني : هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني اليماني قاضيها ، مات سنة سبع وتسعين ومائة باليمن . الثالث : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو الوليد المكي . الرابع : أبو بكر بن أبي مليكة بضم الميم وفتح اللام ، واسمه عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ، واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله أبو محمد الأحول ، كان قاضيا لابن الزبير ومؤذنا له ، مر في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله . الخامس : عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي القرشي . السادس : ربيعة بن عبد الله بن الهدير بضم الهاء وفتح الدال ، أبو عثمان التيمي القرشي المدني . السابع : عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع . وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضعين . وفيه العنعنة في موضعين . وفيه القول في ثلاثة مواضع . وفيه توثيق أحد الرواة شيخ شيخه الذي روى عنه . وفيه أن أبا بكر بن أبي مليكة ليس له في البخاري غير هذا الحديث ، ولأبيه صحبة ورواية ، وكذلك ربيعة ليس له في البخاري غير هذا الحديث ، وقال ابن سعد : ولد ربيعة في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم . وفيه رواية ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض ، وهم أبو بكر ، وعثمان ، وربيعة . وفيه أن عثمان بن عبد الرحمن من أفراد البخاري رضي الله تعالى عنه . ذكر معناه : قوله « عما حضر ربيعة من عمر رضي الله تعالى عنه » يتعلق بقوله « أخبرني » فإن قلت : عن عثمان يتعلق به ، فإذا تعلق به عما حضر يكون حرفا جر يتعلقان بفعل واحد ، وهو لا يجوز . قلت : يتعلق الأول بمحذوف تقديره أخبرني أبو بكر راويا عن عثمان ، عن حضوره مجلس عمر رضي الله تعالى عنه ، وكلمة ما في عما مصدرية ، وربيعة بالرفع فاعل حضر . قوله « قرأ » أي أنه قرأ يوم الجمعة . قوله « بها » أي بسورة النحل . قوله « إنما نمر » رواية الكشميهني ، ورواية غيره : إنا نمر ، بدون الميم . قوله « السجود » أي بآية السجود . قوله « فلا إثم عليه » قالوا : هذا دليل صريح في عدم الوجوب ، وقال الكرماني : وهذا كان بمحضر من الصحابة ، ولم ينكر عليه ، وكان إجماعا سكوتيا على ذلك . قلت : هذه إشارة إلى أنه لا إثم عليه في تأخيره من ذلك الوقت . ذكر من أخرجه : هو من أفراد البخاري ، ورواه أبو نعيم من حديث حجاج بن محمد ، عن ابن جريج من طريقين . وأخرجه سعيد بن منصور أيضا ، وإسماعيل من طريق ابن جريج ، أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة أن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أخبره ، عن ربيعة بن عبد الله أنه حضر عمر .. فذكره ، وقوله « عبد الرحمن بن عثمان » مقلوب ، والصحيح : عثمان بن عبد الرحمن .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود · ص 110 « وزاد نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما : إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء » . قال الكرماني : وزاد نافع ، أي قال ابن جريج : وزاد ، وهذا موقوف لا مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الحميدي : هذا معلق ، وكذا علم عليه الحافظ المزي علامة التعليق . وقال بعضهم : زاد نافع مقول ابن جريج ، والخبر متصل بالإسناد الأول ، وقد بين ذلك عبد الرزاق ، فقال في مصنفه : عن ابن جريج أخبرني ابن أبي مليكة .. فذكره ، وقال في آخره : قال ابن جريج : وزادني نافع ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء ، وكذلك رواه الإسماعيلي ، والبيهقي ، وغيرهما من طريق حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، فذكر الإسناد الأول . قال : وقال حجاج : قال ابن جريج ، وزاد نافع .. فذكره ، ثم قال هذا القائل : وفي هذا رد على الحميدي في زعمه أن هذا معلق ، ولذا علم عليه المزي علامة التعليق ، وهو وهم . قلت : هذا القائل هو الذي يرد عليه ، وهو الذي وهم ؛ لأن الذي زعمه لا تقتضيه رواية عبد الرزاق ؛ لأنها تشعر بخلاف ما قاله ؛ لأن ابن جريج يقول زادني نافع ، عن ابن عمر معناه أنه زادني على روايتي ، عن أبي بكر ، عن عثمان ، عن ربيعة ، عن عمر بن الخطاب رواية نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن الله تعالى لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء ، والمزيد هو قول ابن عمر ، وهو قوله « إن الله عز وجل .. » إلى آخره ، وهذا ينادي بصوت عال : أنه موقوف مثل ما قال الكرماني ، ومعلق مثل ما قال الحافظان الكبيران الحميدي والمزي ، فبمثل هذا التصرف يتعسف بالرد عليهما ، وأبعد من ذلك وأحق بالرد عليه ما قاله عقيب هذا . قوله في رواية عبد الرزاق أنه قال : الضمير يعود على عمر رضي الله تعالى عنه ، جزم بذلك الترمذي في « جامعه » حيث نسب ذلك إلى عمر في هذه القضية . قلت : لم يجزم الترمذي بذلك أصلا ، ولا ذكر ما زاده نافع لابن جريج ، وإنما لفظ الترمذي في « جامعه » في باب من لم يسجد فيه ، أي في النجم بعد روايته حديث زيد بن ثابت ، وقال بعض أهل العلم : إنما السجدة على من أراد أن يسجد فيها ، والتمس فضلها ، واحتجوا بالحديث المرفوع ، ثم قال : واحتجوا بحديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه قرأ سجدة على المنبر ، فنزل فسجد ، ثم قرأها في الجمعة الثانية ، فتهيأ الناس للسجود ، فقال : إنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء ، فلم يسجد ، ولم يسجدوا انتهى . فهذا لفظ الترمذي ، فلينظر من له بصيرة وذوق من دقائق تركيب الكلام هل تعرض الترمذي في ذلك إلى زيادة نافع ، عن ابن عمر ، أو ذكر أن الضمير في قوله « قال » يعود على عمر ، ولو قال مثل ما روى نافع ، عن ابن عمر ، ذكر الترمذي ، عن عمر مثله لكان له وجه ، ثم قال هذا القائل ، واستدل بقوله « لم يفرض علينا » على عدم وجوب سجدة التلاوة ، وأجاب بعض الحنفية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب ، وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث ، وما كان الصحابة يفرقون بينهما ، ويغني عن هذا قول عمر : ومن لم يسجد فلا إثم عليه . قلت : أما الجواب عن قوله « لم تفرض علينا » فنحن أيضا نقول لم يفرض علينا ، ولكنه واجب ، ونفي الفرض لا يستلزم نفي الواجب ، وأما قوله « وتعقب » إلى آخره ، فلا نسلم أنه اصطلاح حادث ، وأهل اللغة فرقوا بين الفرض والواجب ، ومنكر هذا معاند ومكابر ، والأحكام الشرعية إنما تؤخذ من الألفاظ اللغوية ، وأما قوله « وما كان الصحابة يفرقون بينهما » دعوى بلا برهان ، والصحابة هم كانوا أهل اللغة والتصرف في الألفاظ العربية ، وهذا القول فيه نسبة الصحابة إلى عدم المعرفة بلغات لسانهم . وأما قوله « ويغني عن هذا قول عمر : ومن لم يسجد فلا إثم عليه » فقد أجبنا فيما مضى عن هذا بأنه لا إثم عليه في تأخيره عن وقت السماع . فإن قلت : روى البيهقي من طريق ابن بكير حدثنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ السجدة ، وهو على المنبر يوم الجمعة ، فنزل ، فسجد وسجدوا معه ، ثم قرأ يوم الجمعة الأخرى ، فتهيئوا للسجود ، فقال عمر : على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء ، وقرأها ولم يسجد ، ومنعهم . قال صاحب « التوضيح » : ترك عمر رضي الله تعالى عنه مع من حضر السجود ، ومنعه لهم دليل على عدم الوجوب ، ولا إنكار ، ولا مخالف ، ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ، ويسكت عن الإنكار على غيره في قوله : ومن لم يسجد فلا إثم عليه . قلت : عروة لم يدرك عمر رضي الله تعالى عنه . قال خليفة بن خياط : وفي آخر خلافة عمر بن الخطاب يقال في سنة ثلاث وعشرين ولد عروة بن الزبير . وعن مصعب بن الزبير : ولد عروة لست سنين خلت من خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه فيكون منقطعا ، وهو غير حجة ، وأما ترك عمر السجود فقد ذكرنا أنه لمعنى من المعاني التي ذكرناها فيما مضى عن الطحاوي ، وأما منعه لهم عن السجود على تقدير تسليم صحته فيحتمل أنه كان يرى أن التالي إذا لم يسجد لا يسجد السامع أيضا ، فيكون معنى المنع إذا ما سجدت فلا تسجدوا أنتم أيضا ، وروي عن مالك أنه قال : إن ذلك مما لم يتبع عليه عمر ، ولا عمل به أحد بعده ، وقال القائل المذكور أيضا : واستدل بقوله "إلا أن نشاء" على أن المرء مخير في السجود فيكون ليس بواجب ، وأجاب من أوجبه بأن المعنى إلا أن نشاء قراءتها فيجب ، ولا يخفى بعده ، ويرده تصريح عمر رضي الله تعالى عنه بقوله : ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، فإن انتفاء الإثم عمن ترك الفعل مختارا يدل على عدم وجوبه . قلت : لا شك أن مفعول نشاء محذوف فيحتمل أن يكون ذلك السجدة يعني إلا أن نشاء السجدة ، ويحتمل أن تكون القراءة ، يعني إلا أن نشاء قراءة السجدة ، فلا يترجح أحد الاحتمالين إلا بمرجح ، والأحاديث الواردة في هذا الباب تنفي التخيير فيترجح المعنى الآخر ، والجواب عن قوله « ويرده تصريح عمر » إلى آخره قد ذكرناه ، وقال هذا القائل أيضا : واستدل به على من شرع في السجود وجب عليه إتمامه ، وأجيب بأنه استثناء منقطع ، والمعنى لكن ذلك موكول إلى مشيئة المرء بدليل إطلاقه ، ومن لم يسجد فلا إثم عليه .