4 - بَاب الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ 10 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ، وَإِسْمَاعِيلَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ ) سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَكَذَا أَكْثَرُ الْأَبْوَابِ . وَهُوَ مُنَوَّنٌ ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْإِضَافَةُ إِلَى جُمْلَةِ الْحَدِيثِ ، لَكِنْ لَمْ تَأْتِ بِهِ الرِّوَايَةُ . قَوْلُهُ : ( الْمُسْلِمُ ) اسْتُعْمِلَ لَفْظُ الْحَدِيثِ تَرْجَمَةً مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( أَبِي إِيَاسٍ ) اسْمُهُ نَاهِيَةُ بِالنُّونِ وَبَيْنَ الْهَاءَيْنِ يَاءٌ أَخِيرَةٌ . وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ . قَوْلُهُ : ( أَبِي السَّفَرِ ) اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ يَحْمَدَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِسْمَاعِيلُ مَجْرُورٌ بِالْفَتْحَةِ عَطْفًا عَلَيْهِ ، وَالتَّقْدِيرُ كِلَاهُمَا عَنِ الشَّعْبِيِّ . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ الْعَاصِ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ . قَوْلُهُ : ( الْمُسْلِمُ ) قِيلَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْكَمَالِ نَحْوَ زَيْدٌ الرَّجُلُ أَيِ : الْكَامِلُ فِي الرُّجُولِيَّةِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذَا خَاصَّةً كَانَ كَامِلًا . وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مُرَاعَاةُ بَاقِي الْأَرْكَانِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَادُ أَفْضَلُ الْمُسْلِمِينَ مَنْ جَمَعَ إِلَى أَدَاءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَدَاءَ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ ، انْتَهَى . وَإِثْبَاتُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلَى مَعْنَى إِثْبَاتِ الْكَمَالِ لَهُ مُسْتَفِيضٌ فِي كَلَامِهِمْ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ عَلَامَةَ الْمُسْلِمِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى إِسْلَامِهِ وَهِيَ سَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، كَمَا ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى الْحَثِّ عَلَى حُسْنِ مُعَامَلَةِ الْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ لِأَنَّهُ إِذَا أَحْسَنَ مُعَامَلَةَ إِخْوَانِهِ فَأَوْلَى أَنْ يُحْسِنَ مُعَامَلَةَ رَبِّهِ ، مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى . ( تَنْبِيهٌ ) : ذِكْرُ الْمُسْلِمِينَ هُنَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ; لِأَنَّ مُحَافَظَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى كَفِّ الْأَذَى عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ أَشَدُّ تَأْكِيدًا ; وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ بِصَدَدِ أَنْ يُقَاتِلُوا وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُحِبُّ الْكَفَّ عَنْهُ . وَالْإِتْيَانُ بِجَمْعِ التَّذْكِيرِ لِلتَّغْلِيبِ ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَاتِ يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ . وَخَصَّ اللِّسَانَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْمُعَبِّرُ عَمَّا فِي النَّفْسِ ، وَهَكَذَا الْيَدُ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَفْعَالِ بِهَا ، وَالْحَدِيثُ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللِّسَانِ دُونَ الْيَدِ ; لِأَنَّ اللِّسَانَ يُمْكِنُهُ الْقَوْلُ فِي الْمَاضِينَ وَالْمَوْجُودِينَ وَالْحَادِثِينَ بَعْدُ ، بِخِلَافِ الْيَدِ ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ تُشَارِكَ اللِّسَانَ فِي ذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ ، وَإِنَّ أَثَرَهَا فِي ذَلِكَ لَعَظِيمٌ . وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا تَعَاطِي الضَّرْبَ بِالْيَدِ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُسْتَحِقِّ لِذَلِكَ . وَفِي التَّعْبِيرِ بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَوْلِ نُكْتَةٌ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ . وَفِي ذِكْرِ الْيَدِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْجَوَارِحِ نُكْتَةٌ ، فَيَدْخُلُ فِيهَا الْيَدُ الْمَعْنَوِيَّةُ كَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ . ( فَائِدَةٌ ) : فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ تَجْنِيسُ الِاشْتِقَاقِ ، وَهُوَ كَثِيرٌ . قَوْلُهُ : ( وَالْمُهَاجِرُ ) هُوَ مَعْنَى الْهَاجِرِ ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْمُفَاعِلِ يَقْتَضِي وُقُوعَ فِعْلٍ مِنِ اثْنَيْنِ ; لَكِنَّهُ هُنَا لِلْوَاحِدِ كَالْمُسَافِرِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ كَوْنِهِ هَاجِرًا وَطَنَهُ مَثَلًا أَنَّهُ مَهْجُورٌ مِنْ وَطَنِهِ ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ ضَرْبَانِ : ظَاهِرَةٌ ، وَبَاطِنَةٌ . فَالْبَاطِنَةُ تَرْكُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَالشَّيْطَانُ ، وَالظَّاهِرَةُ الْفِرَارُ بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ . وَكَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا عَلَى مُجَرَّدِ التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَمْتَثِلُوا أَوَامِرَ الشَّرْعِ وَنَوَاهِيَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قِيلَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ ، بَلْ حَقِيقَةُ الْهِجْرَةِ تَحْصُلُ لِمَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ، فَاشْتَمَلَتْ هَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ عَلَى جَوَامِعَ مِنْ مَعَانِي الْحِكَمِ وَالْأَحْكَامِ . ( تَنْبِيهٌ ) : هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ . عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ صَحِيحًا الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ وَكَأَنَّهُ اخْتَصَرَهُ هُنَا لِتَضَمُّنِهِ لِمَعْنَاهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيِّ الْمَذْكُورِ فِي الْإِسْنَادِ الْمَوْصُولِ . وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانُ سَمَاعِهِ لَهُ مِنَ الصَّحَابِيِّ ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ رِوَايَةُ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ لَهُ عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، حَكَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ ، فَعَلَى هَذَا لَعَلَّ الشَّعْبِيَّ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ . وَنَبَّهَ بِالتَّعْلِيقِ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الَّذِي أُهْمِلَ فِي رِوَايَتِهِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الَّذِي بُيِّنَ فِي رِوَايَةِ رَفِيقِهِ ، وَالتَّعْلِيقُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . فَعُلِمَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إِلَّا أَصْلَ الْحَدِيثِ . وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ هُنَا الْمُسْلِمُونَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ ، فَهُمُ النَّاسُ حَقِيقَةً عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُحْمَلُ عَلَى الْكَامِلِ ، وَلَا كَمَالَ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ . وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ عَلَى إِرَادَةِ شَرْطٍ وَهُوَ إِلَّا بِحَقٍّ ، مَعَ أَنَّ إِرَادَةَ هَذَا الشَّرْطِ مُتَعَيِّنَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، لِمَا قَدَّمْتُهُ مِنِ اسْتِثْنَاءِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُسْلِمِ . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ · ص 69 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده · ص 31 فصل خرج البخاري : 10 - من حديث الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه خرجه من رواية شعبة ، عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عبد الله . ثم قال : وقال أبو معاوية : حدثنا داود ، عن عامر قال : سمعت عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عبد الأعلى ، عن داود ، عن عامر ، عن عبد الله . ومقصود البخاري بهذا أن شعبة روى الحديث معنعنا إسناده كله . وداود بن أبي هند رواه عن الشعبي ، واختلف عليه فيه ؛ فقال عبد الأعلى : عن داود كذلك ، وقال أبو معاوية : عن داود ، عن عامر قال : سمعت عبد الله - فذكر في حديثه تصريح الشعبي بالسماع له من عبد الله بن عمرو . وإنما احتاج إلى هذا ؛ لأن البخاري لا يرى أن الإسناد يتصل بدون ثبوت لقي الرواة بعضهم لبعض ، وخصوصا إذا روى بعض أهل بلد عن بعض أهل بلد ناء عنه ؛ فإن أئمة أهل الحديث ما زالوا يستدلون على عدم السماع بتباعد بلدان الرواة ، كما قالوا في رواية سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء ، وما أشبه ذلك . وهذا الحديث قد رواه الشعبي وهو من أهل الكوفة ، عن عبد الله بن عمرو وهو حجازي نزل مصر ولم يسكن العراق ؛ فاحتاج أن يذكر ما يدل على سماعه منه . وقد كان عبد الله بن عمرو قدم مع معاوية الكوفة عام الجماعة ، فسمع منه أهل الكوفة كأبي وائل ، وزر بن حبيش ، والشعبي . وإنما خرج مسلم هذا الحديث من رواية المصريين ، عن عبد الله بن عمرو من رواية يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، سمع عبد الله بن عمرو يقول : إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي المسلمين خير ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . وهذا اللفظ يخالف لفظ رواية البخاري . وأما رواية المسلم فتقتضي حصر المسلم فيمن سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمراد بذلك المسلم الكامل الإسلام ، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب ؛ فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة ؛ فإن أذى المسلم حرام باللسان وباليد ؛ فأذى اليد الفعل ، وأذى اللسان القول . والظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما وصف المسلم بهذا في هذا الحديث ؛ لأن السائل كان مسلما قد أتى بأركان الإسلام الواجبة لله عز وجل ، وإنما يجهل دخول هذا القدر الواجب من حقوق العباد في الإسلام ، فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - ما جهله . ويشبه هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خطب في حجة الوداع ، وبين للناس حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم - أتبع ذلك بقوله : سأخبركم من المسلم ! من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم . خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث فضالة بن عبيد . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يجمع لمن قدم عليه يريد الإسلام بين ذكر حق الله وحق العباد ، كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو بن عبسة قال : قال رجل : يا رسول الله ، ما الإسلام ؟ قال : أن تسلم قلبك لله ، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك . وفيه - أيضا - عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسلم ، فقال له : أسألك بوجه الله ! بم بعثك الله ربنا إلينا ؟ قال : بالإسلام . قال : قلت : وما آية الإسلام ؟ قال : أن تقول : أسلمت وجهي لله وتخليت ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة . وكل مسلم على مسلم محرم . وذكر الحديث ، وقال فيه : قلت : يا رسول الله ، هذا ديننا ؟ قال : هذا دينكم . وخرجه النسائي بمعناه . وقوله : والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه . فأصل الهجرة هجران الشر ومباعدته ؛ لطلب الخير ، ومحبته ، والرغبة فيه . والهجرة عند الإطلاق في كتاب السنة إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام ؛ رغبة في تعلم الإسلام والعمل به . وإذا كان كذلك فأصل الهجرة أن يهجر ما نهاه الله عنه من المعاصي ، فيدخل في ذلك هجران بلد الشرك رغبة في دار الإسلام ، وإلا فمجرد هجرة بلد الشرك مع الإصرار على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة ، بل الهجرة التامة الكاملة هجران ما نهى الله عنه ، ومن جملة ذلك هجران بلد الشرك مع القدرة عليه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده · ص 130 باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده أي : هذا باب ، فالمبتدأ محذوف ، ويجوز ترك التنوين بالإضافة إلى ما بعده من الجملة ، ويجوز الوقف على السكون ، وليس في رواية الأصيلي باب . والمناسبة بين البابين ظاهرة ؛ لأنه ذكر في الباب السابق أن الإيمان له شعب ، وهذا الباب فيه بيان شعبتين من هذه الشعب ، وهما : سلامة المسلمين من لسان المسلم ويده ، والمهاجر من هجر المنهيات 1 - حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا شعبة ، عن عبد الله بن أبي السفر ، وإسماعيل ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه . أوصل بهذا ما علقه أولا ، وإنما علقه لأجل التبويب . فإن قلت : لم لم يبوب على الجملة الأخيرة من الحديث . قلت : لأن في صدر الحديث لفظة المسلم ، والكتاب الذي يحوي هذه الأبواب كلها من أمور الإيمان ، والإسلام . فإن قلت : هجر المنهيات أيضا من أمور الإسلام ؟ قلت : بلى ، ولكنه في تبويبه بصدر الحديث اعتناء بذكر لفظ فيه مادة من الإسلام . ( بيان رجاله ) ، وهم ستة : الأول : أبو الحسن آدم بن أبي إياس بكسر الهمزة ، وتخفيف الياء آخر الحروف ، في آخره سين مهملة ، واسم أبي إياس عبد الرحمن ، وقيل : ناهية بالنون ، وبين الهاءين ياء آخر الحروف خفيفة ، أصله من خراسان ، نشأ ببغداد ، وكتب عن شيوخها ، ثم رحل إلى الكوفة ، والبصرة ، والحجاز ، ومصر ، والشام ، واستوطن عسقلان ، وتوفي بها سنة عشرين ومائتين . قال أبو حاتم : هو ثقة مأمون ، متعبد من خيار عباد الله تعالى ، وكان وراقا ، وكان عمره حين مات ثمانيا وثمانين سنة ، وقيل : نيفا وتسعين سنة ، وليس في كتب الحديث آدم بن أبي إياس غير هذا ، وفي مسلم ، والترمذي ، والنسائي : آدم بن سليمان الكوفي . وفي البخاري ، والنسائي : آدم بن علي العجلي الكوفي أيضا فحسب . وفي الرواة : آدم بن عيينة أخو سفيان ، لا يحتج به ، وآدم بن فايد ، عن عمرو بن شعيب مجهول . الثاني : شعبة غير منصرف ، ابن الحجاج بن الورد ، أبو بسطام الأزدي مولاهم الواسطي ، ثم انتقل إلى البصرة ، وأجمعوا على إمامته ، وجلالة قدره . قال سفيان الثوري : شعبة أمير المؤمنين في الحديث ، وقال أحمد كان أمة وحده في هذا الشأن ، مات بالبصرة أول سنة ستين ومائة ، وكان ألثغ ، وليس في الكتب الستة شعبة بن الحجاج غيره ، وفي النسائي شعبة بن دينار الكوفي صدوق ، وفي أبي داود شعبة بن دينار عن مولاه ابن عباس ليس بالقوي ، وفي الضعفاء شعبة بن عمرو ، ويروي عن أنس . قال البخاري : أحاديثه مناكير ، وفي الصحابة شعبة بن التوأم ، وهو من الأفراد ، والظاهر أنه تابعي . الثالث : عبد الله بن أبي السفر ، بفتح الفاء ، وحكى إسكانها ، واسم أبي السفر سعيد بن يحمد بضم الياء ، وفتح الميم كذا ضبطه النووي ، وقال الغساني : بضم الياء ، وكسر الميم ، ويقال أحمد الثوري الهمداني الكوفي ، مات في خلافة مروان بن محمد ، روى له الجماعة . واعلم أن السفر كله بإسكان الفاء في الاسم ، وتحريكها في الكنية ، ومنهم من سكن الفاء في عبد الله المذكور كما مضى . الرابع : إسماعيل بن أبي خالد هرمز ، وقيل : سعد ، وقيل : كثير البجلي الأحمسي مولاهم الكوفي سمع خلقا من الصحابة ، منهم : أنس بن مالك ، وجماعة من التابعين ، وعنه الثوري ، وغيره من الأعلام ، وكان عالما متقنا صالحا ثقة ، وكان يسمى الميزان ، وكان طحانا ، توفي بالكوفة سنة خمس وأربعين ومائة . الخامس : الشعبي ، بفتح الشين المعجمة ، وسكون العين المهملة ، بعدها الباء الموحدة ، هو أبو عمرو عامر بن شراحيل ، وقيل : ابن عبد الله بن شراحيل الكوفي التابعي الجليل الثقة ، روى عن خلق من الصحابة ، منهم : ابن عمر ، وسعد ، وسعيد . روي عنه أنه قال : أدركت خمسمائة صحابي . قال أحمد بن عبد الله : ومرسله صحيح ، روى عنه قتادة ، وخلق من التابعين ، ولي قضاء الكوفة ، وولد لست سنين مضت من خلافة عثمان ، ومات بعد المائة ، إما سنة ثلاث أو أربع أو خمس أو ست ، وهو ابن نيف وثمانين سنة ، وكان مزاحا ، وأمه من سبي جلولا ، وهي قريبة بناحية فارس . السادس : عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد ، بضم السين ، وفتح العين ابن سهم بن عمرو بن هصيص ، بضم الهاء ، وبصادين مهملتين ابن كعب بن لؤي بن غالب أبو محمد أو عبد الرحمن أو أبو نصير ، بضم النون القرشي السهمي ، الزاهد العابد ، الصحابي ابن الصحابي ، وأمه ريطة بنت منيه بن الحجاج ، أسلم قبل أبيه ، وكان بينه وبين أبيه في السن اثنتي عشرة سنة ، وقيل : إحدى عشرة ، وكان غزير العلم مجتهدا في العبادة ، وكان أكثر حديثا من أبي هريرة ؛ لأنه كان يكتب ، وأبو هريرة لا يكتب ، ومع ذلك فالذي روي له قليل بالنسبة إلى ما روي لأبي هريرة ، روي له سبعمائة حديث اتفقا منها على سبعة عشر ، وانفرد البخاري بثمانية ، ومسلم بعشرين ، مات بمكة أو بالطائف أو بمصر في ذي الحجة من سنة خمس أو ثلاث أو سبع وستين ، أو اثنتين أو ثلاث وسبعين عن اثنتين وسبعين سنة ، وفي الصحابة عبد الله بن عمرو جماعات أخر ، عدتهم ثمانية عشر نفسا ، وعمرو يكتب بالواو ؛ ليتميز عن عمر ، وهذا في غير النصب ، وأما في النصب فيتميز بالألف . ( بيان الأنساب ) الأزدي في كهلان ينسب إلى الأزد بن الغوث بن نبت ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، يقال له : الأزد بالزاي ، والأسد بالسين ، والواسطي نسبة إلى واسط ، مدينة اختطها الحجاج بن يوسف بين الكوفة والبصرة في أرض ، كسكر ، وهي نصفان على شاطئ دجلة ، وبينهما جسر من سفن ، وسميت واسط ؛ لأن منها إلى البصرة خمسين فرسخا ، ومنها إلى الكوفة خمسين فرسخا ، وإلى الأهواز خمسين فرسخا ، وإلى بغداد خمسين فرسخا ، والبجلي ، بضم الباء والجيم في كهلان ينسب إلى بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة بن مالك ، وهو مذحج ، والشعبي نسبة إلى شعب بطن من همدان بسكون الميم ، وبالدال المهملة ، ويقال ، هو من حمير ، وعداده في همدان ، ونسب إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمر ، والحميري هو ولده ، ودفن به ، وقال الهمداني الشعب الأصغر بطن منهم : عامر بن شراحيل . قال : والشعب الأصفر بن شراحيل بن حسان بن الشعب الأكبر بن عمرو بن شعبان ، وقال الجوهري : شعب جبل باليمن ، وهو ذو شعبتين ، نزله حسان بن عمرو الحميري وولده ، فنسبوا إليه ، وأن من نزل من أولاده بالكوفة يقال لهم : شعبيون ، منهم : عامر الشعبي ، ومن كان منهم بالشام قيل لهم : شعبيون ، ومن كان منهم باليمن يقال لهم : آل ذي شعبين ، ومن كان منهم بمصر والمغرب يقال لهم : الأشعوب . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن هذا الإسناد كله على شرط الستة إلا آدم فإنه ليس من شرط مسلم ، وأبي داود . ومنها أن شعبة فيه يروي عن اثنين : أحدهما :عبد الله بن أبي السفر ، والآخر : إسماعيل بن أبي خالد ، وكلاهما يرويانه عن الشعبي ، ولهذا إسماعيل ، بفتح اللام عطفا على عبد الله ، وهو مجرور ، وإسماعيل أيضا مجرور جر ما لا ينصرف بالفتحة كما عرف في موضعه ، ومنها أن فيه التحديث والعنعنة . ( بيان من أخرجه غيره ) هذا الحديث انفرد البخاري بجملته عن مسلم ، وأخرجه أيضا في الرقاق عن أبي نعيم ، عن زكريا عن عامر ، وأخرج مسلم بعضه في صحيحه عن جابر مرفوعا : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ، ويده مقتصرا عليه ، وخرج أيضا من حديث عبد الله بن عمر أيضا إن رجلا سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : أي المسلمون خير ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . وزاد ابن حبان ، والحاكم في ( المستدرك ) من حديث أنس صحيحا : والمؤمن من أمنه الناس . وأخرج أبو داود ، والنسائي أيضا مثل البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ، إلا أن لفظ النسائي : من هجر ما حرم الله عليه . ( بيان اللغات ) قوله : من يده . اليد هي اسم للجارحة ، ولكن المراد منها أعم من أن تكون يدا حقيقية أو يدا معنوية كالاستيلاء على حق الغير بغير حق ؛ فإنه أيضا إيذاء لكن لا باليد الحقيقية . قوله : المهاجر هو الذي فارق عشيرته ، ووطنه . قوله : من هجر ، أي : ترك من هجره يهجره بالضم هجرا وهجرانا ، والاسم الهجرة ، وفي ( العباب ) الهجرة ضد الوصل ، والتركيب يدل على قطع ، وقطيعة ، والمهاجر مفاعل منه . قيل : لأنه لما انقطعت الهجرة ، وفضلها حزن على فواتها من لم يدركها ، فأعلمهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن المهاجر على الحقيقة من هجر ما نهى الله عنه ، وقيل : بل أعلم المهاجرين لئلا يتكلوا على الهجرة . فإن قلت : المهاجر من باب المفاعلة ، وهي تقتضي الاشتراك بين الاثنين . قلت : المهاجر بمعنى الهاجر كالمسافر بمعنى السافر ، والمنازع بمعنى النازع ؛ لأن باب فاعل قد يأتي بمعنى فعل . ( بيان الإعراب ) . قوله : المسلم مبتدأ ، وخبره قوله : من سلم المسلمون ، ويجوز أن يكون من سلم خبر مبتدأ محذوف ، فالجملة خبر المبتدأ الأول ، والتقدير : المسلم هو من سلم ، فمن موصولة ، وسلم المسلمون صلتها ، وقوله : من لسانه متعلق بقوله سلم . قوله : والمهاجر عطف على قوله : المسلم ، ومن أيضا في من هجر موصولة ، وما نهى الله عنه جملة في محل النصب ؛ لأنها مفعول هجر ، وكلمة ما موصولة ، ونهى الله عنها صلتها . ( بيان المعاني ) . قوله : المسلم من سلم... إلى آخره ظاهره يدل على الحصر لوقوع جزئي الجملة معرفتين ، ولكن هذا من قبيل قولهم : زيد الرجل ، أي : زيد الكامل في الرجولية ، فيكون التقدير : المسلم الكامل من سلم... إلى آخره ، وقال القاضي عياض وغيره : المراد الكامل الإسلام ، والجامع لخصاله ما لم يؤذ مسلما بقول ، ولا فعل ، وهذا من جامع كلامه عليه الصلاة والسلام ، وفصيحه كما يقال : المال الإبل ، والناس العرب على التفضيل لا على الحصر ، وقد بين البخاري ما يبين هذا التأويل ، وهو قول السائل : أي الإسلام خير ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . وقال الخطابي : معناه أن المسلم الممدوح من كان هذا وصفه ، وليس ذلك على معنى أن من لم يسلم الناس منه ممن دخل في عقد الإسلام فليس ذلك بمسلم ، وكان ذلك خارجا عن الملة أيضا إنما هو كقولك الناس العرب تريد أن أفضل الناس العرب ، فهاهنا المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله أداء حقوق المسلمين ، والكف عن أعراضهم ، وكذلك المهاجر الممدوح ، هو الذي جمع إلى هجران وطنه ما حرم الله تعالى عليه ، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم . قلت : وكذا إثبات اسم الشيء على الشيء على معنى إثبات الكمال مستفيض في كلامهم . فإن قلت : إذا كان التقدير : المسلم الكامل من سلم ، يلزم من ذلك أن يكون من اتصف بهذا خاصة كاملا . قلت : الملازمة ممنوعة ؛ لأن المراد ، هو الكامل مع مراعاة باقي الصفات أو يكون هذا ، واردا على سبيل المبالغة تعظيما لترك الإيذاء كما كان ترك الإيذاء ، هو نفس الإسلام الكامل ، وهو محصور فيه على سبيل الإدعاء ، وأمثاله كثيرة فافهم ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى حسن معاملة العبد مع ربه ؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى . قلت : فيه نظر ، وخدش من وجهين : أحدهما : أن قوله : يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى حسن معاملة العبد مع ربه ممنوع ؛ لأن الإشارة ما ثبت بنظم الكلام . وتركيبه مثل العبارة غير أن الثابت من الإشارة غير مقصود من الكلام ، ولا سيق الكلام له ؛ فانظر هل تجد فيه هذا المعنى . والثاني : أن قوله : فأولى أن يحسن معاملة ربه : ممنوع أيضا ، ومن أين الأولوية في ذلك ، والأولوية موقوفة على تحقق المدعي ، والدعوى غير صحيحة ؛ لأنا نجد كثيرا من الناس يسلم الناس من لسانهم وأيديهم ، ومع هذا لا يحسنون المعاملة مع الله تعالى ، وفيه العطف بين الجملتين تنبيها على التشريك في المعنى المذكور ، وفيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق ، وهو أن يرجع اللفظان في الاشتقاق إلى أصل واحد ، نحو قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ فإن أقم والقيم يرجعان في الاشتقاق إلى القيام . ( بيان استنباط الفوائد ) : الأولى : فيه الحث على ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي ، وسر الأمر في ذلك حسن التخلق مع العالم كما قال الحسن البصري في تفسير الأبرار هم الذين لا يؤذون الذر ، ولا يرضون الشر . الثانية : فيه الرد على المرجئة فإنه ليس عندهم إسلام ناقص . الثالثة : فيه الحث على ترك المعاصي ، واجتناب المناهي . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : لم خص اليد مع أن الفعل قد يحصل بغيرها . أجيب بأن سلطنة الأفعال إنما تظهر في اليد إذ بها البطش ، والقطع ، والوصل ، والأخذ ، والمنع ، والإعطاء ، ونحوه . وقال الزمخشري : لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت ، فقيل : في كل عمل هذا مما عملت أيديهم ، وإن كان عملا لا يأتي فيه المباشرة بالأيدي ، ومنها ما قيل : لم قرن اللسان باليد ؟ أجيب بأن الإيذاء باللسان ، واليد أكثر من غيرهما فاعتبر الغالب . ومنها ما قيل : لم قدم اللسان على اليد ؟ أجيب بأن إيذاء اللسان أكثر وقوعا وأسهل ؛ ولأنه أشد نكاية ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان : اهج المشركين فإنه أشق عليهم من رشق النبل . وقال الشاعر : جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان ومنها ما قيل : المفهوم منه أنه إذا لم يسلم المسلمون منه لا يكون مسلما ، لكن الاتفاق على أنه إذا أتى بالأركان الخمسة فهو مسلم بالنص ، والإجماع ، وأجيب بأن المراد منه المسلم الكامل كما ذكرنا ، وإذا لم يسلم منه المسلمون فلا يكون مسلما كاملا ، وذلك لأن الجنس إذا أطلق يكون محمولا على الكامل ، نص عليه سيبويه في نحو : الرجل زيد . وقال ابن جني : من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يخصونه بالمدح اسم الجنس ، ألا ترى كيف سموا الكعبة بالبيت ، وقد يقال سلامة المسلمين خاصة المسلم ، ولا يلزم من انتفاء الخاصة انتفاء ما له الخاصة . ومنها ما قيل : ما يقال في إقامة الحدود ، وإجراء التعازير ، والتأديبات إلى آخره ، وأجيب بأن ذلك مستثنى من هذا العموم بالإجماع ، أو أنه ليس إيذاء بل هو عند التحقيق استصلاح ، وطلب للسلامة لهم ، ولو في المآل ، ومنها ما قيل : إذا آذى ذميا ما يكون حاله ؛ لأن الحديث مقيد بالمسلمين أجيب بأنه قد ذكر المسلمون هنا بطريق الغالب ، ولأن كف الأذى عن المسلم أشد تأكيدا لأصل الإسلام ، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا ، وإن كان فيهم من يجب الكف عنه . ومنها ما قيل : ما حكم المسلمات في ذلك ؛ لأنه ذكر بجمع التذكير ، وأجيب بأن هذا من باب التغليب ، فإن المسلمات يدخلن فيه كما في سائر النصوص والمخاطبات . ومنها ما قيل : لم عبر باللسان دون القول ؛ فإنه لا يكون إلا باللسان : أجيب بأنه إنما عبر به دون القول حتى يدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء . ومنها ما قيل : ما الفرق بين الأذى باللسان ، وبين الأذى باليد . أجيب بأن إيذاء اللسان عام ؛ لأنه يكون في الماضين والموجودين والحادثين بعد ، بخلاف اليد ؛ لأن إيذاءها مخصوص بالموجودين ، اللهم إلا إذا كتب باليد فإنه حينئذ تشارك اللسان ، فحينئذ يكون الحديث عاما بالنسبة إليهما ، وأما في الصورة الأولى فإنه عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد فافهم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده · ص 133 قال أبو عبد الله ، وقال أبو معاوية : حدثنا داود عن عامر ، قال : سمعت عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عبد الأعلى : عن داود ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . هذان تعليقان رجالهما خمسة : الأول : أبو معاوية محمد بن خازم بالخاء ، والزاي المعجمة الضرير الكوفي التميمي السعدي مولى سعد بن زيد مناة بن تميم ، يقال : عمي وهو ابن أربع سنين أو ثمان ، روى عن الأعمش وغيره ، وعنه أحمد وإسحاق ، وهو ثبت في الأعمش ، وكان مرجئا ، مات في صفر سنة خمس وتسعين ومائة ، وفي الرواة أيضا أبو معاوية النخعي عمر ، وأبو معاوية شيبان . الثاني : داود بن أبي هند دينار مولى امرأة من قشير ، ويقال : مولى عبد الله عامر بن كريز أحد الأعلام الثقات ، بصري رأى أنسا ، وسمع الشعبي ، وغيره من التابعين ، وعنه شعبة والقطان ، له نحو مائتي حديث ، وكان حافظا صواما دهره قانتا لله ، مات سنة أربعين ومائة بطريق مكة عن خمس وسبعين سنة ، روى له الجماعة ، والبخاري استشهد به هنا خاصة ، وليس له في صحيحه ذكر إلا هنا . الثالث : عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي بالسين المهملة من بني سامة بن لؤي بن غالب القرشي البصري ، روى عن الجريري وغيره ، وعنه بندار ، وهو ثقة قدري ، لكنه غير داعية ، مات في شعبان سنة تسع ، وثمانين ومائة ، وفي الصحيحين عبد الأعلى ثلاثة ، هذا وفي ابن ماجه آخر واه ، وآخر كذلك ، وآخر صدوق ، وفي النسائي آخر ثقة ، وفيه وفي الترمذي آخر ثقة ، وفي الأربعة آخران ضعفهما أحمد فالجملة تسعة ، وفي الضعفاء سبعة أخرى . الرابع : عامر ، هو الشعبي المذكور عن قريب . الخامس : عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد مر آنفا ، وأراد بالتعليق الأول بيان سماع الشعبي من عبد الله بن عمرو ؛ لأن وهيب بن خالد ، روى عن داود ، عن رجل ، عن الشعبي ، عن عبيد الله بن عمرو ، وحكاه ابن منده فأخرج البخاري هذا التعليق لينبه به على سماع الشعبي من عبد الله بن عمرو فعلى هذا لعل الشعبي بلغه ذلك عن عبد الله بن عمرو ، ثم لقيه فسمعه منه . وأخرج هذا التعليق إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي معاوية موصولا ، وأخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) ، فقال : حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ بتستر ، حدثنا محمد بن العلاء بن كريب ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قال : سمعت عبد الله بن عمرو ، ورب هذه البنية لسمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : المهاجر من هجر السيئات ، والمسلم من سلم الناس من لسانه ، ويده ، وأراد بالتعليق الثاني : التنبيه على أن عبد الله الذي أبهم في رواية عبد الأعلى ، هو عبد الله بن عمرو الذي بين في رواية أبي معاوية ، وقال قطب الدين في شرحه : هذا من تعليقات البخاري ؛ لأن البخاري لم يلحق أبا معاوية ، ولا عبد الأعلى ، والحديث المعلق عند أهل الحديث هو الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر ، وقد أكثر البخاري في صحيحه ، ولم يستعمله مسلم إلا قليلا . قال أبو عمرو بن الصلاح فيما جاء بصيغة الجزم ، كقال ، وحدث ، وذكر ، دون ما جاء بغير صيغته كيروى ، ويذكر ، وإنما كان ذلك ؛ لأن صاحبي ( الصحيحين ) ترجما كتابهما بالصحيح من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلولا أنه عندهما مسند متصل صحيح لم يستجيز أن يدخلا في كتابيهما : قوله : قال أبو عبد الله ، هو البخاري نفسه ؛ لأن أبا عبد الله كنيته . قوله : حدثنا داود عن عامر ، وفي رواية ابن عساكر : حدثنا داود ، هو ابن أبي هند . قوله في حديث ابن حبان : والمسلم من سلم الناس يتناول المسلمين ، وأهل الذمة ، وقال بعضهم : والمراد بالناس هنا المسلمون كما في الحديث الموصول ، فهم الناس حقيقة ، ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط ، وهو إلا بحق ، وإرادة هذه الشرط متعينة على كل حال . قلت : فيه نظر من وجوه : الأول : قوله : فهم الناس حقيقة يدل على أن غير المسلمين من بني آدم ليسوا بإنسان حقيقة ، وليس كذلك بل الناس يكون من الإنس ، ومن الجن قاله في ( العباب ) ، والثاني : قوله : ويمكن حمله استعمال الإمكان هاهنا غير سديد ، بل هو عام قطعا . والثالث : تخصيصه الشرط المذكور بهذا الحديث غير موجه ، بل هذا الشرط مراعى هاهنا ، وفي الحديث الموصول : فبهذا الشرط يخرج عن العموم في حق الأذى بالحق ، وأما في حق المسلم والذمي فعلى عمومه فافهم .