12 - بَاب مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ 19 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ ) عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنِ التَّرْجَمَةِ بِالْإِيمَانِ - مَعَ كَوْنِهِ تَرْجَمَ لِأَبْوَابِ الْإِيمَانِ - مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْحَدِيثِ ، وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ مُتَرَادِفَيْنِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ صَحَّ إِطْلَاقُ الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْإِيمَانِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ قَعْنَبَ ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ مُدَّةً . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ، فَسَقَطَ الْحَارِثُ مِنَ الرِّوَايَةِ ، وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْمَازِنِيُّ ، هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَشَهِدَ ابْنُهُ الْحَارِثُ أُحُدًا ، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) اسْمُهُ سَعْدٌ عَلَى الصَّحِيحِ - وَقِيلَ سِنَانُ - ابْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ، اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِأُحُدٍ ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ . وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ مُسْلِمٍ . نَعَمْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ - وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ : أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ . وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِتَنِ . وَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ فَيُقَيَّدُ بِهَا الْمُطْلَقُ . وَلَهَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُكْنَى الْبَوَادِي وَالسِّيَاحَةِ وَالْعُزْلَةِ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ . قَوْلُهُ : ( يُوشِكُ ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ : يَقْرَبُ . قَوْلُهُ : ( خَيْرَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِ ، وَغَنَمِ الِاسْمُ ، وَلِلْأَصِيلِيِّ بِرَفْعِ خَيْرُ وَنَصْبِ غَنَمًا عَلَى الْخَبَرِيَّةِ ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ ويُقَدَّرُ فِي يَكُونُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ، قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ ، لَكِنْ لَمْ تَجِئْ بِهِ الرِّوَايَةُ . قَوْلُهُ : ( يَتَّبِعُ ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا ، وَشَعَفِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ شَعَفَةٍ ، كَأَكَمٍ وَأَكَمَةٍ ، وَهِيَ رُؤوسُ الْجِبَالِ . قَوْلُهُ : ( وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى شَعَفِ ، أَيْ : بُطُونَ الْأَوْدِيَةِ ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا مَظَانُّ الْمَرْعَى . قَوْلُهُ : ( يَفِرُّ بِدِينِهِ ) أَيْ : بِسَبَبِ دِينِهِ . وَ مِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ ، قَالَ الشَّيْخُ النَّوَوِيُّ : فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَدُّ الْفِرَارِ دِينًا ، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانَةٌ لِلدِّينِ . قَالَ : فَلَعَلَّهُ لَمَّا رَآهُ صِيَانَةً لِلدِّينِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الدِّينِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنْ أُرِيدَ بِمِنْ كَوْنُهَا جِنْسِيَّةً أَوْ تَبْعِيضِيَّةً فَالنَّظَرُ مُتَّجَهٌ ، وَإِنْ أُرِيدَ كَوْنُهَا ابْتِدَائِيَّةً أَيِ : الْفِرَارُ مِنَ الْفِتْنَةِ مَنْشَؤُهُ الدِّينُ فَلَا يَتَّجِهُ النَّظَرُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، وَهُوَ أَلْيَقُ الْمَوَاضِعِ بِهِ ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ يُسْتَوْفَى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ · ص 87 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من الدين الفرار من الفتن · ص 96 فصل قال البخاري : 12 - باب من الدين الفرار من الفتن 19 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن . بوب البخاري على أن الفرار من الفتن من الدين ، وليس في الحديث إلا الإشعار بفضل من يفر بدينه من الفتن ، لكن لما جعل الغنم خير مال المسلم في هذه الحال دل على أن هذا الفعل من خصال الإسلام ، والإسلام هو الدين . وأصرح من دلالة هذا الحديث الذي خرجه هنا الحديث الذي خرجه في أول الجهاد من رواية الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد قال : قيل : يا رسول الله ، أي الناس أفضل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله . قالوا : ثم من ؟ قال : مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ، ويدع الناس من شره . وليس في هذا الحديث ذكر الفتن . وخرجه أبو داود ، وعنده : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي المؤمنين أكمل إيمانا ؟ فذكره . وهذا فيه دلالة على أن الاعتزال عن الشر من الإيمان . وفي المسند و جامع الترمذي ، عن طاوس ، عن أم مالك البهزية قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير الناس في الفتنة : رجل معتزل في ماله يعبد ربه ويؤدي حقه ، ورجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله . وروي عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الحاكم . وروي عن طاوس مرسلا . وخرج الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا : أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم ، أنجى الناس منها صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمها ، ورجل من وراء الدروب آخذ بعنان فرسه يأكل من فيء سيفه . وقد وقفه بعضهم . فهذه الروايات المقيدة بالفتن تقضي على الروايات المطلقة . وحديث أبي سعيد الذي خرجه البخاري هنا لم يخرجه مسلم . وقد روي عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد . وهو وهم . وروي عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن نهار العبدي ، عن أبي سعيد . وذكر نهار في إسناده وهم ، قاله الدارقطني . فقوله صلى الله عليه وسلم : يوشك - تقريب منه للفتنة ، وقد وقع ذلك في زمن عثمان كما أخبر به صلى الله عليه وسلم . وهذا من جملة أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم . وإنما كان الغنم خير مال المسلم حينئذ ؛ لأن المعتزل عن الناس بالغنم يأكل من لحومها ونتاجها ، ويشرب من ألبانها ، ويستمتع بأصوافها باللبس وغيره ، وهي ترعى الكلأ في الجبال وترد المياه . وهذه المنافع والمرافق لا توجد في غير الغنم ؛ ولهذا قال : يتبع بها شعف الجبال وهي رءوسها وأعاليها ؛ فإنها تعصم من لجأ إليها من عدو ، ومواقع القطر ؛ لأنه يجد فيها الكلأ والماء فيشرب منها ويسقي غنمه وترعى غنمه من الكلإ . وفي مسند البزار عن مخول البهزي ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : سيأتي على الناس زمان خير المال فيه غنم بين المسجدين ، تأكل من الشجر وترد الماء ، يأكل صاحبها من رسلها ويشرب من ألبانها ، ويلبس من أشعارها - أو قال : من أصوافها - والفتن ترتكس بين جراثيم العرب . وروي هذا المعنى عن عبادة بن الصامت من قوله . وواحد الجراثيم جرثومة ، وهي أصل الشيء . وفي هذا دلالة على أن من خرج من الأمصار فإنه يخرج معه بزاد ، وما يقتات منه . وقوله : يفر بدينه من الفتن - يعني : يهرب خشية على دينه من الوقوع في الفتن ؛ فإن من خالط الفتن وأهل القتال على الملك لم يسلم دينه من الإثم ؛ إما بقتل معصوم ، أو أخذ مال معصوم ، أو المساعدة على ذلك بقول ونحوه . وكذلك لو غلب على الناس من يدعوهم إلى الدخول في كفر أو معصية حسن الفرار منه . وقد مدح الله من فر بدينه خشية الفتنة عليه ، فقال حكاية عن أصحاب الكهف : وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ وروى عروة عن كرز الخزاعي قال : سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي : هل لهذا الإسلام من منتهى ؟ قال : من يرد الله به خيرا من عرب أو عجم أدخله عليه . قال : ثم ماذا ؟ قال : تقع فتن كالظلل . قال : كلا يا نبي الله ! قال : بلى ، والذي نفسي بيده لتعودون فيها أساود صبا ، يضرب بعضكم رقاب بعض ، وخير الناس يومئذ رجل يتقي ربه ، ويدع الناس من شره . الأساود : جمع أسود ، وهو أخبث الحيات وأعظمها . والصب : جمع صبوب ، على أن أصله صبب كرسول ورسل ، ثم خفف كرسل ؛ وذلك أن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب على الملدوغ . ويروى صبى على وزن حبلى . وفي الصحيحين عن حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر له الفتن ، فقال له : فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم . قال : فإن لم يكن جماعة ولا إمام ؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك . وقد اعتزل جماعة من الصحابة في الفتن في البوادي . وقال الإمام أحمد : إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء ، فأما إذا لم تكن فتنة فالأمصار خير . فأما سكنى البوادي على وجه العبادة وطلب السياحة والعزلة فمنهي عنه ، كما في الترمذي و صحيح الحاكم ، عن أبي هريرة قال : مر رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعب فيه عيينة من ماء عذب ، فأعجبه طيبه وحسنه ، فقال : لو اعتزلت الناس وأقمت في هذا الشعب ، ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فاستأمره ، فقال : لا تفعل ؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاما . وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ؛ ولكني بعثت بالحنيفية السمحة . وذكر باقيه بمعناه . وخرج داود من حديث أبي أمامة أن رجلا قال : يا رسول الله ، ائذن لي بالسياحة ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله . وفي المسند عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : عليك بالجهاد ؛ فإنه رهبانية الإسلام . وفي مراسيل طاوس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا رهبانية في الإسلام ولا سياحة . وفي المعنى مراسيل أخر متعددة . قال الإمام أحمد : ليست السياحة من الإسلام في شيء ، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين . والسياحة على هذا الوجه قد فعلها طوائف ممن ينسب إلى عبادة واجتهاد بغير علم ، ومنهم من رجع لما عرف ذلك . وقد كان في زمن ابن مسعود جماعة من المتعبدين خرجوا إلى ظاهر الكوفة ، وبنوا مسجدا يتعبدون فيه ، منهم : عمرو بن عتبة ، ومفضل العجلي . فخرج إليهم ابن مسعود وردهم على الكوفة وهدم مسجدهم ، وقال : إما أن تكونوا أهدى من أصحاب محمد ، أو تكونوا متمسكين بذنب الضلالة . وإسناد هذا صحيح عن الشعبي أنه حكى ذلك . وقد رأى عبد الله بن غالب الحداني رجلا في فلاة ، يأتيه رزقه ، لا يدري من أين يأتيه ، فقال له : إن هذه الأمة لم تؤمر بهذا ؛ إنما أمرت بالجمعة والجماعة ، وعيادة المرضى ، وتشييع الجنائز . فقبل منه ، وانتقل من ساعته إلى قرية فيها هذا كله . خرج حكايته ابن أبي الدنيا . وروي نحو هذه الحكاية أيضا عن أبي غالب صاحب أبي أمامة الباهلي . خرجها حميد بن زنجويه . وكذلك سكنى البوادي لتنمية المواشي والأموال كما جرى لثعلبة في ماله فمذموم أيضا . وفي سنن ابن ماجه ، عن أبي هريرة مرفوعا : ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين ، فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع ، ثم تجيء الجمعة فلا يشهدها ، وتجيء الجمعة فلا يشهدها حتى يطبع على قلبه . وخرجه الخلال من حديث جابر بمعناه أيضا . وخرج حميد بن زنجويه من رواية ابن لهيعة : ثنا عمر مولى غفرة أنه سمع ثعلبة بن أبي مالك الأنصاري يقول : قال حارثة بن النعمان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج الرجل في حاشية القرية في غنيمة يشهد الصلوات ، ويئوب إلى أهله حتى إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال : لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى كلأ من هذه ! فيرتفع حتى لا يشهد من الصلوات إلا الجمعة حتى إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال : لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى كلأ من هذه ، فيرتفع حتى لا يشهد جمعة ولا يدري متى الجمعة حتى يطبع الله على قلبه . وخرجه الإمام أحمد بمعناه . وفي سنن أبي داود والترمذي وغيرهما ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من سكن البادية جفا . وقال ابن مسعود في الذي يعود أعرابيا بعد هجرته : إنه ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم . وفي الصحيحين أن سلمة بن الأكوع قال : أذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البدو . وفي رواية للبخاري أن سلمة لما قتل عثمان خرج إلى الربذة ، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال ترك المدينة . وفي المسند أن سلمة قدم المدينة ، فقيل له : ارتددت عن هجرتك يا سلمة ؟ فقال : معاذ الله ! إني في إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ابدوا يا أسلم ، فتنسموا الرياح واسكنوا الشعاب ! فقالوا : يا رسول الله ، إنا نخاف أن يضرنا ذلك في هجرتنا ، قال : أنتم مهاجرون حيث ما كنتم . وفي الطبراني ، عن ابن عمر أنه قيل له : يا أبا عبد الرحمن ، قد أعشبت القفار فلو ابتعت أعنزا فتنزهت تصح ! فقال : لم يؤذن لأحد منا في البداء غير أسلم . وأسلم هي قبيلة سلمة بن الأكوع . وقد ترخص كثير من الصحابة من المهاجرين وغيرهم في سكنى البادية ، كسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ؛ فإنهما لزما منزلهما بالعقيق ، فلم يكونا يأتيان المدينة في جمعة ولا غيرها حتى لحقا بالله عز وجل . خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العزلة . وكان أبو هريرة ينزل بالشجرة وهي ذو الحليفة . وفي صحيح البخاري ، عن عطاء قال : ذهبت مع عبيد بن عمير إلى عائشة وهي مجاورة بثبير ، فقالت لنا : انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - مكة . وفي رواية له : قال : فسألناها عن الهجرة ، فقالت : لا هجرة اليوم ، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله ورسوله مخافة أن يفتن عليه ، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام ، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء ، ولكن جهاد ونية . وهذا يشعر بأنها إنما كانت تبدو ؛ لاعتقادها انقطاع الهجرة بالفتح . وكان أنس بن مالك يسكن بقصره بالزاوية خارج البصرة ، وكان ربما شهد الجمعة ، وربما لم يشهدها . وقد نص أحمد على كراهة المقام بقرية لا يقام فيها الجمعة وإن أقيمت فيها الجماعة . وقد يحمل ذلك على من كان بمصر جامع يجمع فيه ، ثم تركه وأقام بمكان لا جمعة فيه . وفي كلامه إيماء إليه أيضا . وقد يحمل كلامه على كراهة التنزيه دون التحريم . فأما المقام بقرية لا جمعة فيها ولا جماعة فمكروه . وقد قال أبو الدرداء لمعدان بن أبي طلحة : أين ينزل ؟ فقال : بقرية دون حمص ، فقال له : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا يؤذن ولا يقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة ؛ فإن الذئب يأكل القاصية . خرجه النسائي وغيره . وخرجه أحمد وأبو داود مختصرا . وفي رواية لأحمد فعليك بالمدائن ، ويحك يا معدان . وفي المسند أيضا عن معاذ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم ، يأخذ الشاة القاصية والناحية ؛ فإياكم والشعاب ، وعليكم بالجماعة والعامة والمساجد . فنهى عن سكنى الشعاب وهي البوادي ، وأمر بسكنى الأماكن التي فيها عامة الناس ومساجدهم وجماعتهم . وقد روي عن قتادة أنه فسر الشعاب في هذا الحديث بشعاب الأهواء المضلة المخالفة لطريق الهدي المستقيم . خرجه أبو موسى المديني عنه بإسناده . وفي هذا بعد ، وإنما فسر بهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه . فإن الأوزاعي فسره بالبدعة يخرج إليها الرجل من الجماعة . فأما الخروج إلى البادية أحيانا للتنزه ونحوه في أوقات الربيع وما أشبهه فقد ورد فيه رخصة ، ففي سنن أبي داود عن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، أنه سأل عائشة : هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبدو ؟ فقالت : نعم إلى هذه التلاع ، ولقد بدا مرة فأتى بناقة محرمة ، فقال : اركبيها يا عائشة وارفقي ؛ فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ، ولا نزع منه إلا شانه . وخرج مسلم آخر الحديث دون أوله . وورد النهي عنه ، ففي المسند عن عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : هلاك أمتي في اللبن ، قيل : يا رسول الله ، ما اللبن ؟ قال : تحبون اللبن وتدعون الجماعات والجمع ، وتبدون . وفي إسناده : ابن لهيعة . وإن صح فيحمل على إطالة المقام بالبادية مدة أيام كثرة اللبن كلها ، وهي مدة طويلة يدعون فيها الجمع والجماعات . وعن أبي عبد الله الجدلي قال : فضل أهل الأمصار على أهل القرى كفضل الرجال على النساء ، وفضل أهل القرى على أهل الكفور كفضل الأحياء على الأموات ، وسكان الكفور كسكان القبور ، وإن اللبن والعشب ليأكلان إيمان العبد كما تأكل النار الحطب . خرجه حميد بن زنجويه ، وروى بإسناده عن مكحول معنى أوله . ونص أحمد - في رواية مهنا - على كراهية الخروج إلى البادية لشرب اللبن ونحوه تنزها لما به من ترك الجماعة ، إلا أن يخرج لعلة . يعني أنه إذا خرج تداويا لعلة به جاز ، كما أذن النبي - صلى الله عليه وسلم – للعرنيين لما اجتووا المدينة أن يخرجوا إلى البادية ؛ ليشربوا من ألبان الإبل وأبوالها . قال أبو بكر الأثرم : النهي عن التبدي محمول على سكنى البادية والإقامة بها ، فأما التبدي ساعة أو يوما ونحوه فجائز . انتهى . وقد كان السلف كثير منهم يخرج إلى البادية أيام الثمار واللبن . قال الجريري : كان الناس يبدون هاهنا في الثمار ثمار البصرة ، وذكر منهم عبد الله بن شقيق وغيره . وكان علقمة يتبدى إلى ظهر النجف . وقال النخعي : كانت البداوة إلى أرض السواد أحب إليهم من البداوة إلى أرض البادية . يعني أن الخروج إلى القرى أهون من الخروج إلى البوادي . وكان بعضهم يمتنع من ذلك لشهود الجماعة . فروى أبو نعيم بإسناده ، عن أبي حرملة قال : اشتكى سعيد بن المسيب عينه ، فقيل له : يا أبا محمد ، لو خرجت إلى العقيق ، فنظرت إلى الخضرة ، ووجدت ريح البرية - لنفع ذلك بصرك ! فقال سعيد : وكيف أصنع بشهود العشاء والعتمة ؟ وما ذكره الأثرم من التفريق بين قصر المدة وطولها حسن ، لكنه حد القليل باليوم ونحوه ، وفيه نظر . وفي مراسيل أبي داود من رواية معمر ، عن موسى بن شيبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بدا أكثر من شهرين فهي أعرابية . وروى حميد بن زنجويه بإسناده ، عن خلف بن خليفة ، عن أبي هاشم قال : بلغني أن من نزل السواد أربعين ليلة كتب عليه الجفاء . وعن معاوية بن قرة قال : البداوة شهران فما زاد فهو تعرب .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من الدين الفرار من الفتن · ص 160 باب من الدين الفرار من الفتن . أي : هذا باب ، ولا يجوز فيه الإضافة ، وجه المناسبة بين البابين من حيث إن معنى الباب الأول : متضمن معنى هذا الباب ، وذلك لأن النقباء من الأنصار ، والأنصار كلهم خيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبذلوا أرواحهم وأموالهم في محبته فرارا بدينهم من فتن الكفر والضلال ، وكذلك هذا الباب يبين فيه ترك المسلم الاختلاط بالناس ، ومعاشرتهم ، واختياره العزلة والانقطاع فرارا بدينه من فتن الناس ، والاختلاط بهم . فإن قلت : لم لم يقل : باب من الإيمان الفرار من الفتن ، كما ذكر هكذا في أكثر الأبواب الماضية ، والأبواب الآتية ، وأيضا عقد الكتاب في الإيمان . قلت : إنما قال ذلك ليطابق الترجمة الحديث الذي يذكره في الباب ، فإن المذكور فيه الفرار بالدين من الفتن ، ولا يحتاج أن يقال : لما كان الإيمان والإسلام مترادفين عنده ، وقال الله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ أطلق الدين في موضع الإيمان . فإن قلت : قال النووي في الاستدلال بهذا الحديث للترجمة نظر ؛ لأنه لا يلزم من لفظ الحديث عد الفرار دينا ، وإنما هو صيانة للدين . قلت : لم يرد بكلامه الحقيقة ؛ لأن الفرار ليس بدين ، وإنما المراد أن الفرار للخوف على دينه من الفتن شعبة من شعب الدين ، ولهذا ذكره بمن التبعيضية ، وتقدير الكلام : باب الفرار من الفتن شعبة من شعب الدين . 1 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن . المطابقة بين الحديث والترجمة ظاهرة على ما ذكرنا . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : عبد الله بن مسلمة ، بفتح الميم ، واللام ، وسكون السين المهملة ابن قعنب أبو عبد الرحمن الحارثي البصري ، وكان مجاب الدعوة ، روى عن مالك ، والليث بن سعد ، ومخرمة بن بكير ، وابن أبي ذئب ، وسمع من أحاديث شعبة حديثا واحدا اتفق على توثيقه وجلالته ، وأنه حجة ثبت ، رجل صالح ، وقيل لمالك : إن عبد الله قدم ، فقال : قوموا بنا إلى خير أهل الأرض ، روى عنه البخاري ، ومسلم ، وأكثرا ، وروى الترمذي والنسائي عن رجل عنه ، وروى مسلم عن عبد بن حميد عنه حديثا واحدا في الأطعمة ، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين بمكة . الثاني : مالك بن أنس إمام دار الهجرة . الثالث : عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، واسمه عمرو بن زيد بن عوف بن منذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأنصاري المازني المدني ، ذكره ابن حبان في ( الثقات ) ، مات سنة تسع وثلاثين ومائة ، روى له البخاري ، والنسائي ، وابن ماجه . وقال الخطيب في كتابه ( رافع الارتياب ) : إن الصواب عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة . قال ابن المديني ، ووهم ابن عيينة ، حيث قال : عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، وقال الدارقطني : لم يختلف على مالك في اسمه . قلت : في ( الثقات ) لابن حبان خالفهم مالك ، فقال : عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة . الرابع : أبوه عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري ، وثقه النسائي ، وابن حبان ، وروى له البخاري ، وأبو داود ، وكان جده شهد أحدا ، وقتل يوم اليمامة شهيدا مع خالد بن الوليد رضي الله عنه ، وأبوه عمرو ، مات في الجاهلية ، قتله بردع بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر من الأوس ، ثم أسلم بردع ، وشهد أحدا . الخامس : أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان بن عبيد ، وقيل : عبد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر ، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري ، وزعم بعضهم أن خدرة هي أم الأبجر استصغر يوم أحد فرد ، وغزا بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، واستشهد أبوه يوم أحد ، روي له ألف حديث ومائة وسبعون حديثا . اتفقا منها على ستة وأربعين وانفرد البخاري بستة عشر ، ومسلم باثنين وخمسين ، روى عن جماعة من الصحابة ، منهم : الخلفاء الأربعة ، ووالده مالك ، وأخوه لأمه قتادة بن النعمان ، وروى عنه جماعة من الصحابة ، منهم : ابن عمر ، وابن عباس ، وخلق من التابعين ، توفي بالمدينة سنة أربع وستين ، وقيل : أربع وسبعين ، روى له الجماعة ، واعلم أن منهم من قال : إن اسم أبي سعيد هذا سنان بن مالك بن سنان ، والأصح ما ذكرناه أنه سعد بن مالك بن سنان ، وفي الصحابة أيضا سعد بن أبي وقاص مالك وسعد بن مالك العذري قدم في وفد عذرة . ( بيان الأنساب ) القعنبي ، هو عبد الله بن مسلمة شيخ البخاري ، ونسبته إلى جده قعنب ، والقعنب في اللغة الشديد ، ومنه يقال للأسد : القعنب ، ويقال : القعنب الثعلب الذكر . والمازن في قبائل ، ففي قيس بن غيلان مازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان ، وفي قيس بن غيلان أيضا مازن بن صعصعة . وفي فزارة مازن بن فزارة ، وفي ضبة مازن بن كعب ، وفي مذحج مازن بن ربيعة ، وفي الأنصار مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج ، وفي تميم مازن بن مالك ، وفي شيبان بن ذهل مازن بن شيبان ، وفي هذيل مازن بن معاوية ، وفي الأزد مازن بن الأزد ، والخدري ، بضم الخاء المعجمة ، وسكون الدال المهملة نسبة إلى خدرة أحد أجداد أبي سعيد ، وقال ابن حبان في ( ثقاته ) في ترجمة أبي سعيد : إن خدرة من اليمن ، ومراده أن الأنصار من اليمن ، فهم بطن من الأنصار ، وهم نفر قليل بالمدينة ، وقال أبو عمر : خدرة وخدارة بطنان من الأنصار ، فأبو مسعود الأنصاري من خدارة ، وأبو سعيد من خدرة ، وهما ابنا عوف بن الحارث كما تقدم ، وضبط أبو عمر خدارة ، بضم الخاء المعجمة ، وهو خلاف ما قاله الدارقطني من كونه بالجيم المكسورة ، وصوبه الرشاطي ، وكذا نص عليه العسكري في الصحابة ، والحافظ أبو الحسن المقدسي . واعلم أن الخدري بالضم ، يشتبه بالخدري بالكسر ، نسبة إلى خدرة بطن من ذهل بن شيبان ، وبالخدري بفتح الخاء ، والدال ، وهو محمد بن حسن متأخر ، روى عن أبي حاتم ، وبالجدري بفتح الجيم ، والدال ، وهو عمير بن سالم ، وبكسر الجيم ، وسكون الدال الجدري نسبة إلى جدرة بطن من كعب . ( بيان لطائف الإسناد ) ، منها أن هذا الإسناد كله مدنيون . ومنها أن فيه فرد تحديث ، والباقي عنعنة . ومنها أن فيه صحابي ابن صحابي . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) . هذا من أفراد البخاري عن مسلم . ورواه هاهنا عن القعنبي ، وفي الفتن عن ابن يوسف ، وفي إسناد الكتاب عن إسماعيل ثلاثتهم عن مالك به ، وفي الرقاق وعلامات النبوة عن أبي نعيم ، عن الماجشون ، عن عبد الرحمن به ، وهو من أحاديث مالك في الموطأ ، وزعم الإسماعيلي في ( مستخرجه ) أن إسحاق بن موسى الأنصاري رواه عن معن ، عن مالك ، فجعله من قول أبي سعيد لم يجاوزه ، وقال الإسماعيلي : أسنده ابن وهب التنيسي وسويد وغيرهم ، والحديث أخرجه أبو داود والنسائي أيضا . ( بيان اللغات ) : قوله : يوشك ، بضم الياء ، وكسر الشين المعجمة ، أي : يقرب ، ويقال في ماضيه : أوشك ، ومن أنكر استعماله ماضيا فقد غلط ، فقد كثر استعماله ، قال الجوهري : أوشك فلان يوشك إيشاكا ، أي : أسرع . قال جرير : إذا جهل اللئيم ، ولم يقدر لبعض الأمر أوشك أن يصابا قال : والعامة تقول : يوشك ، بفتح الشين ، وهي لغة رديئة . وقال ابن السكيت ، واشك يواشك وشاكا ، مثل : أوشك ، ويقال : إنه مواشك ، أي : مسارع . وفي ( العباب ) قولهم : وشك ذا خروجا بالضم يوشك ، أي : يسرع ، وقال ابن دريد : الوشك السرعة ، ويقال الوشك والوشك ، ودفع الأصمعي الوشك يعني بالكسر . وقال الكسائي : عجبت من وشكان ذلك الأمر ، ومن وشكانه ، أي : من سرعته ، وفي المثل : وشكان ماذا إذابة وحقنا ، أي : أي ما أسرع ما أذيب هذا السمن وحقن ، ونصب إذابة ، وحقنا على الحال ، وإن كانا مصدرين ، كما يقال : سرع ذا مذابا ومحقونا ، ويجوز أن يحمل على التمييز كما يقال : حسن زيد وجها ، يضرب في سرعة وقوع الأمر ، ولمن يخبر بالشيء قبل أوانه ، ويقال : وشكان ذا إهالة . فإن قلت : هل يستعمل منه اسم الفاعل ؟ قلت : نعم ، ولكنه نادر . قال كثير بن عبد الرحمن : فإنك موشك أن لا تراها وتغدو دون غاضرة العوادي وغاضرة بالمعجمتين اسم جارية أم البنتين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، والعوادي عوائق الدهر ، وموانعه . قوله : غنم الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث جميعا ، وعلى الذكور وحدهم ، وعلى الإناث وحدها ، فإذا صغرتها الحقتها الهاء ، فقلت : غنيمة ؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لازم لها ، ويقال له خمس من الغنم ذكور ، فيؤنث العدد ؛ لأن العدد يجري على تذكيره ، وتأنيثه على اللفظ لا على المعنى . قوله : يتبع بتشديد التاء وتخفيفها ، فالأول من باب الافتعال من اتبع اتباعا ، والثاني من تبع بكسر الباء يتبع بفتحها تبعا بفتحتين ، وتباعة بالفتح ، يقال : تبعت القوم إذا مشى خلفهم أو مروا به فمضى معهم . قوله : شعف الجبال بشين معجمة مفتوحة ، وعين مهملة مفتوحة ، جمع شعفة بالتحريك رأس الجبل ، ويجمع أيضا على شعوف ، وشعاف ، وشعفات . قاله في ( العباب ) ، وفي ( الموعب ) عن الأصمعي : إن الشعاف بالكسر ، وعن ابن قتيبة شعفة كل شيء أعلاه . قوله : ومواقع القطر ، أي : المطر ، والمواقع جمع موقع بكسر القاف ، وهو موضع نزول المطر . قوله : يفر من فر يفر فرارا ومفرا إذا هرب ، والمفر بكسر الفاء موضع الفرار ، والفتن جمع فتنة ، وأصل الفتنة الاختبار ، يقال : فتنت الفضة على النار إذا خلصتها ، ثم استعملت فيما أخرجه الاختبار للمكروه ، ثم كثر استعماله في أبواب المكروه ، فجاء مرة بمعنى الكفر كقوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ويجيء للإثم كقوله تعالى : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ويكون بمعنى الإحراق كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أي : حرقوهم ، ويجيء بمعنى الصرف عن الشيء كقوله تعالى : وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ( بيان الإعراب ) : قوله : يوشك من أفعال المقاربة عند النحاة ، وضع لدنو الخبر أخذا فيه ، وهو مثل كاد وعسى في الاستعمال ، فيجوز أوشك زيد يجيء ، وأن يجيء ، وأوشك أن يجيء زيد على الأوجه الثلاثة ، وخبره يكون فعلا مضارعا مقرونا بأن ، وقد يسند إلى أن كما قلنا في الأوجه الثلاثة . والحديث من هذا القبيل حيث أسند يوشك إلى أن والفعل المضارع فسد ذلك مسد اسمه وخبره ، ومثله قول الشاعر : يوشك أن يبلغ منتهى الأجل فالبر لازم برجا ووجل قوله : خير يجوز فيه الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى الابتداء ، وخبره قوله : غنم ، ويكون في يكون ضمير الشأن ؛ لأنه كلام تضمن تحذيرا وتعظيما لما يتوقع ، وأما النصب فعلى كونه خبر يكون مقدما على اسمه ، وهو قوله : غنم ، ولا يضر كون غنم نكرة ؛ لأنها وصفت بقوله : يتبع بها ، وقد ، روى غنما بالنصب ، وهو ظاهر ، والأشهر في الرواية نصب خبر ، وفي رواية الأصيلي بالرفع ، والضمير في بها يرجع إلى الغنم ، وقد ذكرنا أنه اسم جنس يجوز تأنيثه باعتبار معنى الجمع . قوله : شعف الجبال كلام إضافي منصوب على أنه مفعول يتبع . قوله : ومواقع القطر أيضا كلام إضافي منصوب عطفا على شعف الجبال . قوله : يفر بدينه من الفتن ، أي : من فساد ذات البين وغيرها ، وقوله : يفر جملة من الفعل ، والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى المسلم ، وهي في محل النصب على الحال إما من الضمير الذي في يتبع أو من المسلم ، ويجوز وقوع الحال من المضاف إليه نحو قوله تعالى : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا فإن قلت : إنما يقع الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف جزأ من المضاف إليه أو في حكمه كما في : رأيت وجه هند قائمة ، فإنه يجوز ولا يجوز قولك : رأيت غلام هند قائمة ، والمال ليس بجزء للمسلم . قلت : المال لشدة ملابسته بذي المال كأنه جزء منه ، وكذلك الملة ليس بجزء لإبراهيم حقيقة ، وإنما هي بمنزلة الجزء منه ، ويجوز أن تكون هذه الجملة استئنافية ، وهي في الحقيقة جواب سؤال مقدر ، ويقدر ذلك بحسب ما يقتضيه المقام ، والباء في بدينه للسببية ، وكلمة من في قوله : من الفتن ابتدائية تقديره : يفر بسبب دينه ، ومنشأ فراره الدين ، ويجوز أن تكون الباء للمصاحبة كما في قوله تعالى : اهْبِطْ بِسَلامٍ أي : معه . ( بيان استنباط الفوائد ) ، وهو على وجوه : الأول : فيه فضل العزلة في أيام الفتن إلا أن يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة فإنه يجب عليه السعي في إزالتها إما فرض عين ، وإما فرض كفاية بحسب الحال والإمكان ، وأما في غير أيام الفتنة فاختلف العلماء في العزلة والاختلاط أيهما أفضل . قال النووي : مذهب الشافعي والأكثرين إلى تفضيل الخلطة لما فيها من اكتساب الفوائد ، وشهود شعائر الإسلام ، وتكثير سواد المسلمين ، وإيصال الخير إليهم ، ولو بعيادة المرضى ، وتشييع الجنائز ، وإفشاء السلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتعاون على البر والتقوى ، وإعانة المحتاج ، وحضور جماعاتهم ، وغير ذلك مما يقدر عليه كل أحد ، فإن كان صاحب علم أو زهد تأكد فضل اختلاطه ، وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة لما فيها من السلامة المحققة لكن بشرط أن يكون عارفا بوظائف العبادة التي تلزمه ، وما يكلف به قال : والمختار تفضيل الخلطة لمن لا يغلب على ظنه الوقوع في المعاصي . وقال الكرماني : المختار في عصرنا تفضيل الانعزال لندور خلو المحافل عن المعاصي . قلت : أنا موافق له فيما قال ، فإن الاختلاط مع الناس في هذا الزمان لا يجلب إلا الشرور . الثاني : فيه الاحتراز عن الفتن ، وقد خرجت جماعة من السلف عن أوطانهم ، وتغربوا خوفا من الفتنة ، وقد خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة في فتنة عثمان رضي الله عنه . الثالث : فيه دلالة على فضيلة الغنم ، واقتنائها على ما نقول عن قريب إن شاء الله تعالى . الرابع : فيه إخبار بأنه يكون في آخر الزمان فتن ، وفساد بين الناس ، وهذا من جملة معجزاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : لم قيد بالغنم ، وأجيب بأن هذا النوع من المال نموه وزيادته أبعد من الشوائب المحرمة كالربا ، والشبهات المكروهة ، وخصت الغنم بذلك لما فيها من السكينة والبركة ، وقد رعاها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أنها سهلة الانقياد خفيفة المؤنة كثيرة النفع . ومنها ما قيل : لم قيد الاتباع بالمواضع الخالية مثل شعف الجبال ونحوها ؟ وأجيب بأنها أسلم غالبا من المعادلات المؤدية إلى الكدورات . ومنها ما قيل : ما وجه كون الغنم خير مال المسلم ؟ وأجيب بأنه لما كان فيها الجمع بين الرفق والربح ، وصيانة الدين كانت خير الأموال التي يعتنى بها المسلم . ومنها ما قيل : لم قيد الاتباع المذكور بقوله : يفر بدينه من الفتن ؟ وأجيب للإشعار بأن هذا الاتباع ينبغي أن يكون استعصاما للدين لا للأمر الدنيوي كطلب كثرة العلف ، وقلة أطماع الناس فيه . ومنها ما قيل : كيف يجمع بين مقتضى هذا الحديث من اختيار العزلة ، وبين ما ندب إليه الشارع من اختلاط أهل المحلة لإقامة الجماعة ، وأهل السواد مع أهل البلدة للعيد والجمعة ، وأهل الآفاق لوقوف عرفة ، وفي الجملة اهتمام الشارع بالاجتماع معلوم ، ولهذا قال الفقهاء : يجوز نقل اللقيط من البادية إلى القرية ، ومن القرية إلى البلد لا عكسهما ، وأجيب بأن ذلك عند عدم الفتنة ، وعدم وقوعه في المعاصي ، وعند الاجتماع بالجلساء الصلحاء ، وأما اتباع الشعف ، والمقاطر ، وطلب الخلوة ، والانقطاع إنما هو في أضداد هذه الحالات .