20 - بَاب لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ وَقَالَ جَابِرُ ، وَأَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدَعُ الصَّلَاةَ 321 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ : أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ ؟ فَقَالَتْ : أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ، كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ ، أَوْ قَالَتْ : فَلَا نَفْعَلُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ ) نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَقَالَ : اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوجِبُونَهُ ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سَلَمَةَ ، لَكِنِ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ) هَذَا التَّعْلِيقُ عَنْ هَذَيْنِ الصَّحَابِيَّيْنِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ بِالْمَعْنَى ، فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ حَيْضِ عَائِشَةَ فِي الْحَجِّ وَفِيهِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ وَلَا تُصَلِّي ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ وَفِيهِ أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ؟ . فَإِنْ قِيلَ : التَّرْجَمَةُ لِعَدَمِ الْقَضَاءِ ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لِعَدَمِ الْإِيقَاعِ ، فَمَا وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ ؟ أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ التَّرْكَ فِي قَوْلِهِ تَدَعُ الصَّلَاةَ مُطْلَقُ أَدَاءٍ وَقَضَاءٍ . انْتَهَى . وَهُوَ غَيْرُ مُتَّجَهٍ ; لِأَنَّ مَنْعَهَا إِنَّمَا هُوَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ فَقَطْ ، وَقَدْ وَضَحَ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى التَّرْكِ أَوَّلًا بِالتَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ ، وَعَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، فَجَعَلَ الْمُعَلَّقُ كَالْمُقَدِّمَةِ لِلْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ الَّذِي هُوَ مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ ) هِيَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةُ ، وَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهَا بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ ) كَذَا أَبْهَمَهَا هَمَّامٌ ، وَبَيَّنَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا هِيَ مُعَاذَةُ الرَّاوِيَةُ . أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ مُعَاذَةَ . قَوْلُهُ : ( أَتَجْزِي ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، أَيْ أَتَقْضِي . وَصَلَاتَهَا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَيُرْوَى أَتُجْزِئُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالْهَمْزِ ، أَيْ أَتَكْفِي الْمَرْأَةَ الصَّلَاةُ الْحَاضِرَةُ وَهِيَ طَاهِرَةٌ وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى قَضَاءِ الْفَائِتَةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ ؟ فَصَلَاتُهَا عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، وَالْأُولَى أَشْهَرُ . قَوْلُهُ : ( أَحَرُورِيَّةٌ ) الْحَرُورِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى حَرُورَاءَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْدَ الْوَاوِ السَّاكِنَةِ رَاءٌ أَيْضًا ، بَلْدَةٌ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْكُوفَةِ ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا بِالْمَدِّ . قَالَ الْمُبَرِّدُ : النِّسْبَةُ إِلَيْهَا حَرُورَاوِيُّ ، وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ فِي آخِرِهِ أَلِفُ تَأْنِيثٍ مَمْدُودَةٌ ، وَلَكِنْ قِيلَ الْحَرُورِيُّ بِحَذْفِ الزَّوَائِدِ ، وَيُقَالُ لِمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ حَرُورِيٌّ ; لِأَنَّ أَوَّلَ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ بِالْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ فَاشْتُهِرُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا ، وَهُمْ فِرَقٌ كَثِيرَةٌ ، لَكِنْ مِنْ أُصُولِهِمُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَهُمُ الْأَخْذُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَرَدُّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا ، وَلِهَذَا اسْتَفْهَمَتْ عَائِشَةُ مُعَاذَةَ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ عَنْ مُعَاذَةَ فَقُلْتُ : لَا وَلَكِنِّي أَسْأَلُ ، أَيْ سُؤَالًا مُجَرَّدًا لِطَلَبِ الْعِلْمِ لَا لِلتَّعَنُّتِ ، وَفَهِمَتْ عَائِشَةُ عَنْهَا طَلَبَ الدَّلِيلِ فَاقْتَصَرَتْ فِي الْجَوَابِ عَلَيْهِ دُونَ التَّعْلِيلِ ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا لِلْحَرَجِ بِخِلَافِ الصِّيَامِ ، وَلِمَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْحَائِضَ مُخَاطَبَةٌ بِالصِّيَامِ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّهَا لَمْ تُخَاطَبْ بِالصَّلَاةِ أَصْلًا . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : اكْتِفَاءُ عَائِشَةَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ بِكَوْنِهَا لَمْ تُؤْمَرْ بِهِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا أَخَذَتْ إِسْقَاطَ الْقَضَاءِ مِنْ إِسْقَاطِ الْأَدَاءِ ، فَيُتَمَسَّكُ بِهِ حَتَّى يُوجَدَ الْمُعَارِضُ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ كَمَا فِي الصَّوْمِ ، ثَانِيهُمَا - قَالَ وَهُوَ أَقْرَبُ - أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى بَيَانِ هَذَا الْحُكْمِ لِتَكَرُّرِ الْحَيْضِ مِنْهُنَّ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ عَنْ مُعَاذَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ ، أَوْ قَالَتْ : فَلَا نَفْعَلُهُ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالشَّكِّ ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَلَمْ نَكُنْ نَقْضِي وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهَا فَلَمْ نَكُنْ نَقْضِي أَوْضَحُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهَا فَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ ; لِأَنَّ عَدَمَ الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ هُنَا قَدْ يُنَازَعُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، لِاحْتِمَالِ الِاكْتِفَاءِ بِالدَّلِيلِ الْعَامِّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ · ص 501 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب لا تقضي الحائضُ الصلاةَ · ص 499 20 - باب لا تقضي الحائضُ الصلاةَ وقال جابر بن عبد الله وأبو سعيد عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( تدع الصلاة ) . حديث أبي سعيد المشار إليه قَد خرجه بتمامه في ( باب ترك الحائض الصوم ) ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أليس إذا حاضت لَم تصل ولم تصم ؟ ) قلن : بلى . قالَ : ( فذلك من نقصان دينها ) [...] . وحديث جابر المشار إليه [...] . وقد سبق حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ للمستحاضة : ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ) . وقد أجمع العلماء على أن الحائض لا يجوز لها الصلاة في حال حيضها ، فرضًا ولا نفلًا . وقد استحب لها طائفة من السلف أن تتوضأ في وقت كل صلاة مفروضة ، وتستقبل القبلة ، وتذكر الله عز وجل بمقدار تلك الصلاة ، منهُم الحسن وعطاء وأبو جعفر محمد بن علي ، وَهوَ قول إسحاق . وروي عَن عقبة بن عامر أنه كانَ يأمر الحائض بذلك ، وأن تجلس بفناء مسجدها . خرجه الجوزجاني . وقال مكحول : كانَ ذَلِكَ من هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن . وأنكر ذَلِكَ أكثر العلماء ، وقال أبو قلابة : قَد سألنا عَن هَذا ، فما وجدنا لَهُ أصلا . خرجه حرب الكرماني . وقال سعيد بن عبد العزيز : ما نعرف هَذا ، ولكننا نكرهه . قالَ ابن عبد البر : على هَذا القول جماعة الفقهاء وعامة العلماء في الأمصار . وممن قالَ : ليسَ ذَلِكَ على الحائض - الأوزاعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومالك . وكذلك قالَ أحمد ، قالَ : ليسَ عليها ذَلِكَ ، ولا بأس أن تسبح وتهلل وتكبر . وبه قالَ أبو خيثمة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، وأبو ثور . وأصحاب الشَافِعي ، وزادوا أنه يحرم عليها الوضوء إذا قصدت بهِ العبادة ورفع الحدث ، وإنما يجوز لها أن تغتسل أغسال الحج ؛ لأنه لا يراد بها رفع الحدث ، بل النظافة . وقد روى يحيى بن صاعد : ثنا عبد الجبار بن العلاء : ثنا أيوب بن سويد الرملي : ثنا عتبة بن أبي حكيم ، عَن أبي سفيان طلحة بن نافع : حدثني عبد الله بن عباس أنه بات عندَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في ليلة ميمونة بنت الحارث ، فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأسبغ الوضوء ، [وأقل] هراقة الماء . وقام فافتتح الصلاة ، فقمت ، فتوضأت ، وقمت عَن يساره . فأخذ بأذني ، فأقامني عَن يمينه ، وكانت ميمونة حائضًا ، فقامت ، فتوضأت ، ثم قعدت خلفه تذكر الله عز وجل . خرجه الطبراني في ( مسند الشاميين ) وغيره . وهذا غريب جدا ، وأيوب بن سويد الرملي ضعيف . خرج البخاري في هَذا الباب : 321 - حديث قتادة : حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة : أتجزي إحدانا صلاتها إذا هي طهرت ؟ فقالت : أحرورية أنت ؟ كنا نحيض معَ النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا بهِ ، أو قالت : فلا نفعلهُ . قولها : ( أتجزي ) - هوَ بفتح التاء ، و( صلاتها ) بفتح التاء ، والمعنى : أتقضي صلاتها إذا طهرت من حيضها . وقول عائشة : ( أحرورية أنت ؟ ) - تعني : أنت من أهل حروراء ، وهم الخوارج ؛ فإنه قَد قيل : إن بعضهم كانَ يأمر بذلك ، وقيل : إنها أرادت أن هَذا من جنس تنطع الحرورية ، وتعمقهم في الدين حتى خرجوا منهُ . ثم ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ لا يأمرهن بذلك إذا حضن ، أو لا يفعلنه ، شك الراوي أي اللفظتين قالت . ومعناهما متقارب ؛ فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم إذا كن يحضن في زمانه فلا يقضين الصلاة إذا طهرن فإنما يكون ذَلِكَ بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم على ذَلِكَ ، وأمره بهِ ؛ فإن مثل هَذا لا يخفى عليهِ . ولو كانَ القضاء واجبًا عليهن لَم يهمل ذَلِكَ ، وَهوَ لا يغفل عَن مثله لشدة اهتمامه بأمر الصلاة . وقد خرج هَذا الحديث مسلم في ( صحيحه ) بلفظ ( ثُم لا نؤمر بالقضاء ) - من غير تردد ، وخرجه بلفظ آخر ، وَهوَ ( كانَ يصيبنا ذَلِكَ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنؤمر بقضاء الصوم ، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) . وقد حكى غير واحد من الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة ، وأنهم لَم يختلفوا في ذَلِكَ . منهُم الزهري ، والإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، والترمذي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وغيرهم . وقال عطاء وعكرمة : قضاء الحائض الصلاة بدعة . وقال الزهري : أجمع الناس على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ، وقال : وليس في كل شيء نجد الإسناد . وقد حكي عَن بعض الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة ، وعن بعضهم أنها تصلي في حال حيضها . ولكن في ( سنن أبي داود ) بإسناد فيهِ لين أن سمرة بن جندب كانَ يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض . وقد ذكر البخاري في ( الصيام ) من ( كتابه ) هَذا عَن أبي الزناد ، أنه قالَ : إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرَأي ، فلا يجد المسلمون بدا من اتباعها ، من ذَلِكَ أن الحائض تقضي الصوم دونَ الصلاة . وهذا يدل على أن هَذا مما لا يدرك بالرأي ، ولا يهتدي الرَأي إلى وجه الفرق فيهِ . وقد فرق كثير من الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي بين قضاء الصوم والصلاة بأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات ، والحيض لا يخلو منهُ كل شهر غالبًا ، فلو أمرت الحائض بقضاء الصلاة معَ أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذَلِكَ عليها . بخلاف الصيام ؛ فإنه إنما يجيء مرةً واحدةً في السنة ، فلا يشق قضاؤه . ومنهم من قالَ : جنس الصلاة يتكرر في كل يوم من أيام الطهر ، فيغني ذَلِكَ عَن قضاء ما تركته منها في الحيض ، بخلاف صيام رمضان ؛ فإنه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها ، فإذا طهرت الحائض أمرت بقضاء ما تركته أيام حيضها ؛ لتأتي بتمام عدته المفروضة في السنة ، كَما يؤمر بذلك من أفطر لسفر أو مرض . وإنما يسقط عَن الحائض قضاء الصلاة التي استغرق حيضها وقتها ، ولم تكن مجموعة إلى ما قبلها أو بعدها . فإن لَم يستغرق حيضها وقت الصلاة ، بل طهرت في آخر الوقت ، أو حاضت بعد مضي أوله - ففي لزوم قضائها لها خلاف يأتي ذكره في ( كِتابِ الصلاة ) إن شاء الله تعالى . وكذلك لو طهرت في آخر وقت صلاة تجمع إلى ما قبلها ، مثل أن تطهر في آخر وقت العصر أو العشاء ، فهل يلزمها قضاء الظهر والمغرب ؟ فيهِ أيضا اختلاف يذكر في ( الصلاة ) إن شاء الله تعالى . وإن حاضت في أول وقت صلاة تجمع إلى ما بعدها ففي لزوم القضاء لما بعد الصلاة التي حاضت في وقتها اختلاف أيضا ، والقول بوجوب القضاء هنا أبعد من التي قبلها .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا تقضي الحائض الصلاة · ص 299 ( باب لا تقضي الحائض الصلاة ) أي هذا باب فيه الحائض لا تقضي الصلاة ، وإنما قال : لا تقضي الصلاة ، ولم يقل تدع الصلاة كما في حديث جابر وأبي سعيد ؛ لأن عدم القضاء أعم وأشمل . والمناسبة بين البابين من حيث إن في الباب الأول : ترك الصلاة عند إقبال الحيض ، وهذا الباب فيه كذلك . ( وقال جابر وأبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم : تدع الصلاة ) . مطابقة هذا التعليق للترجمة من حيث إن ترك الصلاة يستلزم عدم القضاء ، ولأن الشارع أمر بالترك ، ومتروك الشرع لا يجب فعله ، فلا يجب قضاؤه إذا ترك ، أما التعليق عن جابر فقد أخرجه البخاري في كتاب الأحكام من طريق حبيب ، عن جابر في قصة حيض عائشة في الحج . وفيه : ( غير أنها لا تطوف ولا تصلي ) ، ومعنى قوله : ( ولا تصلي ) ، تدع الصلاة . ورواه مسلم نحوه من طريق أبي الزبير ، عن جابر رضي الله تعالى عنه ، وأما التعليق ، عن أبي سعيد الخدري فأخرجه في باب ترك الحائض الصوم . وفيه : ( إذا حاضت لم تصم ) . وقال الكرماني : فإن قلت : عقد الباب في القضاء لا في الترك . قلت : الترك مطلق أداء وقضاء ، قلت : عقد الباب في عدم القضاء ، وعدم القضاء ترك والترك أعم . وقال بعضهم : والذي يظهر لي أن هذا كلام صادر من غير تأمل ؛ لأن الترك وعدم القضاء بمعنى واحد في الحقيقة ، وكلامه يشعر بالتغاير بينهما ، فإذا سلمنا ذلك كان يتعين عليه أن يشير إليهما في الترجمة ، وحيث لم يشر إلى ذلك فيها علمنا أن ما بينهما مغايرة ، فلذلك اقتصر في الترجمة على أحدهما . 26 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا همام قال : حدثنا قتادة قال : حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة : أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت ، فقالت : أحرورية أنت ، كنا نحيض مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا به ، أو قالت : فلا نفعله . مطابقة للترجمة في قولها : ( فلا يأمرنا به ) ، أي : بقضاء الصلاة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي . الثاني : همام بالتشديد ابن يحيى بن دينار العدوي ، قال أحمد : همام ثبت في كل المشايخ ، مات سنة ثلاث وستين ومائة . الثالث : قتادة الأكمه المفسر . الرابع : معاذة بضم الميم وبالعين المهملة وبالذال المعجمة بنت عبد الله العدوية الثقة الحجة الزاهدة ، روى لها الجماعة ، وكانت تحيي الليل ، ماتت سنة ثلاث وثمانين . الخامس : عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد . وفيه تصريح لسماع قتادة عنه معاذة ، وهو رد على ما ذكره شعبة وأحمد أنه لم يسمع منها . وفيه أن رواته كلهم بصريون . ( ذكر من أخرجه غيره ) : هذا الحديث أخرجه الستة مسلم ، عن أبي الربيع الزهراني ، عن حماد بن زيد ، وعن محمد بن المثنى ، عن غندر ، وعن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، وأبو داود ، عن موسى بن إسماعيل ، وعن الحسن بن عمرو والترمذي ، عن قتيبة ، عن حماد بن زيد والنسائي ، عن عمر بن زرارة وابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، كلهم أخرجوه في الطهارة والنسائي أخرجه في الصوم ، عن علي بن مسهر . ( ذكر لغاته ومعناه ) : قولها : ( أن امرأة ) ، ها هنا مبهمة أبهمها همام ، وبين في روايته عن قتادة أنها هي معاذة الراوية . وأخرجه الإسماعيلي من طريقه ، وكذا مسلم من طريق عاصم وغيره ، عن معاذة قالت : ( سألت عائشة : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت : أحرورية أنت قلت : لست بحرورية ، ولكن أسأل كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) ، وفي لفظ آخر : ( قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نؤمر بقضاء ) . وفي لفظ آخر : ( قد كنا نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضن ولا يأمرهن أن يجزين ) . قال محمد بن جعفر : يعني يقضين . قولها : ( أتجزي إحدانا ) ، بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الزاي غير مهموز . وحكى بعضهم الهمزة ، ومعناه : أتقضي ، وبه فسروا قوله تعالى : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يقال هذا الشيء يجزي عن كذا ، أي : يقوم مقامه . قولها : ( صلاتها ) بالنصب على المفعولية ، ويروى : ( أتجزى ) على صيغة المجهول ، وعلى هذا صلاتها بالرفع لأنه مفعول قام مقام الفاعل ومعناه : ( أتكفي المرأة الصلاة الحاضرة ) ، وهي طاهرة ولا تحتاج إلى قضاء عن الفائتة . قولها : ( أحرورية أنت ) ، جملة من المبتدأ ، وهو أنت والخبر وهو أحرورية ، دخلت عليها همزة الاستفهام الإنكارية ، وفائدة تقدم الخبر الدلالة على الحصر ، أي : أحرورية أنت لا غير ، وهي نسبة إلى حروراء قرية بقرب الكوفة ، وكان أول اجتماع الخوارج فيها . وقال الهروي : تعاقدوا في هذه القرية فنسبوا إليها ، فمعنى كلام عائشة هذا أخارجية أنت ؛ لأن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض ، وهو خلاف الإجماع وكبار فرق الحروية ستة : الأزارقة والصفرية والنجدات والعجاردة والإباضية والثعالبة ، والباقون فروع ، وهم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه ، ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي رضي الله عنهما ، ويقدمون ذلك على كل طاعة ، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك ، وكان خروجهم على عهد علي رضي الله عنه لما حكم أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص وأنكروا على علي في ذلك ، وقالوا : شككت في أمر الله ، وحكمت عدوك وطالت خصومتهم ، ثم أصبحوا يوما وقد خرجوا وهم ثمانية آلاف ، وأميرهم ابن الكوا عبد الله فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس فناظرهم فرجع منهم ألفان ، وبقي ستة آلاف ، فخرج إليهم علي فقاتلهم ، وكان يشددون في الدين ، ومنه قضاء الصلاة على الحائض ، قالوا : إذا لم يسقط في كتاب الله تعالى عنها على أصلها . وقد قلنا : إن حروراء اسم قرية وهي ممدودة . وقال بعضهم : بالقصر أيضا ، حكاه أبو عبيد ، وزعم أبو القاسم الغوراني أن حروراء هذه موضع بالشام . وفيه نظر ؛ لأن عليا رضي الله تعالى عنه إنما كان بالكوفة ، وقتاله لهم إنما كان هناك ، ولم يأت أنه قاتلهم بالشام ؛ لأن الشام لم يكن في طاعة علي رضي الله تعالى عنه ، وعلى ذلك أطبق المؤرخون . وقال المبرد : النسبة إلى حروراء حروراو ، وكذلك كل ما كان في آخره ألف التأنيث الممدودة ، ولكنه نسب إلى البلد بحذف الزوائد ؛ فقيل : الحروري . قولها : ( مع النبي صلى الله عليه وسلم ) ، أي : مع وجوده ، والمعنى في عهده ، والغرض منه بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان مطلعا على حالهن من الحيض وتركهن الصلاة في أيامه ، وما كان يأمرهن بالقضاء ، ولو كان واجبا لأمرهن به . وقولها : ( فلا يأمرنا به ) ، أي : بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بقضاء الصوم . قولها : ( أو قالت : لا نفعله ) ، أي : القضاء ولفظة " أو " للشك . قال الكرماني : والظاهر أنه من معاذة . وعند الإسماعيلي من وجه آخر ، فلم نكن نقضي ولم نؤمر به . ( ذكر ما يستنبط منه ) ، وهو أن الحائض لا تقضي الصلاة ، ولا خلاف في ذلك بين الأمة إلا لطائفة من الخوارج . قال معمر : قال الزهري : تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة . قلت : عمن قال : أجمع المسلمون عليه ، وليس في كل شيء تجد الإسناد القوي أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال ، وعلى أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة ، وعلى أنه عليهما قضاء الصوم ، والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة متكررة ، فشق قضاؤها بخلاف الصوم ، فإنه يجب في السنة مرة واحدة ، ومن السلف من كان يأمر الحائض بأن تتوضأ عند وقت الصلاة ، وتذكر الله تعالى تستقبل القبلة ذاكرة لله جالسة . روي ذلك عن عقبة بن عامر ومكحول . وقال : كان ذلك من هدي نساء المسلمين في حيضهن . وقال عبد الرزاق : بلغني أن الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة . وقال عطاء : لم يبلغني ذلك وإنه لحسن . وقال أبو عمر : هو أمر متروك عند جماعة الفقهاء ، بل يكرهونه . قال أبو قلابة : سألنا عن ذلك فلم نجد له أصلا . وقال سعيد بن عبد العزيز : ما نعرفه وإنا لنكرهه ، وفي منية المفتي للحنفية : يستحب لها عند وقت كل صلاة أن تتوضأ وتجلس في مسجد بيتها تسبح وتهلل مقدار أداء الصلاة لو كانت طاهرة حتى لا تبطل عادتها ، وفي الدراية : يكتب لها ثواب أحسن صلاة كانت تصلي . فإن قلت : هل الحائض مخاطبة بالصوم أو لا ؟ قلت : لا ، وإنما يجب عليها القضاء بأمر جديد . وقيل : مخاطبة به مأمورة بتركه ، كما يخاطب المحدث بالصلاة ، وإنه لا يصح منه في زمن الحدث ، وهذا غير صحيح ، وكيف يكون الصوم واجبا عليها ومحرما عليها بسبب لا قدرة لها على إزالته ، بخلاف المحدث ؛ فإنه قادر على الإزالة . والله أعلم بالصواب .