18 - سُورَةُ الْكَهْفِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَقْرِضُهُمْ تَتْرُكُهُمْ ، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : جَمَاعَةُ الثَّمَرِ ، بَاخِعٌ مُهْلِكٌ ، أَسَفًا نَدَمًا ، الْكَهْفُ : الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ ، وَالرَّقِيمُ : الْكِتَابُ ، مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنْ الرَّقْمِ ، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا ، لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا شَطَطًا إِفْرَاطًا ، الْوَصِيدُ : الْفِنَاءُ ، جَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ ، وَيُقَالُ : الْوَصِيدُ الْبَابُ ، مُؤْصَدَةٌ مُطْبَقَةٌ ، آصَدَ الْبَابَ وَأَوْصَدَ . بَعَثْنَاهُمْ أَحْيَيْنَاهُمْ ، أَزْكَى أَكْثَرُ ، وَيُقَالُ : أَحَلُّ ، وَيُقَالُ : أَكْثَرُ رَيْعًا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ لَمْ تَنْقُصْ . وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : الرَّقِيمُ : اللَّوْحُ مِنْ رَصَاصٍ ، كَتَبَ عَامِلُهُمْ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ طَرَحَهُ فِي خِزَانَتِهِ . فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ : فَنَامُوا ، وَقَالَ غَيْرُهُ : وَأَلَتْ تَئِلُ : تَنْجُو . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَوْئِلا مَحْرِزًا ، لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا لَا يَعْقِلُونَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ ( تَقْرِضُهُمْ ) تَتْرُكُهُمْ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ عَنْهُ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ ، وَسَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ ، وَأَخْرَجَ الْفَرَّاءُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ ثُمُرٌ ثم بِالضَّمِّ فَهُوَ الْمَالُ ، وَمَا كَانَ بِالْفَتْحِ فَهُوَ النَّبَاتُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : جَمَاعَةُ الثَّمَرُ ) كَأَنَّهُ عَنَى بِهِ قَتَادَةَ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيِّ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : الثَّمَرُ الْمَالُ كُلُّهُ ، وَكُلُّ مَالٍ إِذَا اجْتَمَعَ فَهُوَ ثَمَرٌ إِذَا كَانَ مِنْ لَوْنِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ( ثَمَرً ) يَعْنِي بِفَتْحَتَيْنِ وَقَالَ : يُرِيدُ أَنْوَاعَ الْمَالِ ، انْتَهَى . وَالَّذِي قَرَأَ هُنَا بِفَتْحَتَيْنِ عَاصِمٌ ، وَبِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ أَبُو عَمْرٍو ، وَالْبَاقُونَ بِضَمَّتَيْنِ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَى قَوْلِهِ : جَمَاعَةُ الثَّمَرِ أَنَّ ثَمَرَةً يُجْمَعُ عَلَى ثِمَارٍ ، وَثِمَارٌ عَلَى ثُمُرٍ . قَوْلُهُ : ( بَاخِعٌ مُهْلِكٌ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَأَنْشَدَ لِذِي الرُّمَّةِ : أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَيْ قَاتِلٌ نَفْسَكَ . قَوْلُهُ : ( أَسِفًا نَدَمًا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : حَزِنًا . قَوْلُهُ : ( الْكَهْفُ الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ ، وَالرَّقِيمُ الْكِتَابُ ، مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ ) تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَشْرُوحًا . قَوْلُهُ : ( أَمَدًا غَايَةً ، طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( أَمَدًا ) قَالَ : عَدَدًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَعِيدُ - يَعْنِي ابْنَ جُبَيْرٍ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الرَّقِيمُ لَوْحٌ مِنْ رَصَاصٍ كَتَبَ عَامِلُهُمْ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ طَرَحَهُ فِي خِزَانَتِهِ ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُطَوَّلًا ، وَقَدْ لَخَّصْتُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا كُنْتُ أَعْرِفُ الرَّقِيمَ ، ثُمَّ سَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي هِيَ الْقَرْيَةُ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا . وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . قَوْلُهُ : لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا أَيْ وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ هَذَا الْمَوْضِعُ ، ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا بِالْإِيمَانِ . قَوْلُهُ : ( مِرْفَقًا كُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَقْتُ بِهِ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ : وَيَقْرَؤهُ قَوْمٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ انْتَهَى . وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ ، وَابْنِ عَامِرٍ . وَاخْتُلِفَ هَلْ هُمَا بِمَعْنًى أَمْ لَا ؟ فَقِيلَ : هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ لِلْجَارِحَةِ وَبِفَتْحِهَا لِلْأَمْرِ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ ، وَقِيلَ لُغَتَانِ فِيمَا يُرْتَفَقُ بِهِ وَأَمَّا الْجَارِحَةُ فَبِالْكَسْرِ فَقَطْ وَقِيلَ لُغَتَانِ فِي الْجَارِحَةِ أَيْضًا ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْمَوْضِعُ كَالْمَسْجِدِ ، وَبِكَسْرِهَا الْجَارِحَةُ . قَوْلُهُ : ( تَزَّاوَرُ مِنَ الزُّورِ ، وَالْأَزْوَرُ الْأَمْيَلُ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : ( فَجْوَةٌ مُتَّسِعٌ وَالْجَمْعُ فَجَوَاتٍ وَفِجًى ، كَقَوْلِكَ زَكَوَاتٌ وَزَكَاةٌ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( شَطَطًا إِفْرَاطًا ، الْوَصِيدُ الْفِنَاءُ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ كُلُّهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . قَوْلُهُ : ( بَعَثْنَاهُمْ أَحْيَيْنَاهُمْ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ أَوْلَادُ مُلُوكٍ اعْتَزَلُوا قَوْمَهُمْ فِي الْكَهْفِ فَاخْتَلَفُوا فِي بَعْثِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ فَقَالَ قَائِلٌ يُبْعَثَانِ ، وَقَالَ قَائِلٌ : تُبْعَثُ الرُّوحُ فَقَطْ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَتَأْكُلُهُ الْأَرْضُ ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ . قَوْلُهُ : ( أَزْكَى أَكْثَرُ ، وَيُقَالُ أَحَلُّ ، وَيُقَالُ أَكْثَرُ رِيعًا ) تَقَدَّمَ أَيْضًا . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَحَلُّ ذَبِيحَةٍ ، وَكَانُوا يَذْبَحُونَ لِلطَّوَاغِيتِ . ( تَنْبِيهٌ ) : سَقَطَ مِنْ قَوْلِهِ : الْكَهْفُ الْفَتْحُ إِلَى هُنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا ، وَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِتَقْدِيمِ جُلِّ ذَلِكَ هُنَاكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : لَمْ يَظْلِمْ لَمْ يَنْقُصْ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَهُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَذَا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَوْئِلًا مُحْرِزًا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( مَوْئِلًا ) قَالَ : مَلْجَأً ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَقَالَ : هُوَ مِنْ وَأَلَ إِذَا لَجَأَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ هُنَا مَصْدَرٌ ، وَأَصْلُ الْمَوْئِلِ الْمَرْجِعُ . قَوْلُهُ : ( وَأَلَتْ تَئِلُ تَنْجُو ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : ( مَوْئِلًا ) : مَلْجَأٌ ومَنْجَا ، قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَا وَأَلَتْ نَفْسٌ عَلَيْهَا تُحَاذِرُ أَيْ لَا نَجَتْ . قَوْلُهُ : ( لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ) أَيْ ( لَا يَعْقِلُونَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . 1 - بَاب وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا 4724 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ، قَالَ : أَلَا تُصَلِّيَانِ . رَجْمًا بِالْغَيْبِ لَمْ يَسْتَبِنْ . فُرُطًا نَدَمًا . سُرَادِقُهَا مِثْلُ السُّرَادِقِ ، وَالْحُجْرَةِ الَّتِي تُطِيفُ بِالْفَسَاطِيطِ ، يُحَاوِرُهُ مِنْ الْمُحَاوَرَةِ ، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أَيْ لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ثُمَّ حَذَفَ الْأَلِفَ وَأَدْغَمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى ، وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا تقُولُ بَيْنَهُمَا نهرا ، زَلَقًا لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ ، هُنَالِكَ الْوَلايَةُ مَصْدَرُ ولي الْوَلِيِّ ولاء ، عُقْبًا عَاقِبَةً ، وَعُقْبَى وَعُقْبَةً وَاحِدٌ وَهِيَ الْآخِرَةُ ، قُبُلا وَقُبُلًا وَقَبَلًا : اسْتِئْنَافًا ، لِيُدْحِضُوا لِيُزِيلُوا ، الدَّحْضُ الزَّلَقُ . قَوْلُهُ : بَابُ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَلِيٍّ مُخْتَصَرًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَقْصُودَ الْبَابِ عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّعْمِيَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : أَلَا تُصَلِّيَانِ زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَالْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ أَكْثَرُ شَيْءٍ جَدَلًا . قَوْلُهُ : ( رَجْمًا بِالْغَيْبِ : لَمْ يَسْتَبِنْ ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . وَلِقَتَادَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ( رَجْمًا بِالْغَيْبِ ) قَالَ : قَذْفًا بِالظَّنِّ . قَوْلُهُ : ( فُرُطًا نَدَمًا ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( فُرُطًا ) قَالَ : نَدَامَةً ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا أَيْ تَضْيِيعًا وَإِسْرَافًا . وَلِلطَّبَرِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : ضَيَاعًا . وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : إِهْلَاكًا . وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : نَزَلَتْ فِي عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ . قَوْلُهُ : ( سُرَادِقُهَا مِثْلُ السُّرَادِقِ وَالْحُجْرَةِ الَّتِي تُطِيفُ بِالْفَسَاطِيطِ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ لَكِنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا كَسُرَادِقِ الْفُسْطَاطِ ، وَهِيَ الْحُجْرَةُ الَّتِي تَطُوفُ بِالْفُسْطَاطِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : سُرَادِقُ الْمَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودٌ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ قَالَ : سُرَادِقُهَا حَائِطٌ مِنْ نَارٍ . قَوْلُهُ : ( يُحَاوِرُهُ مِنَ الْمُحَاوَرَةِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : يُحَاوِرُهُ أَيْ يُكَلِّمُهُ مِنَ الْمُحَاوَرَةِ أَيِ الْمُرَاجَعَةِ . قَوْلُهُ : لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أَيْ لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ، ثُمَّ حُذِفَ الْأَلِفُ وَأُدْغِمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : تَرْكَ الْأَلِفَ مِنْ أَنَا كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ نُونُ أَنَا فِي نُونِ لَكِنْ ، وَأَنْشَدَ : وَتَرْمُقُنِي بِالطَّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِبٌ وَتَقْلِينَنِي لَكِنْ إِيَّاكِ لَا أَقْلِي أَيْ لَكِنْ أَنَا إِيَّاكِ لَا أَقْلِي . قَالَ : وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُشْبِعُ أَلِفَ أَنَا فَجَاءَتِ الْقِرَاءَةُ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ . قَوْلُهُ : وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا تَقُولُ بَيْنَهُمَا ) ثَبَتَ لِأَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالتَّشْدِيدِ ، وَيَعْقُوبَ ، وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ بِالتَّخْفِيفِ . قَوْلُهُ : ( هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ مَصْدَرُ وَلِيَ الْوَلِيُّ وَلَاءً ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ مَصْدَرُ الْوَلْيِ وَهُوَ أَصْوَبُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْوَاوِ ، وَالْأَخَوَانِ بِكَسْرِهَا ، وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَمْرٍو ، وَالْأَصْمَعِيُّ لِأَنَّ الَّذِي بِالْكَسْرِ الْإِمَارَةُ وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا . وَقَالَ غَيْرُهُمَا : الْكَسْرُ لُغَةٌ بِمَعْنَى الْفَتْحِ ، كَالدَّلَالَةِ بِفَتْحِ دَالِهَا وَكَسْرِهَا بِمَعْنًى . ( تَنْبِيهٌ ) : يَأْتِي قَوْلُهُ : ( خَيْرٌ عُقْبًا ) فِي الدَّعَوَاتِ . قَوْلُهُ : ( قِبَلًا وَقُبُلًا وَقَبَلًا اسْتِئْنَافًا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا أَيْ أَوَّلًا ، فَإِنْ فَتَحُوا أَوَّلُهَا فَالْمَعْنَى اسْتِئْنَافًا ، وَغَفَلَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ : لَا أَعْرِفُ لِلِاسْتِئْنَافِ هُنَا مَعْنًى ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِقْبَالًا ، وَهُوَ يَعُودُ عَلَى قَبْلًا بِفَتْحِ الْقَافِ ، انْتَهَى . وَالْمُؤْتَنَفُ قَرِيبٌ مِنَ الْمُقْبِلِ فَلَا مَعْنَى لِادِّعَاءِ تَفْسِيرِهِ . قَوْلُهُ : ( لِيُدْحِضُوا لِيُزِيلُوا ، الدَّحْضُ الزَّلَقُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ أَيْ لِيُزِيلُوا ، يُقَالُ : مَكَانٌ دَحَضٌ أَيْ مُزِلٌّ مُزْلِقٌ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خُفٌّ وَلَا حَافِرٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا · ص 258 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة الكهف · ص 36 سورة الكهف . أي هذا في بيان بعض تفسير سورة الكهف ، ذكر ابن مردويه أن ابن عباس ، وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم قالا : إنها مكية ، وعن القرطبي ، عن ابن عباس مكية إلا قوله وَاصْبِرْ نَفْسَكَ فإنها مدنية ، وفي مقامات التنزيل : فيها ثلاث آيات مدنيات ، قوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ وقوله : وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وهي ستة آلاف وثلاثمائة وستون حرفا ، وألف وخمسمائة وسبع وسبعون كلمة ، ومائة وعشر آيات . بسم الله الرحمن الرحيم . ثبتت البسملة للأكثرين إلا لأبي ذر ، فإنها لم تثبت . وقال مجاهد : تقرضهم تتركهم . أشار به إلى قوله : وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وفسر مجاهد تَقْرِضُهُمْ بقوله : تتركهم هذا التعليق رواه الحنظلي ، عن حجاج بن حمزة ، حدثنا شبابة ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، فذكره ، وعن ابن عباس : تَقْرِضُهُمْ تدعهم ، وعن مقاتل : تتجاوزهم ، أصل القرض القطع . وكان له ثمر ، ذهب وفضة . أشار به إلى قوله تعالى : وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ الآية ، وفسر الثمر بضم الثاء بالذهب والفضة ، وهذا من تتمة قول مجاهد ، ورواه ابن عيينة في تفسيره عن ابن جريج عنه ، وأخرج الفراء من وجه آخر عن مجاهد قال : ما كان في القرآن ثمر بالضم فهو المال ، وما كان بالفتح فهو النبات . وقال غيره : جماعة الثمر . قال بعضهم : كأنه عنى به قتادة ، قلت : الذي قاله صاحب التلويح : جماعة هو الصواب ، قوله : جماعة أي جمعه أي جمع الثمر بالفتح ، الثمر بضمتين ، وقيل : إن الثمرة تجمع على ثمار والثمار تجمع على ثمر ، فيكون الثمر جمع الجمع . باخع : مهلك . أشار به إلى قوله عز وجل : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ الآية ، وفسر باخع بقوله : مهلك ، وبه فسر أبو عبيدة . أسفا : ندما . أشار به إلى قوله تعالى : إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا وفسر أَسَفًا بقوله : ندما ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وعن قتادة : أَسَفًا حزنا ، وأراد بالحديث القرآن . الكهف الفتح في الجبل . أشار به إلى قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ وفسر الكهف بقوله : الفتح في الجبل ، ويقال : الكهف الغار في الجبل . والرقيم : الكتاب ، مرقوم : مكتوب ، من الرقم . اختلف المفسرون في الرقيم فقيل : هو الطاق في الجبل ، وعن ابن عباس : هو واد بين أيلة وعسفان ، وأيلة دون فلسطين ، وهو الوادي الذي فيه أصحاب الكهف ، وقال كعب : هو قريتهم ، فعلى هذا التأويل من رقمة الوادي وهو موضع الماء منه ، وعن سعيد بن جبير : الرقيم لوح من حجارة ، وقيل : من رصاص كتبوا فيه أسماء أصحاب الكهف وقصصهم ، ثم وضعوه على باب الكهف ، فعلى هذا الرقيم بمعنى المرقوم ، أي المكتوب ، والرقم الخط والعلامة ، والرقم الكتابة . ربطنا على قلوبهم : ألهمناهم صبرا . أشار به إلى قوله تعالى : وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا وفسر ربطنا بقوله : ألهمناهم صبرا ، وفي التفسير : شددنا على قلوبهم بالصبر ، وألهمناهم ذلك ، وقويناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش . لولا أن ربطنا على قلبها . هذا في تفسير سورة القصص ، وهو قوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ذكره هنا استطرادا لأنه من مادة ربطنا على قلوبهم ، وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : لولا أن ربطنا على قلبها بالإيمان . شططا إفراطا . أشار به إلى قوله تعالى : لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا وفسر شَطَطًا بقوله : إفراطا ، وعن ابن عباس ، ومقاتل : جورا ، وعن قتادة : كذبا ، وأصل الشطط مجاوزة القدر ، والإفراط . الوصيد : الفناء جمعه وصائد ، ووصد ، ويقال : الوصيد الباب ، مؤصدة مطبقة ، آصد الباب ، وأوصد . أشار به إلى قوله تعالى : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ وفسره بالفناء بكسر الفاء ، وهو سعة أمام البيوت ، وقيل : ما امتد من جوانبها ، قوله : ويقال : الوصيد الباب ، وروي كذلك عن ابن عباس ، وقاله السدي أيضا ، وعن عطاء : الوصيد عتبة الباب ، قوله : مؤصدة مطبقة ذكره استطرادا ، وهو في قوله تعالى : إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ يعني إن النار عليهم أي على الكافرين مؤصدة أي مطبقة ، قاله الكلبي ، واشتقاقه من آصد يوصد أشار إليه بقوله آصد الباب بمد الهمزة أي أطبقه ، وكذلك أوصد . بعثناهم أحييناهم . أشار به إلى قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا وإلى قوله تعالى : أيضا وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا الآية ، وفي التفسير قوله : ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ يعني من نومهم ، وذلك حين تنازع المسلمون الأولون أصحاب الكهف ، والمسلمون الآخرون الذين أسلموا حين رأوا أصحاب الكهف في قدر مدة لبثهم في الكهف فقال المسلمون الأولون : مكثوا في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين ، وقال المسلمون الآخرون : بل مكثوا كذا وكذا ، وقال الآخرون : الله أعلم بما لبثوا ، فذلك قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ قوله أَحْصَى أي أحفظ في العد ، قوله : لِمَا لَبِثُوا أي لما مكثوا في كهفهم نياما ، قوله : أَمَدًا أي غاية ، وعن مجاهد : عددا ، وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ يعني كما أمتناهم في الكهف ومنعناهم من الوصول إليهم وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان ، وثيابهم من العفن ، كذلك بعثناهم من النومة التي تشبه الموت . أزكى : أكثر ، ويقال : أحل ، ويقال : أكثر ريعا ، قال ابن عباس : أكلها . أشار به إلى قوله تعالى : فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا وفسر أَزْكَى بقوله : أكثر ، وكذا فسره عكرمة ، وأصله من الزكاة ، وهي الزيادة والنماء ، قوله : ويقال : أحل أي أحل ذبيحة ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير لأن عامتهم كانوا مجوسا ، وفيهم قوم مؤمنون يخفون إيمانهم ، قوله : ويقال : أكثر ريعا أي معنى أزكى أكثر ريعا ، والريع الزيادة والنماء على الأصل ، قاله ابن الأثير ، قوله : وقال ابن عباس : أكلها ، أي أزكى أكلها ، أي أطيب أكلها ، والمعاني المذكورة متقاربة . ولم تظلم : لم تنقص . أشار به إلى قوله تعالى : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وفسر قوله : لَمْ يُؤْمِنُوا بقوله : لم تنقص ، وهذا من تفسير ابن عباس ، رواه ابن أبي حاتم ، عن أبيه حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس . وقال سعيد ، عن ابن عباس : الرقيم اللوح من رصاص كتب عاملهم أسماءهم ثم طرحه في خزانته . لا يوجد هذا في كثير من النسخ ، ومع هذا لو كان ذكر عند قوله : والرقيم الكتاب مرقوم مكتوب من الرقم ، لكان أوجه وأقرب ، وسعيد هو ابن جبير ، وروى هذا التعليق ابن المنذر عن علي ، عن أبي عبيد ، حدثنا سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد ، عن ابن عباس بلفظ : إن الفتية طلبوا فلم يجدوهم ، فرفع ذلك إلى الملك ، فقال : ليكونن لهؤلاء شأن ، فدعى بلوح من رصاص ، فكتب أسماءهم فيه وطرحه في خزانته ، قال : فالرقيم هو اللوح الذي كتبوا فيه . فضرب الله على آذانهم فناموا هذه إشارة إلى قوله تعالى : فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا هذا من فصيحات القرآن التي أقرت العرب بالقصور عن الإتيان بمثله ، ومعناه : أنمناهم وسلطنا عليهم النوم كما يقال : ضرب الله فلانا بالفالج أي ابتلاه به ، وأرسله عليه ، وقيل : معناه حجبناهم عن السمع وسددنا نفوذ الصوت إلى مسامعهم ، وهذا وصف الأموات والنيام . وقال غيره : وألت تئل تنجو ، وقال مجاهد : موئلا محرزا . أي وقال غير ابن عباس في قوله : بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا أراد أن لفظ مَوْئِلا مشتق من وألت تئل من باب فعل يفعل بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل ، ومعنى تئل تنجو ، وقال الجوهري : وأل إليه يئل وألا ووؤلا على فعول أي لجأ ، والموئل الملجأ ، قوله : وقال مجاهد : موئلا محرزا يعني معناه محرزا ، وعن قتادة : معناه ملجأ ، ورجح ابن قتيبة هذا المعنى . لا يستطيعون سمعا لا يعقلون . أشار به إلى قوله تعالى : الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا وفسر قوله : لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا بقوله : لا يعقلون ، وفي التفسير : وصف الله الكافرين بقوله : الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ أي غشاء وغفلة ، عَنْ ذِكْرِي أي عن الإيمان والقرآن ، لا يَسْتَطِيعُونَ أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عز وجل ويتدبرونه ويؤمنون به لغلبة الشقاء عليهم ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله عز وجل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا · ص 38 باب قوله عز وجل : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا أي هذا باب في قوله تعالى : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا أي خصومة في الباطل ، نزلت في النضر بن الحارث ، وكان جداله في القرآن ، قاله ابن عباس ، وقيل : في أبي بن خلف ، وكان جداله في البعث . 245 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، حدثنا أبي عن صالح ، عن ابن شهاب قال : أخبرني علي بن حسين أن حسين بن علي أخبره عن علي رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة قال : ألا تصليان . هذا الحديث ذكره هنا مختصرا ، وقد مضى بأتم منه في الصلاة في باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل ، وفي آخره : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا وهذا هو وجه المطابقة بين الحديث والترجمة ، وإن لم يذكر صريحا . وعلي بن عبد الله هو المديني ، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وصالح هو ابن كيسان ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وعلي بن حسين هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب سمع أباه ومضى الكلام في الحديث هناك ، قوله : طرقه أي أتاه ليلا . رجما بالغيب لم يستبن . أشار به إلى قوله تعالى : وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وفسره بقوله : لم يستبن ، وقيل : قذفا بالظن من غير يقين ، وهذا لم يثبت في رواية أبي ذر . فرطا ندما أشار به إلى قوله تعالى : وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا نزلت في عيينة بن حصين بن بدر الفزاري قبل أن يسلم ، قاله ابن جريج ، وفسر قوله : فُرُطًا بقوله : ندما ، وروى الطبري من طريق داود بن أبي هند في قوله : فُرُطًا أي ندامة ، وعن أبي عبيدة تضييعا ، وإسرافا ، وعن مجاهد : ضياعا ، وعن السدي : إهلاكا . سرادقها مثل السرادق والحجرة التي تطيف بالفساطيط . أشار به إلى قوله تعالى : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا والضمير في سرادقها يرجع إلى النار ، والمعنى أن سرادق النار مثل السرادق ، والحجرة التي تطيف أي تحيط بالفساطيط ، وهو جمع فسطاط ، وهي الخيمة العظيمة والسرادق هو الذي يمد فوق صحن الدار ، ويطيف به ، ويقاربه ، وفي التفسير عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : سرادق النار أربع جدر كتف كل واحدة مسيرة أربعين سنة ، وعن ابن عباس : السرادق حائط من نار ، وعن الكلبي هو عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة ، وعن القتبي : السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط ، وهو هنا دخان محيط بالكفار يوم القيامة . يحاوره من المحاورة . أشار به إلى قوله تعالى : وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ الآية ، قوله : من المحاورة يعني لفظ يحاوره مشتق من المحاورة ، وهي المراجعة ، وفي التفسير : يحاوره أي يجاوبه . لكنا هو الله ربي ، أي : لكن أنا هو الله ربي ، ثم حذف الألف ، وأدغم إحدى النونين في الأخرى . أشار به إلى قوله تعالى : لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا هذا الذي ذكره هو تصرف عامة النحويين ، وهو حذف همزة أنا طلبا للخفة لكثرة استعماله وإدغام إحدى النونين في الأخرى ، وعن الكسائي : فيه تقديم وتأخير مجازه : لكن هو الله ربي . وفجرنا خلالهما نهرا ، يقول : بينهما . أشار به إلى قوله تعالى : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ الآية ، وفسر قوله : خِلالَهُمَا بقوله : بينهما ، وفي التفسير : وفجرنا خلالهما يعني شققنا وسطهما نهرا ، وفي بعض النسخ وقع هذا مقدما وثبت لأبي ذر . زلقا : لا يثبت فيه قدم . أشار به إلى قوله تعالى : فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا وفسره بقوله : لا تثبت فيه قدم ، وفي التفسير : صَعِيدًا زَلَقًا يعني صعيدا أملس لا نبات عليه ، وعن مجاهد : رملا هائلا وترابا . هنالك الولاية : مصدر الولي . أشار به إلى قوله تعالى : وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ الآية ، قوله : الْوَلايَةُ بفتح الواو في قراءة الجمهور ، وقال الزمخشري : الولاية بالفتح النصرة ، والتولي ، وبالكسر السلطان ، والملك ، وقد قرئ بهما ، قوله : مصدر الولي ، ويروى : مصدر ولي بدون الألف واللام ، وهكذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر : مصدر ولي الولي ولاء ، والأول هو الأصوب ، قوله : هنالك أي يوم القيامة ، وفي التفسير : هنالك يتولون الله تعالى ، ويتبرؤون مما كانوا يعبدونه . عقبا : عاقبة ، وعقبى وعقبة واحد ، وهي الآخرة . أشار به إلى قوله تعالى : هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا وفسر عُقْبًا بقوله : عاقبة ، ثم قال : العاقبة وعقبى وعقبة بمعنى واحد ، يقال : هذا عقب أمر كذا ، وعقباه ، وعاقبته أي آخره ، وقال الجوهري : عاقبة كل شيء آخره . قبلا وقبلا وقبلا استئنافا . أشار به إلى قوله تعالى : أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا وقبلا وقبلا الأول بكسر القاف وفتح الباء ، والثاني بضمتين ، والثالث بفتحتين ، وفسر ذلك كله بقوله : استئنافا يعني استقبالا ، وفي التفسير : أي عيانا قاله ابن عباس ، وقال الثعلبي : قال الكلبي : هو السيف يوم بدر ، وقال مقاتل : فجأة ، ومن قرأ بضمتين أراد أصناف العذاب . ليدحضوا : ليزيلوا ، الدحض : الزلق . أشار به إلى قوله تعالى : وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وفسر لِيُدْحِضُوا بقوله : ليزيلوا من الدحض ، وهو الزلق ، يقال : دحضت رجله إذا زلقت ، وعن السدي معناه : ليفسدوا ، وقيل : ليبطلوا به الحق .