39 - سُورَةُ الزُّمَرِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ : يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ذِي عِوَجٍ : لَبْسٍ . وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ : صَالِحًا ، مَثَلٌ لِآلِهَتِهِمُ الْبَاطِلَةِ وَالْإِلَهِ الْحَقِّ . وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينِ مِنْ دُونِهِ : بِالْأَوْثَانِ . خَوَّلْنَا : أَعْطَيْنَا . وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ : الْقُرْآنِ . وَصَدَّقَ بِهِ : الْمُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ : هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ . مُتَشَاكِسُونَ : الرَّجُلُ الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ . وَرَجُلًا سَلَمًا وَيُقَالُ : سَالِمًا : صَالِحًا . اشْمَأَزَّتْ : نَفَرَتْ بِمَفَازَتِهِمْ : مِنَ الْفَوْزِ . حَافِّينَ : أَطَافُوا بِهِ ، مُطِيفِينَ ( بِحِفَافِيهِ ) بِجَوَانِبِهِ . مُتَشَابِهًا : لَيْسَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ . وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ الزُّمَرِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَتَّقِي بِوَجْهِهِ يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ قَالَ : وَيَقُولُ هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ : أَفَمَنْ يُلْقَى إِلَخْ وَمُرَادُهُ بِالْمِثْلِيَّةِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَحْذُوفًا ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ يُجَرُّ بِالْجِيمِ وَهُوَ الَّذِي فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَلِلْأَصِيلِيِّ وَحْدَهُ يَخِرُّ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ مِنْ فَوْقِ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَبُو جَهْلٍ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّارٌ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ : يُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى النَّارِ مَكْتُوفًا ثُمَّ يُرْمَى بِهِ فِيهَا ، فَأَوَّلُ مَا يَمَسُّ وَجْهَهُ النَّارُ . وَذَكَرَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَنْ فِي قَوْلِهِ : ( أَفَمَنْ ) مَوْصُولَةٌ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَهُوَ كَمَنْ أَمِنَ الْعَذَابَ . قَوْلُهُ : ذِي عِوَجٍ لَبْسٍ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ . أَيْ لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ لَبْسٌ يَسْتَلْزِمُ الْعِوَجَ فِي الْمَعْنَى . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : غَيْرَ ذِي عِوَجٍ قَالَ : لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ . قَوْلُهُ : ( خَوَّلْنَا أَعْطَيْنَا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : وَإِذَا خَوَّلْنَاهُ قَالَ : أَعْطَيْنَاهُ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : كُلُّ مَالٍ أَعْطَيْتَهُ فَقَدْ خَوَّلْتَهُ . قَالَ أَبُو النَّجْمِ كُؤمُ الدرَى مِنْ خَوَلِ الْمُخَوَّلِ وَقَالَ زُهَيْرٌ هُنَالِكَ إِنْ يَسْتَخْوِلُوا الْمَالَ يُخَوَّلُوا . قَوْلُهُ : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ الْقُرْآنِ ، وَصَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُ يَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زَادَ النَّسَفِيُّ يَقُولُ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ : يَا أَبَا الْحَجَّاجِ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ قَالَ : هُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالْقُرْآنِ فَيَقُولُ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا قَدْ عَمِلْنَا بِمَا فِيهِ . وَوَصَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ قَالَ : هُمُ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالْقُرْآنِ قَدِ اتَّبَعُوهُ ، أَوْ قَالَ : اتَّبَعُوا مَا فِيهِ . وَأَمَّا قَتَادَةُ فَقَالَ : الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ . وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ . أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَصَدَّقَ بِهِ أَيْ صَدَّقَ بِالرَّسُولِ . وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ : الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ ، وَالصِّدْقُ الْقُرْآنُ ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَمِنْ طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوَانٍ ، عَنْ عَلِيٍّ : الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ . وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ . وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ، وَصَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ . قَوْلُهُ : وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ صَالِحًا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ خَالِصًا ، وَسَقَطَتْ لِلنَّسَفِيِّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ . زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ مَثَلًا لِآلِهَتِهِمُ الْبَاطِلِ وَالْإِلَهِ الْحَقِّ وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ رَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ قَالَ : مَثَلُ آلِهَةِ الْبَاطِلِ وَمَثَلُ إِلَهِ الْحَقِّ ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ : بِالْأَوْثَانِ سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ ، . وَقَالَ ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ : قَالَ لِي رَجُلٌ : قَالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا أَوْ لَنَأْمُرَنَّهَا فَلَتُخْبِلَنَّكَ ، فَنَزَلَتْ : وَيُخَوِّفُونَكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : غَيْرُهُ مُتَشَاكِسُونَ الرَّجُلُ الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ . وَرَجُلا سَلَمًا وَيُقَالُ سَالِمًا : صَالِحًا ) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَبِي ذَرٍّ فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ بَقَايَا كَلَامِ مُجَاهِدٍ . وَلِلنَّسَفِيِّ وَقَالَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْفَاعِلِ ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَهُوَ كَلَامُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : الشَّكِسُ : الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ . وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ هُوَ مِنَ الرَّجُلِ الشَّكِسِ ، ( وَرَجُلًا سَالِمًا ) الرَّجُلُ سَالِمٌ وَسَلَمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مِنَ الصُّلَّحِ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو سَالِمًا وَالْبَاقُونَ سَلَمًا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي الشَّوَاذِّ بِكَسْرِهِ ، وَهُمَا مَصْدَرَانِ وُصِفَ بِهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ اسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ أَوْلَى لِيُوَافِقَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى ، وَعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ أَيْ بِمَعْنًى . وَقَوْلُهُ الشَّكِسُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا هُوَ السَّيِّئُ الْخُلُقِ ، وَقِيلَ : مَنْ كَسَرَ الْكَافَ فَتَحَ أَوَّلَهُ وَمَنْ سَكَّنَهَا كَسَرَ وَهُمَا بِمَعْنًى . قَوْلُهُ : اشْمَأَزَّتْ نَفَرَتْ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ : تَقُولُ الْعَرَبُ اشْمَأَزَّ قَلْبِي عَنْ فُلَانٍ أَيْ نَفَرَ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : اشْمَأَزَّتْ أَيْ نَفَرَتْ ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : انْقَبَضَتْ . قَوْلُهُ : بِمَفَازَتِهِمْ مِنَ الْفَوْزِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ أَيْ بِنَجَاتِهِمْ وَهُوَ مِنَ الْفَوْزِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ أَيْ : بِفَضَائِلِهِمْ . قَوْلُهُ : حَافِّينَ أَطَافُوا بِهِ مُطِيفِينَ بِحِفَافِيهِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ بِجَانِبَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ، وَالْأَصِيلِيِّ بِجَوَانِبِهِ ، وَلِلنَّسَفِيِّ بِحَافَّتِهِ بِجَوَانِبِهِ ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ ، وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ طَافُوا بِهِ بِحِفَافِيهِ ، وَرِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِيِّ بِالْمَعْنَى . قَوْلُهُ : مُتَشَابِهًا لَيْسَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ مُتَشَابِهًا قَالَ : يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : كِتَابًا مُتَشَابِهًا قَالَ : يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَيَدُلُّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُهُ . وَقَوْلُهُ : مَثَانِيَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ مُتَشَابِهًا لِأَنَّ الْقِصَصَ الْمُتَكَرِّرَةَ تَكُونُ مُتَشَابِهَةٌ ، وَالْمَثَانِي جَمْعُ مَثْنَى بِمَعْنَى مُكَرَّرٍ ، لِمَا أُعِيدَ فِيهِ مِنْ قَصَصٍ وَغَيْرِهَا 1 - بَاب يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 4810 - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ يَعْلَى : إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا ، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا ، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً . فَنَزَلَ : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَنَزَلَ : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ قَوْلُهُ ( بَابُ قَوْلِهِ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الْآيَةَ ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا . قَوْلُهُ : ( أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ ، قَالَ يَعْلَى ) أَيْ : قَالَ : قَالَ يَعْلَى - وَ قَالَ : تَسْقُطُ خَطًا وَتَثْبُتُ لَفْظًا ، وَيَعْلَى هَذَا هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ بِلَفْظِ أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَعْلَى وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ هَذَا لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُمَا عَنْ يَعْلَى غَيْرُ مَنْسُوبٍ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ . وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٌ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ يَعْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ بَصْرِيُّ الْأَصْلِ سَكَنَ مَكَّةَ مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَبِرِوَايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ ، وَقَدْ رَوَى يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا . قَوْلُهُ : ( لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَاتِلُ حَمْزَةَ وَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ نَزَلَتْ : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا الْآيَةَ ، فَقَالَ : هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ ، فَنَزَلَتْ : قُلْ يَا عِبَادِيَ الْآيَةَ . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : اتَّعَدْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ أَنْ نُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّتِهِمْ وَرُجُوعِ رَفِيقِهِ فَنَزَلَتْ : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْآيَةَ قَالَ : فَكَتَبْتُ بِهَا إِلَى هِشَامٍ . قَوْلُهُ : ( وَنَزَلَ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ : فَقَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصَبْنَا مَا أَصَابَ وَحْشِيٌّ ، فَقَالَ : هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً . وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَذِهِ الْآيَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْآيَةَ . فَقَالَ رَجُلٌ : وَمَنْ أَشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ أَشْرَكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - وَاسْتُدِلَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى غُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِحَقِّ الْآدَمِيِّينَ أَمْ لَا ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ ، وَأَنَّهَا تُغْفَرُ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ ، لَكِنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ إِذَا تَابَ صَاحِبُهَا مِنَ الْعَوْدِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَنْفَعُهُ التَّوْبَةُ مِنَ الْعَوْدِ ، وَأَمَّا خُصُوصُ مَا وَقَعَ مِنْهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ رَدِّهِ لِصَاحِبِهِ أَوْ مُحَالَلَتِهِ مِنْهُ . نَعَمْ فِي سِعَةِ فَضْلِ اللَّهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرِضَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَنْ حَقِّهِ وَلَا يُعَذَّبَ الْعَاصِي بِذَلِكَ ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلُهُ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا · ص 409 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة الزمر · ص 141 ( سورة الزمر ) أي هذا في تفسير بعض سورة الزمر ، قال ابن عباس : هي مكية إلا آيتان مدنيتان : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا نزلت في وحشي حرب ، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وقال السخاوي : نزلت بعد سورة سبأ وقبل سورة المؤمن ، وهي أربعة آلاف وسبعمائة وثمانية أحرف ، وألف ومائة واثنان وسبعون كلمة ، وخمس وسبعون آية . ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر . ( وقال مجاهد : أفمن يتقى بوجهه ، يجر على وجهه في النار ، وهو قوله تعالى : أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة ) . أي قال مجاهد في قوله تعالى أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الآية ، قوله : " أَفَمَنْ يَتَّقِي " يقال : اتقاه بدرقته استقبله بها فوقى بها نفسه ، واتقاه بيده وتقديره : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن أمن العذاب ، فحذف الخبر ، وسوء العذاب شدته ، وعن مجاهد يجر على وجهه في النار ، وأشار البخاري إلى هذا بقوله : يجر على وجهه في النار ، وأشار بقوله : وهو قوله أفمن يلقى في النار إلى آخره ، إلى أن قوله : أفمن يتقي بوجهه يجر على وجهه في النار مثل قوله " أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ " إلى آخره ، ووجه التشبيه بيان حاله في أن ثم محذوفا ، تقديره : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن أمن العذاب كما ذكرناه الآن ، ولفظ يجر بالجيم عند الأكثرين ، وفي رواية الأصيلي وحده بالخاء المعجمة . ( غير ذي عوج لبس ) . أشار به إلى قوله تعالى : قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وفسر العوج باللبس وهو الالتباس ، وهذا التفسير باللازم لأن الذي فيه لبس يستلزم العوج في المعنى ، وأخرج ابن مردويه من وجهين ضعيفين عن ابن عباس في قوله : " غَيْرَ ذِي عِوَجٍ " قال : ليس بمخلوق . ( ورجلا سلما لرجل صالحا مثل لإلههم الباطل والإله الحق ) . أشار به إلى قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا ، قوله : " ورجلا " عطف على رجلا الأول ، وهو منصوب بنزع الخافض ، أي ضرب الله مثلا لرجل أو فى رجل ، قوله : " سلما " بكسر السين ، وهو قراءة العامة ، وهو الذي لا تنازع فيه ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب : سالما ، وهو الخالص ضد الشرك ، قوله : " صالحا " ، وفي رواية الكشميهني : " خالصا " ، وسقطت هذه اللفظة للنسفي ، قوله : " مثل " خبر مبتدأ محذوف أي هذا مثل لإلههم الباطل والإله الحق ، والمعنى : هل تستوى صفاتهما وتمييزهما ، وقال الثعلبي : هذا مثل ضربه الله للكافر الذي يعبد آلهة شتى ، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله - عز وجل - ، قوله : " متشاكسون " مختلفون متنازعون متشاحون سيئة أخلاقهم . ( ويخوفونك بالذين من دونه ، بالأوثان ) . أشار به إلى قوله تعالى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أي يخوفك المشركون بمضرة الأوثان ، قالوا : إنك تعيب آلهتنا وتذكرها بسوء ، لتكفن عن ذكرها أو تصيبك بسوء ، قوله : " الأوثان " ويروى أي بالأوثان ، وهذا أولى . ( خولنا أعطينا ) . أشار به إلى قوله تعالى : ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا وفسره بقوله : أعطينا ، وقال أبو عبيدة : كل مال أعطيته فقد خولته . ( والذي جاء بالصدق ، القرآن ، وصدق به ، المؤمن يجيء يوم القيامة يقول : هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه ) . أشار به إلى قوله - عز وجل - : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وفسر قوله : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ بقوله : القرآن ، وقال السدي : الذي جاء بالصدق : جبريل - عليه السلام - جاء بالقرآن وصدق به ، يعني محمدا - صلى الله تعالى عليه وسلم - تلقاه بالقبول ، وقال ابن عباس : والذي جاء بالصدق ، يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء بلا إله إلا الله ، وصدق به هو أيضا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغه إلى الخلق ، وعن علي ابن أبي طالب ، وأبي العالية ، والكلبي : والذي جاء بالصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدق به : أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - ، وعن قتادة ومقاتل : والذي جاء بالصدق رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وصدق به : المؤمنون ، وعن عطاء : والذي جاء بالصدق الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وصدق به الأتباع ، فعلى هذا يكون الذي بمعنى الذين ، كما في قوله تعالى : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا قوله : " يقول هذا " الذي إلى آخره في رواية النسفي لا غير . ( متشاكسون ، الرجل الشكس : العسر ، لا يرضى بالإنصاف ) . أشار به إلى قوله تعالى : رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ أي مختلفون ، فقد ذكرناه الآن ، قوله : " الشكس " أشار به إلى أنه من مادة متشاكسون غير أن المذكور في القرآن من باب التفاعل للمشاركة بين القوم ، والشكس مفرد صفة مشبهة ، قال في ( الباهر ) : رجل شكس بالفتح والتسكين صعب الخلق ، وقوم شكس بالضم مثال رجل صدق وقوم صدق ، وقيل : الشكس بالكسر والإسكان ، والشكس بالفتح وكسر الكاف : السيء الخلق ، يقال : شكس شكسا وشكاسة ، وفسر البخاري الشكس بقوله : العسر لا يرضى بالإنصاف ، والعسر مثل الحذر صفة مشبهة ، ويروى العسير على وزن فعيل ، وفي بعض النسخ : وقال غيره : الشكس ، قال صاحب ( التلويح ) يعني غير مجاهد : فكأنه - والله أعلم - يريد بالغير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، فإن الطبري رواه عن يونس عن ابن وهب عنه . ( ورجلا سلما ، ويقال : سالما صالحا ) . ليس هذا بمذكور في غالب من النسخ ؛ لأنه كالمكرر ؛ لأنه ذكر عن قريب ، ولكن يمكن أن يقال : إنه أشار به إلى أن سين سلما جاء فيها الفتح والكسر ، فيكون أحدهما إشارة إلى الكسر والآخر إلى الفتح ، وقال الزجاج : سلما وسلما مصدران وصف بهما على معنى ورجلا ذا سلم . ( اشمأزت : نفرت ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ الآية ، وفسره بقوله : نفرت ، وكذا رواه الطبراني عن محمد : حدثنا أحمد حدثنا أسباط عن السدي وعن مجاهد قال : انقبضت ، وعن قتادة : أي كفرت قلوبهم واستكبرت . ( بمفازتهم من الفوز ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ أي فوزهم ، وهو مصدر ميمي ، قرأ أهل الكوفة إلا حفصا بالألف على الجمع ، والباقون بغير الألف على الواحد . ( حافين مطيفين بحفافيه بجوانبه ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ وفسر حافين بقوله : مطيفين ، من الإطافة وهو الدوران حول الشيء ، قوله : بحفافيه ، بكسر الحاء المهملة وبالفاء المخففة وبعد الألف فاء أخرى تثنية حفاف ، وهو الجانب ، وفي رواية المستملي : بجانبيه ، وفي رواية كريمة والأصيلي : بجوانبه ، أشار إليه بقوله : بجوانبه ، وأشار إلى أن معنى متشابها وهو أيضا مثل التفسير لما قبله ، وفي رواية النسفي بحافته . ( متشابها ليس من الاشتباه ولكن يشبه بعضه بعضا في التصديق ) . أشار به إلى قوله تعالى : اللَّهُ نَـزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا وأشار إلى أن معنى متشابها ليس من الاشتباه الذي بمعنى الالتباس والاختلاط ، ولكن معناه أنه يشبه بعضه بعضا في التصديق لأن القرآن يفسر بعضه بعضا ، وقيل : في تصديق الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - في رسالته بسبب إعجازه ، وكذا رواه ابن جرير عن ابن حميد ، عن جرير ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله تعالى يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله · ص 142 ( باب قوله تعالى : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) أي هذا باب في قوله تعالى : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا الآية ، اختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، فعن ابن عباس : نزلت في أهل مكة ، قالوا : يزعم محمد أنه من قتل النفس التي حرمها الله وعبد الأوثان لم يغفر له ، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرمها الله ، فأنزل الله هذه الآية ، وعنه أنها نزلت في وحشي قاتل حمزة ، وعن قتادة : ناس أصابوا ذنوبا عظيمة في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يتاب عليهم ، فدعاهم الله تعالى بهذه الآية إلى الإسلام ، وعن ابن عمر نزلت في عياش ابن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا ، فافتتنوا ، فكنا نقول لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا أبدا ، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا به ، فنزلت . 305 - ( حدثني إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال يعلى : إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا ، فأتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزل : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ، ونزل : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج . والحديث أخرجه مسلم في الإيمان ، عن إبراهيم بن دينار وغيره ، وأخرجه أبو داود في الفتن ، عن أحمد بن إبراهيم ، وأخرجه النسائي في المحاربة ، وفي التفسير عن الحسن بن محمد الزعفراني . قوله : " قال يعلى " أي قال : " قال يعلى " سقط خطأ وثبت لفظا ، ويعلى هو ابن مسلم بن هرمز ، روى عنه ابن جريج في ( الصحيحين ) ، وقال صاحب ( التوضيح ) : يعلى هذا هو ابن حكيم ، كما ذكره أبو داود مصرحا به في إسناده ، وقال الكرماني : اعلم أن يعلى بن مسلم ويعلى بن حكيم كليهما يرويان عن سعيد بن جبير ، وابن جريج يروي عنهما ، ولا قدح في الإسناد بهذا الالتباس لأن كلا منهم على شرط البخاري . ( قلت ) : أما صاحب ( التوضيح ) فإنه نسب إلى أبي داود أنه صرح بأنه يعلى بن حكيم وليس كما ذكره فإنه لم يصرح به في إسناده ، بل ذكره البخاري من غير نسبة ، وأما الكرماني فإنه سلك طريق السلامة ولم يجزم بأحد يعليين ، ولا خلاف أنه يعلى بن مسلم هاهنا ، ويؤيده أن الحافظ المزي ذكر في ( الأطراف ) على رأس هذا الحديث أنه يعلى بن مسلم كما وقع به مصرحا عند مسلم ، قوله : " إن ناسا من أهل الشرك " أخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس أن السائل عن ذلك هو وحشي بن حرب ، قوله : " أن لما " أي الذي عملناه كفارة ، نصب على أنه اسم " إن " تقدم عليه الخبر .